من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصنف الثالث- التهنئة بالخلاص من الاعتقال
الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي:
جدّد الله سعده، وضاعف جدّه، وأنجح قصده، وأعذب منهله وورده، ولا انفكّت الأيّام زاهية ببقائه، والأنفس مسرورة بارتقائه إلى رتب عليائه.
أصدرها تفصح عن شوق يعجز عن سوقه الجنان، ويقصر عن طوله اللّسان، وسرور تزايد حتّى أبكاه، ولا عج بمشاهدة طلعته السعيدة أغراه، وتهنّيه بما جدّد الله له بعد الاعتقال من الفرج والفرح، ومنّ به بعد ضيق الخواطر من الابتهاج والمرح، فهذه المسرّة ماء زلال برد بها الأوام، وإنعام عامّ، حمد الله عليها الخاصّ والعامّ، فالحمد لله الذي عوّضه عن مأتم الحزن بما تمّ من السرور، و [عن] الهمّ المانع عن الورود والصّدور بانشراح الصّدور، فإنّ القلوب شعفها حبّه وشغفها، وضاعف لتعويقه أساها وأسفها، بحيث اعترى المناطق قلق
وعلاها اصفرار، وعطّلت يد كل غانية من الحليّ فما ضمّها قلب ولا سوار، ولبس الخطباء حزنا وألبسته المحابر، وكادت لغيبته وفقد اسمه تندبه الجوامع وتبكيه المنابر، خلّد الله سعادته، وسهّل له من خيري الدنيا والآخرة قصده وإرادته، بمنّه وكرمه.
الأجوبة عن التهنئة بكرامة السلطان ورضاه بعد غضبه قال في «موادّ البيان»: يجب أن تكون أجوبة هذه الرّقاع مودعة من الثناء على المهنّي- لمحافظته على رسوم المودّة وقيامه بشروط الخلّة- ما تقتضيه رتبته ورتبة المجيب، وأنّه مشارك له في متجدّد النعمة، مفاوض في حديث المسرّة، والتيمّن بالدعاء، ونحو هذا مما يحسن موقعه عند المبتديء بالهناء، ويضعه بحيث وضع نفسه من الاختصاص بمن كاتبه.
وهذا مثال من ذلك:
زهر الربيع: [جواب] هناء بخلعة:
أدام الله علاءه، وشكر آلاءه، وضاعف سناءه، وحمد مننه الّتي أثقلت لكلّ معتف ظهرا وخفّفت همّا، وأنالت لكلّ وليّ نصيبا من عوارفها وقسما.
المملوك ينهي إلى العلم الكريم ورود المكاتبة الّتي كستها يده حلّة جمال، وألبستها ثوب إفضال، وأعدّتها بكرمها، وحسّنت وجهها بلسان قلمها، فأمطرته سحاب جود أربى على السّحاب الهتون، وأوقفته منها على ألفاظ كأمثال اللّؤلؤ المكنون، فاجتنى ثمار الفضائل من أغصانها، واجتلى عروس محاسنها وإحسانها، وفهم ما أشار إليه من التهنئة بالخلعة الّتي أنعم المولى بها على
خادمه وتصدّق، وحقّق الأمل في مكارمه وصدّق، وإنعامه خلّد الله دولته، وأعزّ نصرته، قد كثر حتّى أخجله، وميّزه على كثير من مماليك بيته العالي وفضّله، وأناله من المنزلة ما سما بها على أمثاله، ورقي بها بعد رقّة حاله، فالله يخلّد سلطانه، ويثبّت بالسعادة أركانه، وهذا بسعادة مولانا ومساعدته، ومعاونته ومعاضدته، فإنه كان السبب في الاتّصال ببابه أوّلا وآخرا، وممّن أغاثه بذلك وأعانه عليه باطنا وظاهرا..
وكلّ خير توخّاني الزّمان بهفأنت باعثه لي أو مسبّبه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع