من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المرتبة الثالثة- الدعاء للمجلس
، ويختصّ بالمجلس العالي، والبياض فيه تحت الملكي الفلاني بحيث يبقى من الوصل قدر سطرين كما تقدّم في الجناب العالي. ويختلف الحال فيه؛ فإن كان من أرباب السّيوف، كتب: أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الذّخريّ، العونيّ، الفلاني. ويدعى له، نحو: وأيّد عزمه، ووفّر من الخيرات قسمه. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تهدي إليه سلاما، وتوفّر له من الخير أقساما، وتوضح لعلمه المبارك كيت وكيت، فالمجلس يتقدّم بكيت وكيت، فيحيط بذلك علما. والله تعالى يؤيّده بمنّه وكرمه.
وهذه أدعية تليق بهذه المكاتبة.
دعاء من ذلك: ولا زال مشكور الاهتمام، موصوف المحاسن وصف البدر التّمام، معروفا بجميل الأثر مثل ما تعرف مواقع الغمام. صدرت هذه المكاتبة إلى
المجلس العالي تهدي إليه سلاما، وتسدّد لرأيه الصائب سهاما، وتوضّح لعلمه الكريم.
آخر: ولا زال سيفا يدفع بحدّه، ويجري ماء النصر من فرنده، ويتنوّع به الظّفر فيقتل بتجريده ويخاف وهو في غمده.
وإن كان من الكتّاب، كتب: أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، القضائيّ، الأجلّيّ، الكبيريّ، الرئيسيّ، الماجديّ، الأوحديّ، الأثيريّ، الفلانيّ. ويدعى له، نحو: وسدّد رأيه ووفّقه، وصدّق فيه الظّنّ وحقّقه، وجمع له شمل السعادة ثم لا فرّقه. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تشكر مساعيه، واهتمامه الذي بان طرف النّجم وهو يراعيه، وتوضّح لعلمه الكريم.
آخر: ولا نزع عنه ثوب سعادة، ولا غيّر منه جميل عادة، ولا عرف سوى بابه الذي لو كان له الحقّ في جبهة الأسد لاستعاده. صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تهدي إليه السّلام، والثّناء الذي تنطق به ألسنة الأقلام، وتوضح لعلمه.
وإن كان من القضاة، كتب: أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، القضائيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الفاضليّ، الأوحديّ، الفلانيّ. ويدعى له، نحو: ولا برحت طلبته مفيدة المطالب، مورية الهدى في الغياهب، قائمة أقلام هدايتها في ليالي الحيرة مقام الكواكب.
آخر: ولا برحت الدنيا ممطورة بغمامه، محبورة بدخولها تحت ذمامه.
وإن كان من مشايخ الصوفية، كتب: أدام الله تعالى بركة المجلس العالي، الشّيخيّ، الإماميّ، العالميّ، العامليّ، العابديّ، الورعيّ، الزاهديّ،
الأوحديّ، الفلانيّ. ويدعى له نحو: ولا زال نوره يسعى بين يديه، ويدعى باسمه إليه.
آخر: أعاد الله من بركاته على الراعي والرّعيّة، وجعل خلواته خلوات كلّ نفس راضية مرضيّة، والباقي على ما تقدّم.
والعنوان الألقاب التي في الصّدر، والدعاء: أدام الله تعالى نعمته. ثم التعريف.
وصورة وضعه في الورق أن تكتب ألقابه والدعاء والتعريف كما في هذه الصورة:
المجلس العالي، الأميريّ، الكبيريّ، العالميّ، المجاهديّ، المؤيّديّ، الذّخريّ، العونيّ، الفلانيّ، أدام الله تعالى نعمته فلان الفلانيّ.
والعلامة «المملوك فلان» بقلم مختصر الطّومار تحت الملكي الفلاني، على ما تقدّم في المكاتبة قبلها.
واعلم أنّ ترتيب هذه الدرجة على هذه المراتب: من الدّعاء بأعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم، ثم أعزّ الله تعالى نصرة الجناب الكريم، ثم ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي؛ ثم أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي، ثم أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي، هو المستقرّ عليه الحال بين كتّاب الزمان بالديار المصرية. وجعل في «عرف التعريف» أعلى المراتب في الدعاء: أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم، ثم أعزّ الله تعالى نصرة المقرّ الكريم، ثم أعزّ الله تعالى نصر المقرّ الكريم، ثم أدام الله تعالى نصرة الجناب الشريف، ثم أدام الله تعالى نصرة الجناب الكريم، ثم ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي، وحرس الله تعالى نعمة الجناب العالي، مع اختصار الألقاب وحذف بعضها، ثم أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي. وعلى كثير من ذلك كان الحال جاريا إلى آخر الدولة الأشرفيّة «شعبان بن حسين» ثم أخذ
الناس في التغيير إلى أن صار الأمر على ما هو عليه الآن.
قلت: وكانوا في الزّمن السالف في الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» وما والاها لا يأتون مع المقرّ الشريف، والمقرّ الكريم، والمقرّ العالي، والجناب الشريف، بأصدرناها ولا بصدرت هذه المكاتبة كما هو الآن؛ بل بعد الدعاء يقولون مع «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الشريف»: المملوك يقبّل الباسطة. ثم يأتي بالإنهاء بعد ذلك مثل أن يقول: المملوك يقبّل الباسطة الكريمة التي هي معدن السّماح، وموطن ما يوهن العدا من صدور الصّفاح، وينهي. أو يقول: يقبّل الباسطة الكريمة، ويرتع منها في كلّ ديمة، وينهي. أو والمملوك يقبّل اليد الشريفة، ويلجأ إلى ظلالها الوريفة، وينهي. ومع «الجناب الشريف» لفظ «المملوك يخدم». ثم يقول: ويبدي مثل أن يكتب: المملوك يخدم بأثنيته ويفضّ عقود الشّكر على أنديته، ويبدي لعلمه الكريم. أو المملوك يخدم بأثنيته التي تزيد الطّيب طيبا، وتسري سرى السّحب فلا تدع في الأرض جريبا، ويبدي لعلمه الكريم. وربما أعاض ذلك بقوله: صدرت هذه الخدمة، مثل أن يقول: صدرت هذه الخدمة وسلامها يتضوّع، وثناؤها السافر لا يتبرقع.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع