تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الطريقة الأولى (طريقة المتقدّمين) (٢)

وهي أن لا يأتي بتحميد في أثناء العهد في خطبة ولا غيرها، ولا يتعرّض إلى ذكر أوصاف المعهود إليه والثناء عليه أصلا، أو يتعرّض إلى ذلك باختصار ثم يقول: «فقلّده كذا وكذا» ويذكر ما فوّض إليه، ثم يقول: «وأمره بكذا» حتّى يأتي على آخر الوصايا، ثم يقول في آخره: «هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحّجته لك وعليك» ويأتي بما يناسب ذلك، ويختمه بقوله: «والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» أو «والسلام عليك» أو بغير ذلك من الألفاظ المناسبة على اختلاف طرقهم في ذلك، وتباين مقاصدهم. وعلى هذا النّهج وما قاربه كانت عهود السلف فمن بعدهم، تأسّيا بالنبيّ ﷺ فيما كتب به لعمرو بن حزم حين وجّهه إلى اليمن، كما تقدّمت الأشارة إليه في الاستشهاد لأصل عهود الملوك عن الخلفاء.

وهذه نسخته بعد البسملة فيما ذكره ابن هشام وغيره:

هذا بيان من الله ورسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

عهد من [محمد] النبيّ رسول الله لعمرو بن حزم [حين بعثه إلى اليمن] أمره بتقوى الله في أمره كلّه، فإنّ الله مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون. وأمره أن يأخذ بالحقّ كما أمره الله، وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم

به، ويعلّم النّاس القرءان ويفقّههم فيه، وينهى النّاس فلا يمسّ القرءان إنسان إلّا وهو طاهر، ويخبر الناس بالّذي لهم والّذي عليهم، ويلين للنّاس في الحقّ ويشتدّ عليهم في الظّلم، فإنّ الله كره الظّلم ونهى عنه فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

ويبشّر الناس بالجنّة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتّى يفقهوا في الدّين، ويعلّم الناس معالم الحجّ وسنّته وفريضته وما أمر الله به، والحجّ الأكبر الحجّ الأكبر، والحجّ الأصغر هو العمرة؛ وينهى الناس أن يصلّي أحد في ثوب واحد صغير إلا أن يكون ثوبا يثني طرفيه على عاتقيه، وينهى [الناس] ان يحتبى أحد في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السّماء، وينهى أن لا يعقص أحد شعر رأسه في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيج عن الدّعاء إلى القبائل والعشائر، وليكن دعواهم إلى الله [﷿] وحده لا شريك له [فمن لم يدع إلى الله ودعا إلى القبائل والعشائر فليقطعوا بالسيف حتّى تكون دعواهم إلى الله وحده لا شريك له] ويأمر الناس بإسباغ الوضوء: وجوههم، وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، ويمسحون برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الرّكوع

[والسّجود] والخشوع؛ ويغلّس بالصّبح، ويهجّر بالظّهر حين تميل الشمس، وصلاة العصر والشّمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين يقبل الليل، لا تؤخّر حتّى تبدو النّجوم في السماء، والعشاء أوّل اللّيل. وأمر بالسّعي إلى الجمعة إذا نودي لها، والغسل عند الرّواح إليها. وأمره أن يأخذ من المغانم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصّدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السّماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر. وفي كلّ عشر من الإبل شاتان، وفي كلّ عشرين أربع شياه. وفي كلّ أربعين من البقر بقرة، وفي كلّ ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفي كلّ أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة؛ فإنّها فريضة الله تعالى التي افترض على المؤمنين في الصّدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له. وأنّه من أسلم من يهوديّ أو نصرانيّ إسلاما خالصا من نفسه ودان بدين الإسلام، فإنّه من المؤمنين: له مثل مالهم وعليه مثل ما عليهم، ومن كان على نصرانيّته أو يهوديّته، فإنّه لا يردّ عنها وعلى كلّ حالم: ذكر أو أنثى، حرّ أو عبد دينار واف، أو عوضه ثيابا؛ فمن أدّى ذلك فإنّ له ذمّة الله وذمّة رسوله، ومن منع ذلك فإنّه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا.

صلوات الله على محمّد والسّلام عليه ورحمة الله وبركاته.

وعلى نحو ذلك كتب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه عهد

مالك بن الأشتر النخعيّ حين ولّاه مصر، وهو من العهود البليغة جمع فيه بين معالم التّقوى وسياسة الملك.

وهذه نسخته فيما ذكره ابن حمدون في تذكرته:

هذا ما أمر [به عبد الله] عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحرث الأشتر؛ في عهده إليه، حين ولّاه مصر: جباية خراجها، وجهاد عدوّها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتّباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا يسعد أحد إلا باتّباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها؛ وأن ينصر الله تعالى بيده وقلبه ولسانه، فإنّه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزّه. وأمره أن يكسر من نفسه عند الشّهوات، ويزعها عند الجمحات؛ فإنّ النفس لأمّارة بالسّوء إلّا ما رحم الله.

ثم اعلم يا مالك أنّي قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك: من عدل وجور، وأنّ الناس ينظرون من أمورك [في مثل] ما كنت تنظر فيه من أمر الولاة قبلك، ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم. وإنما يستدلّ على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحبّ الذّخائر إليك ذخيرة العمل الصالح. فاملك هواك، وشحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك؛ فإنّ الشّحّ بالنفس الانتصاف منها فيما أحبّت وكرهت. وأشعر قلبك بالرحمة للرّعيّة، والمحبّة لهم،

واللّطف بهم؛ ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا، تغتنم أكلهم؛ فإنهم صنفان: إمّا أخ لك في الدّين، وإمّا نظير لك في الخلق: يفرط منهم الزّلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطإ: فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه: فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك؛ والله فوق من ولّاك. وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم؛ ولا تنصبنّ نفسك لحرب الله، فإنه لا يدي لك بنقمته؛ ولا غنى بك عن عفوه ورحمته؛ ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجّحن بعقوبة، ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت عنها مندوحة؛ ولا تقولنّ إنيّ امرؤ آمر فأطاع: فإن ذلك إدغال في القلب، ومهلكة في الدّين، وتقرّب من الغير. وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله تعالى فوقك، وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك؛ فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك ويكفّ عنك من غربك، ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك. وإيّاك ومساماة الله تعالى في عظمته، والتشبّه به في جبروته، فإن الله يذلّ كلّ جبّار، ويهين كلّ مختال.

أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّة أهلك وممّن لك فيه هوى من رعيّتك: فإنّك إلّا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله، أدحض حجّته وكان لله حربا حتّى ينزع ويتوب. وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم [فإنّ الله سميع يسمع دعوة المظلومين وهو للظالمين بالمرصاد].

وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ، وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضا الرّعيّة؛ فإنّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة؛ وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرّخاء، وأقلّ معونة له في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقلّ شكرا عند الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمّات الدّهر، من أهل الخاصّة؛ وإنما عمود الدّين، وجماع المسلمين، والعدّة للأعداء العامّة من الأمّة. فليكن صغوك لهم، وميلك معهم؛ وليكن أبعد رعيّتك منك، وأشنؤهم عندك، أطلبهم لمعايب الناس: فإنّ في الناس عيوبا الوالي أحقّ بسترها؛ فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها، فإنّما عليك تطهير ما ظهر [لك] والله يحكم على ما غاب عنك منها. فاستر العورة ما استطعت يستر الله ما تحبّ ستره من عيبك.

أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد، واقطع عنهم سبب كلّ وتر، وتغاب عن كلّ ما لا يضح لك؛ ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع: فإنّ الساعي غاشّ وإن تشبّه بالناصحين؛ ولا تدخلنّ في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزيّن لك الشّره بالجور: فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ بالله.

إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شاركهم في الآثام، فلا يكوننّ لك بطانة، فإنهم أعوان الأثمة، وإخوان الظّلمة؛ وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل اصارهم وأوزارهم: ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثما على إثمه؛ أولئك أخفّ عليك مؤونة، وأحسن

لك معونة؛ وأحنى عليك عطفا، وأقلّ لغيرك إلفا، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك [وحفلاتك] ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم [لك] بمرّ الحقّ، وأقلّهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه، واقعا ذلك من هواك حيث وقع. والصق بأهل الورع والصّدق، ثم رضهم على أن لا يطروك ولا يبجّحوك بباطل لم تفعله:

فإنّ كثرة الإطراء تحدث الزّهوّ وتدني من الغرّة. ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة واحدة، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان [في الإحسان] وتدريبا لأهل الإساءة [على الإساءة]:

وإنّك لا تدري إذا جاء سائلأأنت بما تعطيه أم هو أسعد!
عسى سائل ذو حاجة إن منعتهمن اليوم سؤلا أن يكون له غد!
للشاعر أبو اللحام التغلبي، من قصيدة «عمرت وأطولت التفكر خالياً»
وفي كثرة الأيدي عن الجهل زاجر،وللحلم أبقى للرّجال وأعود!

وعلى ذلك كتب أبو إسحاق الصابي عن الخليفة «الطائع لله» إلى فخر الدولة بن ركن الدولة بن بويه، في جمادى الأولى سنة ستّ وستين وثلاثمائة.

وهذه نسخته:

هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم [الإمام] الطائع لله أمير المؤمنين [إلى فخر الدّولة أبي الحسن بن ركن الدّولة أبي عليّ مولى أمير المؤمنين] حين عرف غناءه وبلاءه، واستصح دينه ويقينه، ورعى قديمه وحديثه، واستنجب عوده ونجاره. وأثنى عزّ الدولة أبو منصور بن معزّ الدولة أبي الحسين مولى أمير المؤمنين

[أيده الله] عليه، وأشار بالمزيد في الصّنيعة إليه؛ وأعلم أمير المؤمنين اقتداءه به في كلّ مذهب ذهب فيه من الخدمة، وغرض رمى إليه من النّصيحة؛ دخولا في زمرة الأولياء [المنصورة، وخروجا عن جماعة الأعداء المدحورة] وتصرّفا على موجبات البيعة التي هي بعزّ الدولة أبي منصور منوطة، وعلى سائر من يتلوه ويتبعه مأخوذة مشروطة؛ فقلّده الصلاة وأعمال الحرب، والمعاون، والأحداث، والخراج، الأعشار، والضيّاع، والجهبذة، والصّدقات، والجوالي، وسائر وجوه الجبايات [والعرض] والعطاء، والنّفقة في الأولياء [والمظالم وأسواق الرقيق] والعيار في دور الضرب والطّرز والحسبة بكور همذان، وأستراباذ، والدّينور، وقرميسين، والإيغارين، و [أعمال] أذربيجان، وأرّان، والسّحانين، وموقان. واثقا منه باستبقاء النعمة واستدامتها، والاستزادة بالشّكر منها، والتجنّب لغمطها وجحودها، والتنكّب لإيحاشها وتنفيرها، والتعمّد لما مكّن له الحظوة والزّلفى، وحرس عليه الأثرة والقربى؛ بما يظهره ويضمره من الوفاء الصحيح، والولاء الصّريح، والغيب الأمين، والصّدر السليم، والمقاطعة لكل من قاطع العصبة، وفارق الجملة، والمواصلة لكلّ من حمى البيضة وأخلص النّيّة- والكون تحت ظلّ أمير المؤمنين وذمّته، ومع عزّ الدولة أبي منصور وفي حوزته، والله جلّ اسمه يعرّف أمير المؤمنين حسن العقبى فيما أبرم ونقض، وسداد الرأي فيما

رفع وخفض؛ ويجعل عزائمه مقرونة بالسلامة، محجوبة عن موارد النّدامة؛ وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.

أمره بتقوى الله التي هي العصمة المتينة، والجنّة الحصينة، والطّود الأرفع، والمعاذ الأمنع، والجانب الأعزّ، والملجأ الأحرز؛ وأن يستشعرها سرّا وجهرا، ويستعملها قولا وفعلا، ويتخذها ردءا دافعا لنوائب القدر، وكهفا حاميا من حوادث الغير؛ فإنها أوجب الوسائل، وأقرب الذّرائع، وأعودها على العبد بمصالحه، وأدعاها إلى سبل مناجحه، وأولاها بالاستمرار على هدايته، والنّجاة من غوايته؛ والسلامة في دنياه حين توبق موبقاتها، وتردي مردياتها؛ وفي آخرته حين تروّع رائعاتها وتخيف مخيفاتها. وأن يتأدّب بآداب الله في التواضع والإخبات، والسّكينة والوقار، وصدق اللهجة إذا نطق، وغضّ الطّرف إذا رمق؛ وكظم الغيظ إذا أحفظ وضبط اللسان إذا أغضب؛ وكفّ اليد عن المآثم، وصون النفس عن المحارم. وأن يذكر الموت الذي هو نازل به، والموقف الذي هو صائر إليه، ويعلم أنه مسؤول عمّا اكتسب، مجزيّ بما ترّمك واحتقب؛ ويتزوّد من هذا الممرّ، لذاك المقرّ، ويستكثر من أعمال الخير لتنفعه، ومن مساعي البرّ لتنقذه؛ ويأتمر بالصالحات قبل أن يأمر بها، ويزدجر عن السيّئات قبل أن يزجر عنها؛ ويبتديء بإصلاح نفسه قبل إصلاح رعيّته: فلا يبعثهم على ما يأتي ضدّه؛ ولا ينهاهم عمّا يقترف مثله، ويجعل ربّه رقيبا عليه في خلواته، ومروءته مانعة له من شهواته؛ فإنّ أحقّ من غلب سلطان الشّهوة، وأولى من صرع أعداء

الحميّة؛ من ملك أزمّة الأمور، واقتدر على سياسة الجمهور؛ وكان مطاعا فيما يرى، متّبعا فيما يشاء، يلي على الناس ولا يلون عليه، ويقتصّ منهم ولا يقتصّون منه؛ فإذا اطّلع الله منه على نقاء جيبه، وطهارة ذيله، وصحّة سريرته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما استحفظه، وأنهضه بثقل ما حمّله؛ وجعل له مخلصا من الشّبهة ومخرجا من الحيرة، فقد قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ

. وقال عز من قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

. وقال: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ

إلى آي كثيرة حضّنا بها على أكرم الخلق، وأسلم الطّرق، فالسعيد من نصبها إزاء ناظره، والشقيّ من نبذها وراء ظهره؛ وأشقى منه من بعث عليها وهو صادف عنها، وأهاب إليها وهو بعيد منها، وله ولأمثاله يقول الله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ

وأمره أن يتخذ كتاب الله إماما متّبعا، وطريقا موقّعا؛ ويكثر من تلاوته إذا خلا بفكره، ويملأ بتأمّله أرجاء صدره؛ فيذهب معه فيما أباح وحظر، ويقتدي به إذا نهى وأمر، ويستبين ببيانه إذا استغلقت دونه المعضلات، ويستضيء بمصابيحه إذا غمّ عليه في المشكلات؛ فإنه عروة الإسلام الوثقى، ومحجّته الوسطى، ودليله المقنع، وبرهانه المرشد، والكاشف لظلم الخطوب، والشافي من مرض القلوب، والهادي لمن ضلّ، والمتلافي لمن زلّ؛ فمن لهج به فقد فاز وسلم، ومن لهي عنه فقد خاب وندم، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ

مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ

وأمره أن يحافظ على الصلوات، ويدخل فيها في حقائق الأوقات؛ قائما على حدودها، متّبعا لرسومها؛ جامعا فيما بين نيّته ولفظه، متوقّيا لمطامح سهوه ولحظه؛ منقطعها إليها عن كلّ قاطع لها، مشغولا بها عن كلّ شاغل عنها؛ متثّبتا في ركوعها وسجودها؛ مستوفيا عدد مفروضها ومسنونها؛ موفّرا عليها ذهنه، صارفا إليها همّه؛ عالما بأنه واقف بين يدي خالقه ورازقه، ومحييه ومميته، ومثيبه ومعاقبه؛ لا تستتر دونه خائنة الأعين وما تخفي الصّدور. فإذا قضاها على هذه السبيل منذ تكبيرة الإحرام إلى خاتمة التسليم، أتبعها بدعاء يرتفع بارتفاعها، [ويستمع باستماعها]، ولا يتعدّى فيه مسائل الأبرار، ورغائب الأخيار: من استصفاح واستغفار، واستقالة واسترحام، واستدعاء لمصالح الدّين والدنيا، وعوائد الآخرة والأولى؛ فقد قال تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً

، وقال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ

وأمره بالسّعي في أيّام الجمع إلى المساجد الجامعة، وفي الأعياد إلى المصلّيات الضّاحية، بعد التقدّم في فرشها وكسوتها؛ وجمع القوّام والمؤذّنين والمكبّرين فيها، واستسعاء الناس إليها، وحضّهم عليها؛ آخذين الأهبة،

متنظّفين في البزّة؛ مؤدّين لفرائض الطّهارة، بالغين في ذلك أقصى الاستطاعة؛ معتقدين خشية الله وخيفته، مدّرعين تقواه ومراقبته؛ مكثرين من دعائه- ﷿ وسؤاله، مصلّين على محمد رسوله ﷺ وعلى آله؛ بقلوب على اليقين موقوفة، وهمم إلى الدّين مصروفة، وألسن بالتسبيح والتقديس فصيحة، وآمال في المغفرة والرحمة فسيحة، فإنّ هذه المصلّيات والمتعبّدات بيوت الله التي فضّلها، ومناسكه التي شرّفها؛ وفيها يتلى القرآن [ومنها ترتفع الأعمال؛ وبها يلوذ اللائذون] ويعوذ العائذون؛ ويتعبّد المتعبّدون، ويتهجّد المتهجّدون، وحقيق على المسلمين أجمعين: من وال ومولّى عليه أن يصونوها ويعمروها، ويواصلوها ولا يهجروها. وأن يقيم الدعوة على منابرها لأمير المؤمنين ثم لنفسه على الرّسم الجاري فيها، قال الله تعالى في هذه الصلاة:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ

. وقال في عمارة المساجد: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ

وأمره بأن يراعي أحوال من يليه، من طبقات جند أمير المؤمنين ومواليه؛ ويطلق لهم الأرزاق، في وقت الوجوب والاستحقاق؛ وأن يحسن في معاملتهم؛ ويجمل في استخدامهم، ويتصرّف في سياستهم: بين رفق من غير ضعف، وخشونة من غير عنف؛ مثيبا لمحسنهم ما زاد بالإبانة في حسن الأثر، وسلم معها من دواعي الأشر؛ ومتغمّدا لمسيئهم ما كان التغمّد له نافعا، وفيه ناجعا، فإن

تكررت زلّاته، وتتابعت عثراته؛ تناوله من عقوبته بما يكون له مصلحا، ولغيره واعظا. وأن يختص أكابرهم وأماثلهم وأهل الرأي والخطر منهم بالمشاورة في الملمّ، والإطلاع على بعض المهمّ؛ مستخلصا نخائل قلوبهم بالبسط والإدناء، ومستشحذا بصائرهم بالإكرام والأحتفاء: فإنّ في مشاورة هذه الطبقة استدلالا على مواقع الصواب، وتحرّزا من غلط الاستبداد، وأخذا بمجامع الحزامة، وأمنا من مفارقة الاستقامة؛ وقد حضّ الله تعالى على الشّورى حيث قال لرسوله ﵊: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ

وأمره بأن يعمد لما يتصل بنواحيه من ثغور المسلمين، ورباطات المرابطين، ويقسم لها قسما وافرا من عنايته، ويصرف إليها طرفا بل شطرا من رعايته؛ ويختار لها أهل الجلد والشّدّة، وذوي البأس والنّجدة: ممن عجمته الخطوب، وعركته الحروب؛ واكتسب دربة بخدع المتناوبين، وتجربة بمكايد المتقارعين؛ وأن يستظهر بتكثيف عددهم، واختيار عددهم؛ وانتخاب خيلهم، وإستجادة أسلحتهم؛ غير مجمّر بعثا إذا بعثه، ولا مستكرهه إذا وجّهه؛ بل يناوب بين رجاله مناوبة تريحهم ولا تملّهم؛ وترفّههم ولا تؤودهم: فإنّ في ذلك من فائدة الإجمام؛ والعدل في الاستخدام؛ وتنافس رجال النّوب فيما عاد عليهم بعز الظّفر والنّصر، وبعد الصيّت والذّكر، وإحراز النفع والأجر؛ ما يحقّ على الولاة أن يكونوا به عاملين، وللناس عليه حاملين. وأن يكرّر على أسماعهم، ويثبّت

في قلوبهم؛ مواعيد الله لمن صابر ورابط، وسمح بالنفس وجاهد، من حيث لا يقدمون على تورّط غرّة، ولا يحجمون عن انتهاز فرصة؛ ولا ينكصون عن تورّد معركة، ولا يلقون بأيديهم إلى التّهلكة؛ فقد أخذ الله تعالى ذلك على خلقه، والمرامين عن دينه، وأن يزيح العلّة فيما يحتاج إليه من راتب نفقات هذه الثّغور وحادثها، وبناء حصونها ومعاقلها؛ واستطراق طرقها ومسالكها، وإفاضة الأقوات والعلوفات للمترتّبين فيها والمتردّدين إليها والحامين لها. وأن يبذل أمانه لمن طلبه، ويعرضه على من لم يطلبه. ويفي بالعهد إذا عاهد، وبالعقد إذا عاقد، غير مخفر ذمّة، ولا جارح أمانة، فقد أمر الله تعالى بالوفاء فقال جلّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

ونهى عن النّكث فقال عزّ من قائل: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ

وأمره أن يعرض من في حبوس عمله على جرائرهم [وإنعام النظر في جناياتهم وجرائمهم] فمن كان إقراره واجبا أقرّه ومن كان إطلاقه سائغا أطلقه.

وأن ينظر في الشّرطة والأحداث نظر عدل وإنصاف؛ ويختار [لها من الولاة] من يخاف الله تعالى ويتّقيه، ولا يحابي ولا يراقب فيه، ويتقدّم إليهم بقمع الجهّال، وردع الضّلّال؛ وتتبّع الأشرار، وطلب الدّعّار؛ مستدلّين على أماكنهم؛ متوغّلين إلى مكامنهم؛ متولّجين عليهم في مظانّهم؛ متوثّقين ممن يجدونه منهم، منفذين أحكام الله تعالى فيهم بحسب الذي يتبيّن من أمرهم، ويتّضح من فعلهم؛ في كبيرة ارتكبوها، وعظيمة احتقبوها؛ ومهجة أفاظوها واستهلكوها، وحرمة أباحوها وانتهكوها: فمن استحقّ حدّا من حدود الله المعلومة أقاموه عليه غير مخفّفين منه،

وأحلّوه به غير مقصّرين عنه، بعد أن لا يكون عليهم في الذي يأتون به حجّة، ولا يعترضهم في وجوبه شبهة: فإنّ الواجب في الحدود أن تقام بالبيّنات، وأن تدرأ بالشّبهات؛ فأولى ما توخّاه رعاة الرّعايا فيها أن لا يقدموا عليها مع نقصان، ولا يتوقّفوا عنها مع قيام دليل وبرهان. ومن وجب عليه القتل احتاط عليه بما يحتاط به على مثله: من الحبس الحصين، والتوثّق الشديد؛ وكتب إلى أمير المؤمنين بخبره، وشرح جنايته، وثبوتها بإقرار يكون منه، أو بشهادة تقع عليه، ولينتظر من جوابه ما يكون عمله بحسبه، فإنّ أمير المؤمنين لا يطلق سفك دم مسلم أو معاهد إلا ما أحاط به علما، وأتقنه فهما، وكان ما يمضيه فيه عن بصيرة لا يخالطها شكّ، ولا يشوبها ريب. ومن ألمّ بصغيرة من الصغائر، ويسيرة من الجرائر، من حيث لم يعرف له مثلها، ولم تتقدّم منه أختها، وعظه وزجره، ونهاه وحذّره؛ واستتابه وأقاله، ما لم يكن عليه خصم في ذلك يطالب بقصاص منه، وجزاء له؛ فإن عاد تناوله [من] التقويم والتهذيب، والتّعزير والتأديب؛ بما يرى أن قد كفى فيما اجترم، ووفى بما قدّم؛ فقد قال تعالى: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

وأمره أن يعطّل ما في أعماله من الحانات والمواخير، ويطهّرها من القبائح والمناكير؛ ويمنع من تجمّع أهل الخنا فيها وتألّف شملهم بها: فإنه شمل يصلحه التّشتيت، وجمع يحفظه التفريق؛ وما زالت هذه المواطن الذّميمة والمطارح الدّنيئة، داعية لمن يأوي إليها، ويعكف عليها؛ إلى ترك الصلوات؛ [وإهمال المفترضات] وركوب المنكرات، واقتراف المحظورات؛ وهي بيوت الشيطان التي في عمارتها لله تعالى مغضبة، وفي إخرابها للخير مجلبة؛ والله تعالى يقول لنا

معشر المؤمنين: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ

ويقول عزّ من قائل لغيرنا من المذمومين: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا

وأمره أن يولّي الحماية في هذه الأعمال، أهل الكفاية والغناء من الرجال؛ وأن يضمّ إليهم كلّ من خفّ ركابه، وأسرع عند الصّريخ جوابه، مرتّبا لهم في المسالح، وسادّا بهم ثغر المسالك؛ وأن يوصيهم بالتيقّظ؛ ويأخذهم بالتحفّظ، ويزيح عللهم في علوفة خيلهم؛ والمقرّر من أزوادهم وميرهم؛ حتى لا تثقل لهم على البلاد وطأة، ولا تدعوهم إلى تحيّفهم وثلمهم حاجة؛ وأن يحوطوا السابلة بادئة وعائدة، ويتداركوا القوافل صادرة وواردة؛ ويحرسوا الطّرق ليلا ونهارا، وينفضوها رواحا وإبكارا؛ وينصبوا لأهل العيث الأرصاد، ويتكمّنوا لهم بكلّ واد؛ ويتفرّقوا عليهم حيث يكون التفرّق مضيّقا لفضائهم؛ ومؤدّيا إلى انفضاضهم؛ ويجتمعوا حيث يكون الاجتماع مطفئا لجمرتهم، وصادعا لمروتهم؛ وأن لا يخلوا هذه السّبل من حماة لها وسيّارة فيها: يتردّدون في جواديها، ويتعسّفون في عواديها، حتى تكون الدماء محقونة، والأموال مصونة، والفتن محسومة والغارات مأمونة؛ ومن حصل في أيديهم من لصّ خاتل، وصعلوك خارب؛ ومخيف لسبيل، ومنتهك لحريم؛ امتثل فيه أمر أمير المؤمنين الموافق لقول الله ﷿: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي

الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ

وأمره بوضع الرّصد على ما يجتاز في أعماله من أبّاق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم، والبحث عن الأماكن التي فارقوها، والطّرق التي استطرقوها؛ ومواليهم الذين أبقوا منهم، ونشزوا عنهم؛ وأن يردّوهم عليهم قهرا، ويعيدوهم إليهم صغرا؛ وأن ينشدوا الضالّة بما أمكن أن تنشد، ويحفظوها على ربّها بما جاز أن تحفظ، ويتجنّبوا الامتطاء لظهورها والانتفاع بأوبارها وألبانها مما يجزّ ويحلب؛ وأن يعرّفوا اللّقطة ويتّبعوا أثرها، ويشيعوا خبرها. فإذا حضر صاحبها وعلم أنه مستوجبها سلّمت إليه، ولم يعترض فيها عليه؛ فإنّ الله ﷿ يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها

. ويقول رسول الله ﷺ:

«ضالّة المؤمن حرق النّار».

وأمره أن يوصي عمّاله بالشدّ على أيدي الحكّام، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام؛ وأن يحضروا مجالسهم حضور الموقّرين لها، الذابّين عنها، المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطاعة فيها؛ ومن خرج عن ذلك من ذي عقل سخيف، وحلم ضعيف، نالوه بما يردعه، وأحلّوا به ما يزعه؛ ومتى تقاعس متقاعس عن حضور مع خصم يستدعيه، وأمر يوجّه الحاكم إليه فيه؛ أو التوى ملتو بحقّ يحصل عليه، ودين يستقرّ في ذمّته، قادوه إلى ذلك بأزمّة الصّغار، وخزائم الاضطرار؛ وأن يحبسوا ويطلقوا بأقوالهم، ويثبتوا الأيدي في الأملاك والفروج وينزعوها بقضاياهم؛ فإنّهم أمناء الله في فصل ما يفصلون وبتّ ما يبتّون، وعن كتابه وسنّة نبيه ﷺ يوردون [ويصدرون] وقد قال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي

الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ

. وأن يتوخّى بمثل هذه المعاملة عمّال الخراج في استيفاء حقوق ما استعملوا عليه، واستنطاف بقاياهم فيه، والرّياضة لمن تسوء طاعته من معامليهم، وإحضارهم طائعين أو كارهين بين أيديهم؛ فمن آداب الله تعالى للعبد التي يحقّ عليه أن يتخذها [أدبا] ويجعلها إلى الرضا عنه سببا، قوله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ

وأمره أن يجلس للرعيّة جلوسا عامّا، وينظر في مطالبها نظرا تامّا؛ ويساوي في الحق بين خاصّها وعامّها، ويوازي في المجالس بين عزيزها وذليلها؛ وينصف المظلوم من ظالمه، والمغصوب من غاصبه، بعد الفحص والتأمّل والبحث والتّبين، حتّى لا يحكم إلّا بعدل، ولا ينطق إلّا بفصل؛ ولا يثبّت يدا إلّا فيما وجب [تثبيتها فيه، ولا يقبضها إلا عمّا وجب] قبضها عنه؛ وأن يسهّل الإذن لجماعتهم، ويرفع الحجاب بينه وبينهم؛ ويوليهم من حصانة الكنف، ولين المنعطف، والاشتمال والعناية، والصّون والرّعاية، ما تتعادل فيه أقسامهم، وتتوازن منه أقساطهم؛ ولا يصل المكين منهم إلى استضامة من تأخّر عنه، ولا ذو السلطان إلى هضيمة من حلّ دونه. وأن يدعوهم إلى أحسن العادات [والخلائق] ويحضّهم على أجمل المذاهب والطرائق؛ ويحمل عنهم

كلّه، ويمدّ عليهم ظلّه؛ ولا يسومهم خسفا، ولا يلحق بهم حيفا؛ ولا يكلّفهم شططا، ولا يجشّمهم مضلعا؛ ولا يثلم لهم معيشة، ولا يداخلهم في جريمة؛ ولا يأخذ بريئا منهم بسقيم، ولا حاضرا بعديم؛ فإنّ الله جل وعز نهى أن تزر وازرة وزر أخرى، وجعل كلّ نفس رهينة بمكسبها بريئة من مكاسب غيرها. ويرفع عن هذه الرعيّة ما عسى أن يكون سنّ عليها من سنّة ظالمة، وسلك بها من محجّة جائرة، ويستقري آثار الولاة قبله عليها، فيما ازجوه من خير أو شرّ إليها: فيقرّ من ذلك ما طاب وحسن، ويزيل ما خبث وقبح: فإنّ من يغرس الخير يحظى بمعسول ثمره، ومن يزرع الشّرّ يصلى بممرور ريعه؛ والله تعالى يقول: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ

وأمره أن يصون أموال الخراج وأثمان الغلّات، ووجوه الجبايات، موفّرا ويزيد ذلك مثمّرا، بما يستعمله من الإنصاف لأهلها، وإجرائهم على صحيح الرّسوم فيها: فإنه مال الله الذي به قوّة عباده، وحماية بلاده، ودرور حلبه، واتصال مدده؛ وبه يحاط الحريم، ويدفع العظيم؛ ويحمى الذّمار، وتذاد الأشرار. وأن يجعل افتتاحه إيّاه بحسب [إدراك] أصنافه، وعند حضور مواقيته وأحيانه؛ غير مستسلف شيئا قبلها، ولا مؤخّر لها عنها؛ وأن يخصّ أهل الطاعة والسلامة بالتّرفيه لهم، وأهل الاستصعاب والامتناع بالتشدّد عليهم: لئلا يقع إرهاق لمذعن، أو إهمال لطامع. وعلى المتولّي لذلك أن يضع كلّا من الأمرين موضعه، ويوقعه موقعه؛ متجنّبا إحلال الغلظة بمن لا يستحقّها، وإعطاء الفسحة لمن ليس من

أهلها؛ والله تعالى يقول: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى

وأمره بأن يتخيّر عمّاله على الأعشار، والخراج، والضيّاع، والجهبذة، والصّدقات، والجوالي، من أهل الظّلف والنّزاهة، والضّبط والصيّانة، والجزالة والشّهامة؛ وأن يستظهر مع ذلك عليهم بوصيّة يوعيها أسماعهم، وعهود يقلّدها أعناقهم؛ بأن لا يضيّعوا حقّا، ولا يأكلوا سحتا؛ ولا يستعملوا ظلما، ولا يقارفوا غشما. وأن يقيموا العمارات، ويحتاطوا [على الغلّات] ويتحرّزوا من ترك حقّ لازم أو تعطيل رسم عادل؛ مؤدّين في جميع ذلك الأمانة، مجتنبين للخيانة. وأن يأخذوا جهابذتهم باستيفاء وزن المال على تمامه، واستجادة نقده على عياره؛ واستعمال الصّحّة في قبض ما يقبضون، وإطلاق ما يطلقون. وأن يوعزوا إلى سعاة الصّدقات بأخذ الفرائض من سائمة مواشي المسلمين دون عاملتها، وكذلك الواجب فيها؛ وأن لا يجمعوا فيها متفرّقا ولا يفرّقوا مجتمعا، ولا يدخلوا فيها خارجا عنها، ولا يضيفوا إليها ما ليس منها: من فحل إبل أو أكولة راع، أو عقيلة مال؛ فإذا اجتبوها على حقّها، واستوفوها على رسمها، أخرجوها في سبيلها، وقسّموها على أهلها الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه، إلّا المؤلّفة قلوبهم الذين سقط سهمهم، فإنّ الله تعالى يقول: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ

اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

. وإلى جباة [جماجم] أهل الذّمّة أن يأخذوا منهم الجزية في المحرّم من كل سنة [بحسب] منازلهم في الأحوال، وذات أيديهم في الأموال؛ وعلى الطّبقات المطبقة فيها والحدود [المحدودة] المعهودة لها؛ وأن لا يأخذوها من النساء، ولا ممن لم يبلغ الحلم من الرجال؛ ولا من ذي سنّ عالية، ولا ذي علّة بادية؛ ولا فقير معدم، ولا مترهّب متبتّل؛ وأن يراعي جماعة هؤلاء العمّال مراعاة يسرّها ويظهرها، ويلاحظهم ملاحظة يخفيها ويبديها: لئلّا يزولوا عن الحقّ الواجب، أو يعدلوا عن السّنن اللّاحب؛ فقد قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا

وأمره أن يندب لعرض الرجال وإعطائهم، وحفظ جراياتهم وأوقات إطعامهم، من يعرفه بالثّقة في متصرّفه، والأمانة فيما يجري على يده، والبعد عن الإسفاف إلى الدّنيّة، والاتّباع للدناءة؛ وأن يبعثه على ضبط [حلى] الرجال وشيات الخيل، وتجديد العرض بعد الاستحقاق، وإيقاع الاحتياط في الإنفاق؛ فمن صحّ عرضه ولم يبق في نفسه شيء منه: من شكّ يعرض له، أو ريبة يتوهّمها، أطلق أموالهم موفورة، وجعلها في أيديهم غير مثلومة؛ وأن يردّ على بيت المال أرزاق من سقط بالوفاة والإخلال، ناسبا ذلك إلى جهته، وموردا له على حقيقته. وأن يطالب الرجال بإحضار الخيل المختارة، والآلات المستكملة المستعملة على ما توجبه مبالغ أرزاقهم، وحسب منازلهم ومراتبهم؛ فإن أخّر أحدهم شيئا من ذلك قاصّه به من رزقه، وأغرمه مثل قيمته، فإنّ المقصّر فيه خائن

لأمير المؤمنين، ومخالف لرب العالمين؛ إذ يقول الله سبحانه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ

وأمره أن يعتمد في أسواق الرقيق ودور الضرّب والحسبة والطّرز، على من تجتمع فيه آلات هذه الولايات: من ثقة ودراية، وعلم وكفاية، ومعرفة ودراية؛ وتجربة وحنكة، وحصافة ومسكة؛ فإنها أحوال تضارع الحكم وتناسبه، وتدانيه وتقاربه. وأن يتقدّم إلى ولاة أسواق الرقيق بالتحفّظ فيمن يطلقون بيعه، ويمضون أمره؛ والتحرّز من وقوع تجوّز فيه، وإهمال له؛ إذ كان ذلك عائدا بتحصين الفروج، وتطهير الأنساب. وأن يبعدوا عنه أهل الرّيبة، ويقرّبوا أهل العفّة؛ ولا يمضوا بيعا على شبهة، ولا عقدا على تهمة. وإلى ولاة العيار، بتخليص عين الدّرهم والدينار: ليكونا مضروبين على البراءة من الغشّ، والنّزاهة من المشّ؛ وبحسب الإمام، المقرّر بمدينة السّلام؛ وحراسة السّكك من أن تتداولها الأيدي المدغلة، وتتناقلها الجهات الظّنينة؛ وإثبات اسم أمير المؤمنين على ما يضرب منها ذهبا وفضّة، وإجراء ذلك على الرّسم والسنّة. وإلى ولاة الطّرز بأن يجروا الاستعمال في جميع المناسج على أتم النّيقة، وأسلم الطّريقة؛ وأحكم الصّنعة، وأفضل الصّحّة؛ وأن يثبتوا اسم أمير المؤمنين على طرز الكسا، والفرش والأعلام والبنود. وإلى ولاة الحسبة بتصفّح أحوال العوامّ في حرفهم ومتاجرهم،

ومجتمع أسواقهم ومعاملاتهم؛ وأن يعايروا الموازين والمكاييل، ويفرزوها على التعديل والتكميل؛ ومن اطّلعوا منه على حيلة أو تلبيس، أو غيلة أو تدليس؛ أو بخس فيما يوفيه، أو استفضال فيما يستوفيه، نالوه بغليظ العقوبة وعظيمها، وخصّوه بوجيعها وأليمها؛ واقفين به في ذلك عند الحدّ الذي يرونه لذنبه مجازيا، وفي تأديبه كافيا فقد قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ

هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عليك؛ وقد وقفك به على سواء السبيل، وأرشدك فيه إلى واضح الدّليل؛ وأوسعك تعليما وتحكيما، وأقنعك تعريفا [وتفهيما] ولم يألك جهدا فيما عصمك وعصم على يدك، ولم يدّخرك ممكنا فيما أصلح بك وأصلحك؛ ولا ترك لك عذرا في غلط تغلطه، ولا طريقا إلى متورّط تتورّطه؛ بالغا بك في الأوامر والزّواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثّوهم عليه؛ مقيما لك على منجيات المسالك، صارفا بك عن مرديات المهالك؛ مريدا فيك ما يسلّمك في دينك ودنياك، ويعود بالحظّ عليك في آخرتك وأولاك؛ فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن تجانفت واعوججت فقد خسرت وندمت؛ والأولى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك الزّاكي، ومنبتك النامي، وعودك الأنجب، وعنصرك الأطيب، أن تكون لظنّه بك محقّقا، ولمخيلته فيك مصدّقا؛ وأن تستزيد بالأثر الجميل قربا [من رب العالمين] وثوابا يوم الدين؛ وزلفى عند أمير المؤمنين، وثناء حسنا من المسلمين؛ فخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك بيدك على ما أعطى من مواثيقه؛ واجعل عهده [هذا] مثالا تحتذيه، وإماما تقتفيه؛ واستعن بالله يعنك،

واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته، يخلص لك الحظّ من معونته؛ ومهما أشكل عليك من خطب، أو أعضل عليك من صعب؛ أو بهرك من باهر، أو بهظك من باهظ، فاكتب إلى أمير المؤمنين به منهيا، وكن إلى ما يرد [من جوابه] عليك منتهيا؛ إن شاء الله تعالى. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

[وكتب نصير الدولة الناصح أبو طاهر يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة].

وعلى هذا الأسلوب كتب أمين الدين أبو سعيد، العلاء بن وهب بن موصلايا عن القائم بأمر الله عهد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، بسلطنة الأندلس وبلاد المغرب، بعد العشرين والأربعمائة، فيما رأيته في ترسّل ابن موصلايا المذكور.

وهذه نسخته بعد البسملة الشريفة:

هذا ما عهد عبد الله ووليّه، عبد الله القائم بأمر الله أمير المؤمنين، إلى فلان حين انتهى إليه ما هو عليه من ادّراع جلابيب الرّشاد، في الإصدار والإيراد؛ واتّباع سنن من أبدى وأعاد، فيما يجمع خير العاجلة والمعاد؛ والتخصيص من حميد الأنحاء والمذاهب، بما يستمدّ منه أصناف الآلاء والمواهب؛ والتحلّي من

السّداد الكامل، بما فاز فيه بامتطاء الغارب من الجمال والكاهل؛ واتّضح ما هو متشبّث به من صحّة الدّين واليقين، والمواظبة من اكتساب رضا الله تعالى على ما هو أقوى الظّهير والمعين؛ في ضمن ما طوى عليه ضلوعه، وأدام لهجه به وولوعه: من موالاة لأمير المؤمنين يدين الله تعالى بها، ويرجو النجاة من كل مخوف باستحكام سعيها؛ ومشايعة لدولته ساوى فيها بين ما أظهر وأسرّ، وأمّل في اجتناء ثمرها كلّ ما أبهج وسرّ؛ فولّاه الصّلاة بأعمال المغرب، والمعاون، والأحداث»

، والخراج، والضيّاع، والأعشار، والجهبذة، والصّدقات، والجوالي، وسائر وجوه الجبايات، والعرض، والعطاء، والنّفقة في الأولياء، والمظالم، وأسواق الرقيق، والعيار في دور الضّرب، والطّرز، والحسبة، ببلاد كذا وكذا: سكونا إلى استقلاله بأعباء ما استكفاه إيّاه، واستقباله النعمة عليه في ذلك بكلّ ما ينشر ذكره ويطيب ريّاه؛ وثقة بكونه للصّنيعة أهلا، وبأفياء الطاعة الإماميّة مستظلّا؛ وتوفرة على ما يزيده بحضرة أمير المؤمنين حظوة تردّ باع الخطوب عنه قصيرا، وتمدّ مقاصده من التوفيق بما يضحى له في كلّ حالة نصيرا؛ وعلما بما في اصطناعه من مصلحة تستنير أهلّتها، وتستثير من شبه الغيّ شواهدها وأدلّتها؛ والله تعالى يصل مرامي أمير المؤمنين بالإصابة، ويعينه على ما يقرّ كلّ أمريء في حقّه ويحلّه نصابه؛ ويحسن له الخطرة في كلّ ما يغدو له ممضيا، ولمطايا الاجتهاد في فعله منضيا؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله، عليه يتوكل وإليه ينيب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.