من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الضرب الثاني (أن تعقّب البعدية بذكر المقصود من غير خطبة ثم يؤتى على المقصود إلى آخره على نحو ما تقدم)
كما كتب أبو عبد الله محمد بن عبد الله القضاعيّ المعروف بالأبار، عن الأمير أبي جميل إلى أهل ناحية بولاية وال عليهم وهي:
أما بعد، فالكتاب- كتب الله لكم ملء الجوانب قرارا، وأرسل عليكم سماء المواهب مدرارا- من فلانة، وليس إلا الخير الدائم، واليسر الملازم؛ وقد توالى إعلامكم بالغرض الجميل فيكم، والاعتناء المتّصل بتمهيد نواحيكم، وأنتم اليوم بثغر متحيّف، وجناب متطرّف، يتضاعف الاحتياط عليه، ويجب تيسير المير إليه؛ فالنظر له معمل، والتهمّم به لا يهمل؛ وهذه ألسن قد ملك قيادها، وأوثر بوجوه القرابة إمدادها، وفلان قد خاطب يستأذن في القدوم على
الباب الكريم، ويؤكّد ما عنده في الخدمة والتصميم؛ والخيرات بسبيل الاتصال، والمسرّات واردة مع البكور والآصال.
والحمد لله الجسيم فضله، والعظيم نيله، فاحمدوا الله على ما يسّر لنا ولكم، واستوزعوه شكر ما خوّلنا وخوّلكم؛ واعلموا أنّا نرعاكم كما رعى أوّلنا أولاكم؛ وقد عيّن لموضعكم كذا وكذا فأنفذوا إلينا بعضكم معجلا، واستشعروا إنماء الأثرة واطّراد النّصرة، حالا ومستقبلا؛ والحركة الكبرى- يمّنها الله- قد شرع في أسبابها، وأتي ما يؤتي بمشيئة الله الفتح القريب من بابها؛ ولا غنى بما يدار في ذلك عن فلان وقد خوطب بالوصول، ووجّه إليكم فلان واليا عليكم، وثاويا لديكم؛ وهو ممن خبرت كفايته، وارتضيت لجبر أحوالكم سياسته، وشكر هنا فأوثرتم به هنالكم؛ وقد فوّض إليكم من نظر لخاصّتكم وجمهوركم، وقلد بما يستقلّ أتمّ الاستقلال من تدبير أموركم؛ وأمضي معه من الأجناد طائفة يحسنون الدفاع والذّياد، ولا يفارقون الجدّ والاجتهاد؛ ووراء هذا من كريم العناية وجميل النظر، ما يقضي لكم بالفلج والظّفر، ويديلكم بالأمانة الشاملة من الذّعر والحذر، إن شاء الله تعالى والسلام.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع