تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الأسلوب الأوّل (أن تفتتح المكاتبة بلفظ: «كتابي» )

ويدعى للمكتوب ........... كذا وكذا، ويتخلّص إلى المقصود بما تقتضيه الحال، ويخاطب السلطان في أثناء الكتاب بمولانا أو بمولانا الملك، ويعبّر المكتوب عنه عن نفسه بتاء المتكلم ولفظ الإفراد، ويختم بقوله:

فإن رأى أن يفعل كذا فعل إن شاء الله تعالى. ويدعى للمكتوب إليه بطول البقاء مع التعرّض لذكر الخليفة في أثناء الكتاب.

وهذه نسخة كتاب من هذا الأسلوب، كتب به أبو إسحاق الصابي عن أبي الفضل الشّيرازي: أحد نوّاب بني بويه إلى عضد الدولة بن بويه، في جواب

كتاب وصل منه إليه، يخبره بفتح خراسان وطاعة صاحبها، وهو:

كتابي- أطال الله بقاء مولانا- والأمور التي أخدم فيها جارية على السّداد، مستمرّة على الاطراد؛ والنّعم في ذلك خليفة بالتّمام، مؤذنة بالدّوام.

والحمد لله حقّ حمده، وهو المسؤول إطالة بقاء موالينا الأمراء، وحراسة ما خوّلهم من العز والعلاء؛ وأن لا يخليهم من صلاح الشان، وسموّ السلطان؛ وظهور الوليّ، وثبور العدوّ.

ووصل كتاب مولانا [الأمير أطال الله بقاءه] الصادر من معسكره المنصور بكازرين، بتاريخ كذا، مخبرا بشمول السلامة، مبشّرا بعموم الاستقامة، موجبا لشكر ما منح الله من فضله وأعطى، مقتضيا [نشر] ما أسبغ من طوله وأضفى، مشروحا فيه الحال فيما كان يجري من الخلاف بين مولانا الأمير السيد «ركن الدولة» وبين ولاة خراسان، وجهاده إيّاهم في حياطة الدّين، وحماية حريم المسلمين، والدعاء إلى رضا رب العالمين، وطاعة مولانا أمير المؤمنين؛ وتذمّمه مع ذلك من دماء كانت باتّصال الحروب تسفك، وحرمات باستمرار الوقائع تنتهك، وثغور تهمل بعد أن كانت ملحوظة، وحقوق تضاع بعد أن كانت محفوظة؛ وأنه لما جدّدت العزيمة على قصد جرجان ومنازعة ظهير الدولة أبي منصور بن وشمكير مولى أمير المؤمنين [على تلك الأعمال، ودفعه عما ولاه أمير المؤمنين] بوسيلة موالينا الأمراء أدام الله تمكينهم منها ومنازعته ومجاذبته فيها، نهض مولانا [الأمير الجليل عضد الدولة] إلى كرمان على اتفاق كان بين مولانا الأمير السيد ركن الدولة وبينه في التوجّه إلى حدود خراسان، فحين عرف

القوم الجدّ في ردّهم، والتجريد في صدّهم، وأنه لا مطمع لهم في جنبة إلى طاعة أمير المؤمنين انتسابها، وبذمام سادتنا الأمراء اعتصامها، اتّعظوا واتّزعوا، وعرّجوا ورجعوا سالكين أقصد مسالكهم، منتهجين أرشد مناهجهم، معتمدين أعود الأمور على المسلمين عموما وعليهم خصوصا باجتماع الشّمل، واتّصال الحبل، وأمن السّرب، وعذوبة الشّرب، وسكون الدّهماء، وشمول النّعماء؛ فخطبوا الصّلح والوصلة، وجنحوا إلى طلب السّلم والألفة؛ وأن مولانا [الأمير عضد الدولة] آثر الأحسن واختار الأجمل: فأجاب إلى المرغوب فيه إليه، وتوسّط ما بين الأمير السيد ركن الدولة وبين تلك الجنبة فيه، وتكفّل بتقريره وتمهيده، وتحقّق بتوطيده وتشييده، وأخرج أبا الحسن عابد بن عليّ إلى خراسان حتّى أحكم ذلك وأبرمه، وأمضاه وتمّمه، بمجمع من الشيوخ والصّلحاء، ومشهد من القضاة والفقهاء؛ وأنّ صاحب خراسان عاد على يد مولانا [الأمير عضد الدولة] إلى طاعة مولانا أمير المؤمنين ومشايعته، والإمساك بعلائق ولائه وعصمته؛ وصار وليّا بعد العداوة، وصديقا بعد الوحشة، ومصافيا بعد العناد، ومخالطا بعد الانفراد، وفهمته. وتأمّلت- أيد الله مولانا- ما في ذلك من ضروب النعم المتشعّبة، وصنوف المنح المتفرّعة، العائدة على الملك بالجمال، وعلى الرعيّة بصلاح الحال؛ الداعية إلى الائتلاف والاتفاق، المزيلة للخلاف والشّقاق؛ فوجدت النفع بها عظيما، والحظّ فيها جسيما، وحمدت الله حقّ حمده عليها، وشكرته أن أجراها على يد أولى الناس بها، وأحقّهم بالمكارم أجمعها، وأن قرّب الله بيمنه [ما كان بعيدا معضلا، ويسّر ببركته] ما كان ممتنعا مشكلا؟ فأصلح ذات البين بعد فسادها، وأخمد نيران الفتن بعد تلهّبها واتّقادها، ووافق ما بين نيّات القلوب، وطابق بين نخائل الصدور، وتحنّت الضلوع بنجح سعيه على

التّألف، وانضمّت الجوانح بميمون رأيه على التعاطف؛ وحصل له في ذلك من جزيل الأجر، وجميل الذكر؛ وجليل الفخر، وأريج النّشر، ما لا تزال الرّواة تدرسه، والتواريخ تحرسه، والقرون تتوارثه، والأزمان تتداوله؛ والخاصّة تتحلّى بفضله، والعامّة تأوي إلى ظله.

فالحمد لله كثيرا، والشّكر دائما على هذه الآلاء المتواترة، والعطايا المتناصرة، والمفاخر السامية، والمآثر العالية؛ وإيّاه أسأل أن يعرّف مولانا الملك الخيرة فيما ارتآه وأمضاه، والبركة فيما أولاه وأجراه؛ وأن يهنئه نعمه عنده، ويظاهر مواهبه لديه، ويسهّل عليه أسباب الصلاح، ويفتح أمامه أبواب النجاح، ويعكس إلى طاعته الرقاب الآبية، ويذلل لموافقته النفوس النائية؛ ولا يعدمه وموالينا الأمراء أجمعين المنزلة التي يرى معها ملوك الأرض قاطبة التعلّق بحبلهم أمنا، والإمساك بذمامهم حصنا، والانتماء إلى مخالطتهم عزّا، والاعتزاء إلى مواصلتهم حرزا، إنه جل وعزّ على ذلك قدير، وبإجابة هذا الدعاء جدير.

وقد اجتهدت في القيام بحقّ هذه النعمة التي تلزمني، وتأدية فرضها الذي يجب عليّ: من الإشادة بها والإبانة، والإشاعة والإذاعة؛ حتّى اشتهرت في أعماله التي أنا فيها، واستوى خاصّتها وعامّتها في الوقوف عليها، وانشرحت صدور الأولياء معها، وكبت الله الأعداء بها، واعتددت بالنعمة في المطالعة بها والمكاتبة فيها؛ وأضفتها إلى ما سبق من أخواتها وأمثالها، وسلف من أترابها وأشكالها؛ فإن رأى مولانا الأمير الجليل عضد الدولة أن يأمر أعلى الله أمره بإجرائي على أكرم عاداته فيها، واعتمادي بعوارض أمره ونهيه كلّها، فإن وفور حظّي من الإخلاص، يقتضي لي وفور الحظ من الاستخلاص، فعل. ان شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.