من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المذهب الثاني- أن يصطلح الإنسان مع نفسه على قلم يبتكره وحروف يصوّرها
، وقد ذكر ابن الدّريهم أنّ الناس اختلفت مقاصدهم في ذلك؛ فمنهم من يصطلح على إبدال حرف معيّن بحرف آخر معيّن حيث وقع في القلم المعروف بالقمّي، وهو أنهم جعلوا مكان كلّ حرف من حروف العربية حرفا آخر من حروفها، فجعلوا الكاف ميما وبالعكس، والألف واوا وبالعكس، والدّال المهملة راء مهملة وبالعكس، والسين المهملة عينا مهملة وبالعكس، والفاء ياء مثناة تحتية وبالعكس، فيكتب محمد «كطكر» وعلي «سهف» ومسعود «كعسار» وعلى ذلك، وقد نظم بعضهم ذلك في بيت واحد ذكر فيه كلّ حرف تلو ما يبدل به، وهو.
كم أو حط صلا له در سعفي بز خش غضّ ثج تدفق
قال: ومنهم- من يعكس حروف الكلمة فيكتب محمد «دمحم» وعلي «يلع».
ومنهم- من يبدل الحرف الأوّل من الكلمة بثانيه مطلقا في سائر الكلام فيكتب محمد أخو علي «حمدم خا عويل» إلى غير ذلك من التمييزات.
ومنهم- من يبدل الحروف بأعدادها في الجمّل، فيكتب محمد أربعون، وثمانية، وأربعون، وأربعة، وتعمل التعمية صفة محاسبة.
ومنهم- من يكتب عوض عدد الحرف حروفا وهو أبلغ في التعمية، فيكتب محمد «لي بو لي أج» لأنّ اللام والياء بأربعين وهي عدد ما للميم الأولى، والباء والواو بثمانية وهي عدد ما للحاء، واللام والياء أيضا بأربعين وهي عدد ما للميم الثانية، والألف والجيم بأربعة وهي عدد ما للدال، فكأنه قال:
م ح م د. وإن شاء أتى بغير هذه الحروف مما يتضمن هذه الأعداد.
ومنهم- من يجعل لكلّ حرف اسم رجل أو غيره.
ومنهم- من يضع الحروف على منازل القمر الثمانية والعشرين على ترتيبها على حروف أبجد، فيجعل الألف للشّرطين، والباء للبطين، والجيم للثّريّا، وهكذا إلى آخرها، فيكون بطن الحوت للغين من ضظغ. وربما اصطلح على الترتيب على أسماء البلدان أو الفواكه أو الأشجار أو غير ذلك، أو صور الطير وغيره من الحيوانات، إلى غير ذلك من ضروب التّعامي الّتي لا يأخذها حصر. وأكثر أهل هذا الفنّ على أن يرسم الحروف أشكالا يخترعها قلما له مقطّعة على ترتيب حروف المعجم. والطريق في ذلك أن يثبت حروف المعجم ثم يرتّب تحت كل واحد شكلا لا يماثل الآخر، فكلما جاءه في اللفظ ذلك الحرف كتبه بحيث لا يقع عليه غلط، ثم يفصل بين كلّ كلمتين، إما بخط أو بنقط أو ببياض أو دائرة أو غير ذلك، وأكثر المتقدّمين يجعلون الحرف المشدّد بحرفين، والمتأخرون يجعلونه حرفا واحدا، وهذه صور حروف مترجم كان قد وصل إلى الأبواب السلطانية من مناصحين في بغداد يقاس عليه.
؟؟؟؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع