من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
النوع الحادي عشر (في استماحة الحوائج)
قال في «موادّ البيان»: ورقاع الاستماحة يختار أن تكون مودعة من الألفاظ ما يحرّك قوى السّماح، ويبعث دواعي الارتياح، ويوجب حرمة الفضل المسهّلة بذل المال الصّعب بذله، إلّا على من وفّر الله مروءته، وأرخص عليه أثمان المحامد وإن غلت.
قال: وينبغي للكاتب أن يتلطّف فيها التلطّف الذي يعود بنجاح المرام، ويؤمّن من الحصول على إراقة [ماء] الوجه، والخيبة بالردّ عن البغية، ويعدل عن التثقيل والإلحاف المضجرين ولا يضيّق العذر على السّماح إلّا أن يتمكّن للثقة به، ويعلم المشاركة في الحال.
وهذه نسخ من ذلك:
من كتاب [أبي] الحسين بن سعد.
أفضل القول أصدقه، وأهنى المعروف أعجله، وأبلغ الشّكر أظهره.
ومنه: إن حضرتك نيّة في قضاء حاجة فعجّلها، فإنّ أهنى المعروف ما عجّل، وأنكده ما تنازعته العلل، واعترضته كثرة الاقتضاء.
ومنه: أنت، أعزّك الله، واجد السبيل إلى اصطناع المعروف واكتساب الثّواب، وأنت أعرف بما في استنقاذ أسير من أسرى المسلمين، من وارد الأسر، وعرصة الكفر، وانتياشه من الذّلّة والفاقة، والبلاء والمشقّة، من جزيل ثواب الله وكريم جزائه [وأجلّ] من أن تخاطب في ذلك مخاطبة من يحتاج إلى زيادة في بصيرته، وتقوية لنيّته، وبالله توفيقك وعونك.
عليّ بن خلف:
قد تمسّك أملي بضمانك، وتطلّع رجائي إلى إحسانك، وكفل لي النجاح مشهور كرمك، ورغبتك في ربّ نعمك، ولي من فضلك نسيب أعتزي إليه، ومن شكري شفيع أعتمد عليه.
وله: المواعيد- أطال الله بقاء مولاي- غروس، حلو ثمرها الإنجاز والتعجيل، ومرّه المطل والتطويل، وقد شام أملي من سحائب فضله، حقيقا بأن ينهمر ويهمي، وارتاد من روض نبله، جديرا بأن يزيد وينمي، فإن كانت هذه المخيلة صادقة، فلتكن منه همّة للرجاء محقّقة، إن شاء الله تعالى.
وله: هممت أن أستصحب إلى مولاي ذريعة تحجب مطلي، وتكون حجابا على وجهي في المطالعة بأربي، فلاح لي من أساريره برق أوضح مقصدي، ومن أخلاقه انبساط أمال تجعّدي، ولست مع معرفته بحقّ نعمة الله تعالى وحقّ مؤمّله، محتاجا عنده إلى ذريعة ولا مفتقرا إلى وسيلة.
وله: ولا يحملني مولاي على ظاهر تجمّلي، وجميل توكّلي، على
حال قد أحالتها العطلة، وتخلّلتها الخلّة، وإنما أبقي بالتجمّل على ديباجة همّتي، وأصون بالتخفيف عن الصديق مروّتي، ولولا أنّ الشكوى تخفّف متحمّل البلوى، لأضربت عن مساءلته، وأمسكت عن تذكيره، ولكن لا بدّ للوصيب الشاكي، من ذكر حاله للطبيب الشافي، وقد كان برق لي من سحاب وعده ما هو جدير بالانهمار، وأورق من نمائه، ما هو حقيق بالإثمار، فإن رأى أن يسم وجه التأميل، بعد الإنجاز والتعجيل، فعل.
وله: ما حامت آمالي- أطال الله بقاءه- إلّا وقعت بحضرته، ولا صعبت عليّ جوانب الرّجاء إلّا سهلت من جهته، ولا كذبتني الظّنون إلّا صدقها بعلوّ همّته، فلذلك أعتلق في المهمّ بحبله، وأعتصم في الملمّ بظلّه، وقد عرض لي كذا وعليه فيه المعوّل، وهو المرجوّ والمؤمّل، وما أولاه بالجري على عادته في ريش جناحي، والمعونة على صلاحي.
في طلب كسوة، من كلام المتأخرين:.
ألا أيّها المولى الّذي نهر جودهيزيد وعاصي أمره الدّهر ينقص
إليك اشتكائي من دمشق وبردهاوما أنا فيه من أمور تنغّص
وإنّي في عرس من البرد دائمتصفّق أسناني وقلبي يرقص
المملوك ينهي بعد الابتهال إلى الله تعالى في إدامة نعمته، وإدالة دولته، أنّه ما ألف من إحسانه إلّا أنّه يضاعف رسم الإنعام، ويواتر إرساله على ممرّ الأيّام والأعوام، وللمملوك في خزانته الشريفة في كلّ عام تشريف يفيضه على جسده، ويسرّ به قلوب أوليائه ويفتّ أكباد حسّده، ويتّقي به سورة الشتاء وقرّه، ويجعله قرّة ويحمل به من الدّعة وقره، وقد درس رسمه، وفقد من الدّيوان المعمور اسمه، وهو يسأل بروز الأمر العالي بإجرائه على عادته المستمرّة،
وقاعدته السالفة المستقرّة، بتشريفه بأخذ التشريف ولبسه، ليدفع بذلك شدّة البرد وأليم مسّه، ويتذكّر بها في يومه ما يوجب حمد المولى وذمّ أمسه، ورأيه العالي.
وله في طلب ورق.
يا أسمح الناس ويا من غداجبينه يخجل ضوء الشّفق
جودك بالورق عميم [فلم]أخّرت يا مولاي بعث الورق؟
وله في طلب رسم
رسمي مولاي غدامؤخّرا ولو حضر
ولو أراد سيّديإحضاره، كان أمر
فقد مضى محرّموراحتي منه صفر
وكتب كاتب إلى مخدومه، وقد تأخّر صرف معلومه
وتعلم أنّي كثير العيالقليل الجراية والواجب
فلست على ظمإ قانعابورد من الوشل الناضب
ولا شكّ في أنّني هارب[ف] قدّر لنفسك في كاتب
قلت: وكتبت نظما لأمير المؤمنين المستعين بالله أبي الفضل العبّاس،
خليفة العصر، أستميحه حاجة في مجلس كان فيه هو وولده يحيى وأخواه داود ويعقوب ما صورته.
إذا رمت أن تحظى بنيل مآربفبادر إلى العبّاس من آل عبّاس
إمام به ثغر الخلافة باسموعرنينها يسمو على قمّة الراس
أبى الفضل إلّا أن يكون لأهله[دواما] وأن يدعى أبا الفضل في الناس
فللمستعين اقصد تجد خير منجدحريص على المعروف برّا بإيناس
فيحيا له يحيى وداود صنوهويعقوب أعضادا وحصنا من الباس
وكتبت لقاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدّين عبد الرحمن ابن شيخ الإسلام عمر البلقينيّ أستميحه حاجة أيضا.
أيا شيخ إسلام وقاضي قضاتهومن قد سما في الناس علما ومنصبا
لقد عمّ نوء منك كلّ مؤمّلوحاشى لبرق شمت يظهر خلّبا
أأحرم معروفا له كنت أرتجيويحجب ذو بعد من القوم أقربا
وما زلت أرجو في زمانك رفعةولكن جواد الحظّ بالبعد قد كبا
ولن يستعيض الخفض بالرّفع ماجدخصوصا ومن أخّرت ما نال مطلبا
ولست ترى منّي إليك وسيلةسواك وحسبي باعتلاك تقرّبا
وكتبت لقاضي القضاة جمال الدين محمود القيسراني، وهو يومئذ قاضي قضاة الحنفية وناظر الجيوش المنصورة، أذكر بطالة عرضت لي من وظيفة مباشرة كانت بيدي.
إلى الله أشكو من زماني بوارهفأمسيت في الحرمان بي يضرب المثل
تماديت بطّالا وأعوزت حيلةولم يبرح البطّال تعرف له الحيل
فلا ملتجى جاه ولا عزّ صاحبولا مالك يحنو فيا قوم ما العمل؟
ولكنّ (محمود) العواقب أرتجيومن يحمد العقبى على القصد قد حصل
وكتبت للقاضي شمس الدين العمريّ كاتب الدّست الشريف في حاجة نجّرها:
إن لا أرى عمرا حتّى ألمّ بهألفيت من نسله من كان لي عمرا
لم يغف عن حاجتي حتّى أنبّههوكيف يغفو وفي المعروف كم سهرا؟
جعلته مبتدا في رفعه خبريوعادة المبتدا أن يرفع الخبرا
أجوبة استماحة الحوائج قال في «موادّ البيان»: لا يخلو المستماح والمكلّف حاجة من أن يسعف أو يمنع، فإن أسعف فقد غني عن الجواب، وربما أجاب المسعف بجواب مبنيّ على حسن موقع انبساط المستميح، والاعتذار عن التقصير في حقّه وإن كان قد بلغ به فوق ما يجب له- تكرّما وتفضّلا، وإن منع فربّما أجاب بعذر في الوقت الحاضر أو عذر في المستأنف، وربما أخلّ بالجواب تغافلا.
وهذه نسخة جواب بالإسعاف بالمقصود، كتب بها في جواب لكاتب السرّ عن نائب الشام، في طلب إقطاع، من إنشاء الشيخ جمال الدين بن نباتة إجابة للمطلوب، وهي:
لا زال قلمها يمدّ على الإسلام ظلّا ظليلا، ويستجدّ صنعا جميلا، ويأخذ بأمر الله أعداء دينه أخذا وبيلا، ويقوم باجتهاده في مصالح الملك النّهار كلّه والليل إلّا قليلا، تقبيل مواظب على ولاء لا يجد له تبديلا، وثناء لو سمعه المحبّ فشافه الأحباب إذا لاتّخذوه خليلا.
وينهي ورود مشرّفة مولانا القديم فضلها، الكريم وصلها وأصلها، فوقف المملوك عليها، وأصغى بجملته إليها، وعلم ما رسم به مولانا، وأشار إليه تبيانا، وكذلك بلّغه مملوكه الولد فلان المشافهة الكريمة فحبّذا من صاحب السّرّ إسرارا وإعلانا، وشكر لهما مشرّفة ومشافهة أوردا الإحسان مثنى مثنى، وسرّا سمعه المملوك لفظا واستهداه معنى، فما مننهما في الإحسان إلّا زائدة، ولا في الصّلات إلّا عائدة، لا جرم أنّ المملوك أقبل على قبيلهما بسمعه وناظره، وقلبه وخاطره، وجملته وسائره، وامتثل الإشارة العالية الّتي من حقّها أن تقدّم على كلّ مهمّ يرد عليه، وأمر يتوجّه إليه، ويد الزمان مشكورة يأخذها منه بكلتا يديه، وعيّن المملوك لوقته الإقطاع المطلوب، وتقدّم بكتابة مربّعته حسب ما رسم من تجري السعادة من سطره تحت مكتوب، وجهّزها قرين هذه الخدمة ومن ذا يقارن سبق ذلك البرّ المديد، وكيف توازي المربّعة كتابا هو بالإحسان للعنق تقليد؟ لا برحت مراسم مولانا معدودة من رسوم نعمه، ومشرّفاته محسوبة من تشريفاته الّتي يخلعها على أبناء محبّيه وخدمه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع