تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الثاني- أن يكون ما يكتب به عن السلطان خبرا يريد التورية به عنه

وستر حقيقته، كإعلامهم بالحوادث الحادثة على الملوك، والنوائب الملمّة بالدولة من هزيمة جيش، أو تغيير رسم، أو إحداثه، أو تكليف الرعيّة ما لا يسهل عليها تكليفه وما أشبه ذلك. قال في «موادّ البيان»: فيجب أن يقصد في ذلك الاختصار والإيجاز، ويعدل عن استعمال الألفاظ الخاصّة بالمعنى إلى غيرها مما يحتمل التأويل، ولا تنفر الأسماع عنه، ولا تراع القلوب به، من غير أن يحتمل كذبا

صراحا؛ فإنه لا شيء أقبح بالسلطان، ولا أغمص لشأنه وقدره من أن يضمّن كتابه ما ينكشف للعامّة بطلانه. قال: وينبغي للكاتب أن يتخلّص من هذا الباب التخلّص الجيّد الذي يزيّن به الأثر، من غير تصريح بكذب، وأن يخرج الباطل في صورة الحق، ويعرّض سلطانه في ذلك للإحماد والتقريظ من حيث يستحقّ التأنيب والإذمام، فإن هذه سبيل البلاغة، وطريقة فضلاء الصّناعة؛ لأن الأمر الظاهر الحسن المجمع على فضله لا يحتاج في التعبير عن حسنه إلى كدّ الخاطر، وإتعاب الفكر، إذ الألكن لا يعجز عن التعبير عنه فضلا عن اللّسن، وإنما الفضل في تحسين ما ليس بحسن، وتصحيح ما ليس بصحيح، بضروب من التمويه والتخييل، وإقامة المعاذير، والعلل المعفّية على الإساءة والتقصير، من حيث لا يلحق كذب صريح ولا زور مطلق. ولضيق هذا المقام وصعوبة مرتقاه، أورده الشيخ جمال الدين بن نباتة في جملة مسائله التي سأل عنها كتّاب الإنشاء بدمشق- فقال: وما الذي يكتب عن المهزوم إلى من هزمه؟.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.