من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الأسلوب الخامس (أن يبتدأ الكتاب بالسلام)
كما كتب القاضي الفاضل عن السلطان «صلاح الدين» أيضا، يعتذر له عن تأخّر الكتب، ويذكر له خبر صاحب قسطنطينيّة وصاحب صقلّيّة من ملوك النصرانية من الروم والفرنج:
سلام الله الأطيب، وبركاته التي يستدرّها الحضّر والغيّب، وزكواته التي ترفع أولياءه إلى الدّرج، ونعمه التي لم تجعل على أهل طاعته في الدين من حرج- على مولانا سيّد الخلق، وسادّ الخرق، ومسدّد أهل الحق، ولابس الشّعار الأطهر سوادا، ومستحق الطاعة التي أسعد الله من خصّه بها بدءا ومعادا، ومولى الأمّة، الذي تشابه يوم نداه وبأسه إن ركض جودا أو جوادا، وواحد الدهر الذي لا يثنى، وإليه القلوب تثنى، ولا يقبل الله جمعا لا يكون لولائه جمع سلامة لا جمع تكسير، ولا استقبال قبلة ممن لا تكون محبّته في قلبه تقيم واسمه في عمله إلى الله يسير، مولانا أمير المؤمنين، وعلى آبائه المالئي الأرض عدلا، الملاء أهلا وفضلا، والضاربين فيصلا والقائلين فصلا، ومن تقول الجنة لأهلها بهم أهلا، المخصوصين بالعناية الإلهيّة، الحاكمين فكلّ أمة بطاعتهم مأمورة وعن معصيتهم منهيّة، والمشرّفي الأسارير على أسرّة الشرف فكم ملأت البهو مناظرهم البهيّة.
المملوك- يخدم الحرم الشريف باحترامه، والفناء الكريم بإعظامه، والبساط المقبّل بطول استلامه، والسّتر الذي أسبله الله على العباد بتحيّته وسلامه، وينهي أنه آخر الخدم عن أن ينتظم الأوقات المتجدّدة، ويقتضب الحالات المتجرّدة، والرّسل عن أن تتوارد دراكا، وتتوالى وشاكا، والإنهاءات عن أن تثبت بالمقامات الشريفة النبوية، ومجالس العرض العلية، ما انتهت
إليه الأقدار، وما أفضى إليه من كثير المناجح وقليل الأعذار، فإنّ أدب الأمالي عن المطالعة كالصوم لا يفضّ ختامه ولا يحلّ نظامه، إلا بعيد يطلع هلاله مبشّرا، ويبثّ خبره في الآفاق معطّرا، فلو أن متكلّفا أفطر قبل موعده، وورد الماء قبل مورده، لكان مفسدا لعقده، ناكثا لعهده.
كذلك المملوك أمسك حين كانت الأخبار بجانبه مشتبهة، والحقائق لديه غير متوجّهة، فإنّ طاغيتي الكفر بقسطنطينية وصقلّية كانا قد أوقدا للحرب نارا، ورفعا لها أوزارا، واتخذا لها أسطولا جاريا وعسكرا جرّارا، وتباريا ولم يزد الله الظالمين إلّا تبارا، وكتبا إلى الفرنج بعد انهزامهم بالنّجدة والنّصرة، وتضمّنا لهم الخروج والكرّة، ويصفان ما استعدّا به بما لا يعبّر عنه إلا بالكثرة، واستطارت الشّناعة وتداولتها الألسن، وخرجت من الأفواه حتّى لقد كادت تدخل فيما رأته الأعين، وورد إلى المملوك رسول من طاغية القسطنطينيّة وهو أقدم ملوك النصرانية قدما، وأكثرهم ما لا منتمى، فعرض عليه موادعة يكون بها عسكره مودعا، ويكون له بها مفزعا، له ولصاحب صقلّيّة، الذي زعم أنه أصل للشرّ يكون الشرّ منه مفرّعا، فلم يكن ولم يجب إلى السّلم، ولم يزعه أن عسكره خذله الله مبار في البرّ وفي اليمّ، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع