من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الصنف الأوّل- التهنئة بالبنين
مما أورده أبو الحسين بن سعد في ترسّله:
إنّه ليس من نعم الله وفرائد قسمه وإن حسن موقعها، ولطف محلّها، نعمة تعدل النعمة في الولد، لنمائها في العدد، وزيادتها في قوّة العضد، وما يتعجّل من عظيم بهجتها، ويرجى من باقي ذكرها في الخلوف والأعقاب، ولا حق بركتها في الدعاء والاستغفار.
ومنه: إنّه ليس من النّعم نعمة تشبه النعمة في الولد، لزيادتها في قوّة العضد، وحسن موقعها في الخلف والعقب، واتصل بي خبر مولود فسرّني ما
وصل الله به من العارفة إليك، وشركتك في جميل الموهبة فيه شركة من له مالك وعليه ما عليك، وسألت الله أن يوزعك شكر النّعمة ويؤنس بهذا المولود ربعك، ويكثّر به عددك، ويعظّم بركته ويمن طائره عليك، ويزيد به في النعمة كذلك، ويفعل الله ذلك، بمنّه وطوله.
وفيه لأبي الحسين بن سعد إلى أبي مسلم بن بحر يهنّئه بابن حدث له:
فأمّا ما جدّد الله من النعمة في القادم والموهوب لك ولدا وأنسا، ولنا سندا وذخرا، فقد جلّ قدر هذه الموهبة عن أن يحاط لها بوصف، أو يوفى لها بشكر.
وفيه لعلي بن خلف:
وينهي أنه اتّصل بالمملوك بزوغ نجم سعد في مشارق إقباله، مؤذن باتّساق سموّه وجلاله، فأحدث من الحلال والاستبشار بمقدمه، والتبرّك والتيمّن بقدمه، ما تلألأت على المملوك أنواره، وحسنت عنده آثاره، وسألت الله تعالى راغبا إليه في أن يعرّفه سعادة مولده، ويمن موفده، ويجعله شادّا لعضده، وموريا لزنده، ويشفعه والسادة السابقين، بنجباء متلاحقين، يتبلّجون في نطاق سعادته، ويتوسّمون في آفاق سيادته، ويصون سلكهم من الانفصام، وشملهم من الانهدام، ويبقيهم غررا في وجوه الأيّام، وأقمارا في صفحات الظّلام، بمنّه وفضله، إن شاء الله تعالى.
وفيه له: وينهي أنّ المملوك يشكر الله تعالى على ما أنزله عند مولانا من عوارفه، واختصّه به من لطائفه، شكر من شاركه في النعمة المسبغة عليه، وانتهى إليّ خبر السّند المتجدّد لمولانا، فطار المملوك بخوافي السّرور
ومقادمه، وأخذ من الابتهاج بأوفى قسمه، وسأل الله تعالى أن يبارك له في عطيّته، ويردفه بزيادته، ويوفّر عدده، ويشدّ بصالح الولد عضده، ويجنيه من هذا القادم ثمار المسرّة، ويري عينه منه أقرّ قرّة، ويشفع المنحة في موهبته بإطالة مدّته.
وفيه: وينهي أنّ أفضل النّعم موقعا، وأشرفها خطرا وموضعا، نعمة الله تعالى في الولد؛ لزيادتها في العدد وقوّة العضد، وما يتعجّل من عظم جمالها وزينتها، ويرجى من حسن مآلها وعاقبتها، في حفظ النّسب والأصل، وحسن الخلافة على الأهل؛ وجميل الذّكر والثّناء، ومتقبّل الاستغفار والدّعاء، وقد اتصل بالمملوك بزوغ هلال سماء المجد، ومتعلّق الإقبال والسّعد، فأشرقت الأيام بإشراقه، ووثقت الآمال باجتلائه واتّساقه، فقام المملوك عن مولانا بشكر هذه النعمة المتجدّدة، والموهبة الراهنة الخالدة، وهنّأت نفسي بها، وأخذت بحظّي منها، والله تعالى يعرّفه يمن المولود من أطهر والدة وأطيب والد، ويعمّر به منزله، ويؤنس ببقائه رحله، ويبلّغ محبّيه، من الآمال فيه، ما بلّغهم في الماجد أبيه، إن شاء الله تعالى.
وفيه: وينهي أنّ نعم الله تعالى وإن كانت على مولانا متظاهرة، ولديه متناصرة، فقد كان المملوك يرغب إلى الله تعالى في أن يجمّل الأيام من نسله، بمن يحفظ عليها شرف أصله، ويخلفه بعد العمر الطويل في نبله وكرم فعله، ولمّا اتّصل بالمملوك نبأ هذا الهلال البازغ في سمائه، المقرّ لعيون أوليائه، المخيّب لظنون أعدائه، حمدت الله تعالى على موهبته، وسألته إقرار نعمته، وأن يعرّف مولانا بركة قدمه، ويمن مقدمه، ويوفّر حظّه من زيادته، وسعادة وفادته، وأن يجعله برّا تقيّا، مباركا رضيّا، ويفسّح في أجله، ويبلّغه فيه أمله، إن شاء الله تعالى.
من كلام المتأخرين:
الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي
هنّئت بالإسعاف والإسعادونفاذ أمر في العدا بنفاد
وبقيت ما بقي الزمان مهنّأووقيت شرّ شماتة الحسّاد
يا مالك الرّق الّذي أضحى لنامن جوده الأطواق في الأجياد
خلّدت في عيش هنيّ أخضريسطو ببيض ظبا وسمر صعاد
حتّى يخاطبك الزمان مبشّرا:متعت بالإخوان والأولاد
جدّد الله في كلّ يوم له مسرّة وبشرى، وأطاب لعرفه عرفا ونشرا، وشدّ له بولده السعيد الطلعة أزرا وأسرا، وسرّى به الهموم عن القلوب وأصارها لديه أسرى، ورفع درجته إلى سماء المعالي ليقال: سبحان الذي بعبده أسرى.
المملوك يخدم المولى ويهنّيه ويشكره ويطلعه على ما حصل له من الابتهاج للسبب الذي ينهيه ويذكره، وهو أنه اتّصل به قدوم المسافر بل إسفار البدر، وظهور ميمون الغرّة الذي جاء لأهله بأمان من صروف الدّهر، وهو الولد العزيز الموفّق النّجيب، فلان، أبقاه الله تعالى ليحيا مشكورا محمودا، وأدام عزّه وعلاه، وأعلى نجمه وخلّد شرفه وبهاه، وضاعف سناءه وسناه، وأرانا منه ما أرانا من السعادة في أبيه، فسرّ وابتهج بهذه النعمة غاية السّرور والابتهاج، واتّضح له في شكر إحسان المولى وحسن ولده كلّ طريق ومنهاج، وسأل الله تعالى أن يطوّل له عمرا، ويجعله لإسعاد والده وإسعافه ذخرا، ليرتعا في رياض الدّعة في صحّة وسلامة، ويجعلا في فناء العلا لهما دار إقامة، ويبلغا من السعادة درجة لا تريم عالية ولا ترام، وتخضع لهما اللّيالي والأيّام، ويرشقاهما بسهام الصّروف ويطعناهما بأسنّتها، ويفهما دعاء الأيّام لهما من صدورها ويسمعاه من ألسنتها، مخاطبة لأبيه، ومنشدة لسائر أهله ومحبّيه
مدّ لك الله الحياة مدّاحتّى ترى نجلك هذا جدّا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع