من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
النوع الخامس عشر (في الذّمّ)
ذمّ بخيل لأحمد بن يوسف:
كأنّ البخل والشّؤم صارا معا في سهمه، وكانا قبل ذلك في قسمه، فحازهما بالوراثة، واستحقّ ما استملك منهما بالشّفعة، وأشهد على حيازتهما أهل الدّين والأمانة، حتّى خلصا له من كلّ مانع، وسلما له من تبعة كلّ منازع، فهو لا يصيب إلّا مخطيا، ولا يحسن إلّا ناسيا، ولا ينفق إلّا كارها، ولا ينصف إلّا صاغرا.
وفي مثله: وصل كتابك فرأيناك قد حلّيته بزخارف أوصافك، وأخليته من حقائق إنصافك، وأكثرت فيه الدّعاوى على خصمك، من غير برهان أتيت به على دعواك وزعمك.
ومنه: ولو أراد غير ذلك من الأخلاق السّنيّة، الشريفة الهنيّة، لاستوحش في سبلها، ووقع في مضّة منها، ولن يجد من سلفه ولا نفسه دليلا عليها، ولا هاديا إليها.
ومنه: لأبي العيناء:
أما بعد، فلا أعلم للمعروف طريقا أحذر ولا أوعر من طريقه إليك، ولا مستودعا أقلّ زكاء ولا أبعد ثمرة خير من مكانه عندك، لأنه يحصل منك في حسب دنيّ، ولسان بذيّ، ونسب قصيّ، وجهل قد ملك طباعك، فالمعروف لديك ضائع، والشّكر عندك مهجور، وإنما غايتك في المعروف [أن] تحرزه، وفي وليّه أن تكفر به.
ومنه: لمحمد»
بن الليث:
بكم علن الظّلم، وظهرت البدع، واندفن الحقّ، وعزّ الفاجر، وظهر الكافر، وفشت الآثام، ونقضت الأحكام، واتّخذ عباد الله خولا، وأمواله دولا، ودينه دخلا.
ومنه: لأبي عليّ البصير:
عدوّك منعزل عنك، وصديقك على وجل منك، إن شاهدته عاقّك، وإن غبت عنه حاقّك، تسأله فوق الطاقة، وترهقه عند الفاقة، وإن اعتذر إليك لم تعذره، وإن استنصرك لم تنصره، وإن أنعم عليك لم تشكره، ولا يزيدك السّنّ إلّا نقصا، ولا يفيدك الغنى إلّا حرصا، تسمو إلى الكبير، بقدر الصغير، وتشفّ للتّطفيف لا للتخفيف، تعترض الناس بالسّؤال، غير محتشم من الإملال، ولا
كاره لأن ينظر إليك بعين الاستقلال، حتّى لقد أخرجت الأضغان، وقبّحت الإحسان، وزهّدت في اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، والناس منك بين أسرار تفشى، وبوائق تخشى، وشناعات واردة، ونوادر باردة. ودّك تخلّق، وشكرك تملّق.
ومنه: لسعيد بن حميد:
رجل يعنف بالنّعم عنف من قد ساءته بمجاورتها، ويستخفّ بحقّها استخفاف من لا يخفّ عليه محملها، ويقصّر في شكرها تقصير من لا يعلم أنّ الشكر يرتبطها، ومن كانت هذه حاله في اختياره لنفسه، فكيف أرجو حسن اختياره لي؟ ومن كان في مدّة من ابتلاء الله بعيدة ما بين الطّرفين لا أدري أينفذ بي الأجل إلى أقصاها؟ أم يقصّر بي في أدناها؟ فكيف يتّسع الصدر للصبر عليه؟ إنّ الله لا يخاف الفوت فهو يمهله، وإنه إن مات لم يخرج من سلطان الله جلّ وعزّ إلى سلطان غيره فيعاجله، وأنا على خوف من إعجال المدى عن بلوغ [مناي فأذهب] حرجا صدري، وعلى ثقة من الشّغل في الآخرة بنفسي عن التّشفّي من أهل عدواتي وترتي، وأحمد الله على المحنة، وأسأله تعجيل روح النّعمة، وفسحة العافية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع