من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
النوع السادس (ما يرفع منها للدّوادار لتعلّق عنه الرسالة عن السلطان به)
واعلم أن العادة كانت جارية في الزمن المتقدّم أن السلطان إذا أمر بكتابة شيء على لسان أحد من الدّواداريّة، حمل بريديّ من البريديّة الرسالة لذلك عن ذلك الدّوادار إلى كاتب السرّ فيسمع كلام البريديّ ويكتب على القصّة إن كانت، أو ورقة مفردة ما مثاله: «حضرت رسالة على لسان فلان البريديّ بكذا وكذا» ويعيّنه على من يكتبه من كتّاب الإنشاء. ولم يزل الأمر على ذلك إلى الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» فأفرد المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء كاتبا من كتّاب الإنشاء لتعليق الرسالة؛ فصار يكتب ما كان كاتب السرّ يكتبه من ذلك على القصص أو الورقة المفردة ثم ترفع إلى كاتب السرّ فيكتب عليها بالأمر بكتابتها؛ ويعيّنها على من يكتب بمقتضاها، وتخلّد القصة أو الورقة التي علّقت فيها الرسالة عنده شاهدا له. واستمرّ ذلك إلى مباشرة القاضي فتح الدين بن شاس أحد كتّاب الدّست عند الدّوادار؛ والدّوادار يومئذ الأمير يونس النّوروزي، فأذن له كاتب السرّ في تعليق الرسالة عن الأمير يونس الدّوادار على ظهور القصص وغيرها ففعل. وكان يكتب على حواشي
القصص في وسط القصّة آخذا من جهة اليمين إلى جهة اليسار بميلة إلى الأعلى بقلم دقيق متلاصق الأسطر ما مثاله: «رسم برسالة الجناب العالي الأميري الكبيريّ الشّرفيّ يونس الدّوادار الظاهريّ- ضاعف الله تعالى نعمته- أن يكتب مثال شريف بكذا أو توقيع شريف بكذا» وما أشبه ذلك، ويؤرخه بيوم الكتابة، ثم تحمل إلى كاتب السرّ فيكتب عليها بالأمر بالكتابة، ويعيّنها على كاتب من كتّاب الإنشاء، فيكتب بمقتضاها ويخلّدها شاهدا عنده، وجرى الأمر على ذلك بعده إلى آخر وقت.
قلت: وقد كان في الدولة الفاطميّة كاتب مفرد لتعليق الرسالة عن الخليفة، يسمّى صاحب القلم الدقيق، يعلّق ما تبرز به أوامر الخليفة في الرّقاع وحواشي القصص، وتحمل إلى ديوان الوزارة، فيعتمدها الوزير، ويبرز أمره إلى ديوان الإنشاء باعتمادها وكتابة ما فيها، على ما تقدّم ذكره في ترتيب الخلافة الفاطمية بالديار المصرية في المقالة الثانية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع