من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطرف السادس (في المكاتبات الصادرة عن الملوك ومن في معناهم إلى خلفاء بني أمية بالأندلس)
وكانت المكاتبة إليهم بالافتتاح بالدعاء بطول البقاء، مع الإطناب في الإطراء في شأن الخليفة ومدحه والثناء عليه والدعاء له، والخطاب فيه للخليفة بأمير المؤمنين منعوتا بمولاي وسيدي ونحو ذلك، والتعبير عن المكتوب عنه بلفظ الوحدة من تاء المتكلم ونحوها. كما كتب أبو المطرّف بن المثنّى من إنشائه عن المنصور إلى هشام بن الحكم يخبره بجريان الصّلح بينه وبين الموفّق، بعد ما كان بينهما من عداوة:
أطال الله بقاء أمير المؤمنين! مولاي وسيدي وسيد العالمين، وابن الأئمة الراشدين، عزيزا سلطانه منيرا زمانه، سامية أعلامه، ماضية أحكامه، ظاهرا على من ناواه قاهرا لمن عاداه، كما يحبّ- أيد الله أمير المؤمنين مولاي وسيّدي على أحسن ما يكون عليه.
العبد المخلص والمولى المتخصّص، الذي حسن مضمره واستوى سرّه
وجهره، ولاح استبصاره وجدّه، وتناهى سعيه وجهده في مضمار الجري إلى الطاعة، وبذل إذعانه وانقياده، واستعبد إمكانه وإجهاده، فيما يفي بتمكين الإمامة المهديّة، والخلافة المرضيّة، ويشدّ مباني المملكة المصدّقة لتباشير اليمن والبركة، والله سبحانه وليّ العون والتأييد، والمليّ بالتوفيق والتسديد، لا ربّ غيره.
وبعد- أبقى الله أمير المؤمنين- فإن كتابي إليه سلف معربا عن النّزغة التي كانت بيني وبين الموفّق مملوكه، وقديما نزغ الشيطان بين المرء وصديقه، والأخ وشقيقه، وضرب ساعيا بالتّشتيت والتشغيب، والتبعيد والتقريب؛ بين الأب الحاني الشفيق، والابن البرّ الرفيق، ثم يعود ذوو البصائر والنّهى، وأولوا الأحلام والحجا، إلى ما هو للشّحناء أذهب، وبالتجامل أولى وأوجب.
وكتابي هذا وقد نسخ الله بيننا آية الافتراق، بالاتصال والاتفاق، ومحاسمة التباين والخلاف، وبدوّ التآلف والإنصاف، وعادت النفوس إلى صفائها، وانطوت على وفائها، وخبت نار الفتنة، وامتدّ رواق الهدنة، وثبتت الأسباب الراسخة، والأواصر العاطفة بأزمّة قلوبنا إلى معاهد الخلّة القديمة، ومواطن العشرة الكريمة، والمعروف من الامتزاج في كلّ الأحوال والتشابك وجلاء الشك باليقين، وقرّت بالانتظام العيون، وصرنا في القيام بدعوة أمير المؤمنين مولانا وسيدنا رضيعي لبان، وشريكي عنان، وأليفي تناصر، وحليفي تظافر، فنحن عن قوس واحدة في نصرتها نرمي، ومن ورائها نذود جاهدين ونحمي، قد فتنا الجياد في السّبق إلى الطاعة، وأحرزنا قصب السبق في المظاهرة والمشايعة، فما نفتأ نسعى في تمهيدها ونذهب، ولا ننفكّ نكدح لها وننصب، والله الكفيل بإنجادنا بعزّته وقدرته، وحوله وقوّته؛ لا إله إلّا هو.
وإن الذي عقده الله تعالى لنا، وحسمه من دواعي القطيعة عنّا، ما اطّرد وتأتّى، وسنح وتهيّا إلا بسعد طائر أمير المؤمنين سيدنا ومولانا أعزه الله، ويمن نقيبته، فمن تمسّك بعروته وعاذ بعصمته، فقد فاز قدحه، وتبلّج في ظلم الأمور صبحه، واستدلّ بأوضح الدليل، وعرض بالرأي الأصيل، واستنار بأضوإ
سراج، وسلك على أقصد منهاج؛ ولم يزايل الرّشاد آراءه، وصاحب السّداد أنحاءه. والله، تقدّس اسمه، لا يزال يعرّفنا من سعادة الدعوة الزكية ما يصلح به أحوالنا، ويفسح به آمالنا، بمنّه.
ولما أتاح الله من السّلم ما أتاحه، وأزاح من المكروه ما أزاحه، لم أجد فيّ فسحة ولا غنى ولا سعة، من إطلاع أمير المؤمنين مولاي وسيدي من ذلك على الجليّة، وإعلامه بالصورة، فأنهضت إلى حضرته العالية ذا الوزارتين عبد الرحمن بن مطروح رسولي وعبدي وخاصّتي مملوكه لينهي إليه الحال على حقيقتها، ويوفّيها بكلّيتها، وأقرن به رسول الموفّق، متحملا مثل ما تحمّله رسولي، ومتقلّدا كالذي تقلّده، ولأمير المؤمنين مولاي وسيدي الفضل العميم في الإصغاء إليهما، والوعي عنهما، والسماع منهما جميع ما يوردانه ويوضّحانه، ويستوفيانه ويشرحانه، والتطوّل بالمراجعة فيه، بما يستوجبه ويقتضيه، واصلا لعزّ مننه وأياديه؛ إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع