من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأسلوب الثاني (أن يفتتح المكاتبة بلفظ «أما بعد» )
والأمر فيه على نحو ما تقدّم في الأسلوب قبله بعد البعدية، كما كتب أبو الميمون عن المستنصر بالله، أحد خلفائهم إلى بعض نوّابه، وقد نقض العهد على بعض المهادنين من النصارى.
«أما بعد حمد الله الآمر بالوفاء بالعهود، والصلاة على سيدنا محمد المصطفى الكريم سيّد الوجود، وعلى آله وصحبه ليوث البأس وغيوث الجود، والرّضا عن الإمام المعصوم، المهديّ المعلوم، الآتي بالنّعت الموجود، في الزّمن المحدود، وعن خلفائه الواصلين بأمره إلى التّهائم والنّجود، والدعاء لسيدنا الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين بسعد تذلّ له النواصي، ويهدّ الأقطار القواصي، فكتبناه- كتبكم الله ممّن إذا همّ بأمر تدبّر عواقبه، وإذا عزم على ركوب غرر ألفى معاطبه- من فلانة كلأها الله تعالى. وقد بلغنا ما كان منكم من اكتساح النصارى، والزيادة على ذلك باختطاف الأسارى، ونعوذ بالله من شهوة تغلب عقلا، ونخوة تعقب هوانا وذلّا. وقد أخطأتم في فعلتكم الشّنعاء من ثلاثة أوجه؛ أحدها أنه خلاف ما أمر الله تعالى به من الوفاء بالعهد، والوقوف مع العقد. والثاني عصيان الأمر العزيز وفيه التغرير بالمهج، وترك السّعة للحرج.
والثالث أنكم تثيرون على أنفسكم من شرّ عدوّكم- قصمه الله- شررا يستعر، وضررا يعدم فيه المنتصر، فليتكم إذ تجلّيتم بالعصيان، ورضيتم الغدر المحرّم في سائر الأديان، ثبتّم للعدّو إذا دهمكم، ولقيتموه بالجانب القويّ متى زحمكم، بل تتدرّعون له الفرار، وتتركونه في مخلّفيكم وما اختار. وقد جرّبتم
مرّات أنكم لا ترزؤونهم ذرّة، إلا رزؤوكم ألف بدرة، ولا تصيبونهم مرّة، إلا أصابوكم ألف مرّة. وإلى متى تنهون فلا تنتهون؟ وحتّام تنبّهون فلا تنتبهون؟
فإذا وافاكم كتابنا هذا بحول الله وقوّته فأدّوا من أسرتم إلى مأمنه، وردّوا ما انتهبتم إلى مسرحه، ولا تمسكوا من الأسارى بشعرة، ولا من الماشية بوبرة.
ومن سمعنا عنه- بعد وصول هذا الكتاب- أنه تعدّى هذا الرّسم، وخالف هذا الحكم، أنفذنا عليه الواجب، وحكّمنا فيه المهنّد القاضب، فلتسرع من نومة الغفلة إفاقتكم، ولا تتعرّضوا من الشّر لما تعجز عنه طاقتكم، ونحن متعرّفون ما يكون منكم من تأنّ أو بدار، ومقابلون لكم بما يصدر عنكم من إقرار وإنكار، وهو يرشدكم بمنّه. والسّلام عليكم ورحمة الله».
قلت: ثم طرأ بعد ذلك الإكثار من ألقاب خلفائهم في المكاتبات الصادرة عنهم، والمبالغة في مدحهم، وإطرائهم على ما سيأتي ذكره في الكلام على المكاتبات الواردة من ملوك الأقطار إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية فيما بعد إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع