تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الوجه السابع

(في قطع ورق هذا العهد وقلمه الذي يكتب به، وكيفيّة كتابته، وصورة وضعه في الورق) أما قطع ورقه فمقتضى إطلاق المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» أن للعهود قطع البغدادي الكامل أنه يكتب في البغدادي أيضا.

قلت: وهو المناسب لعظمة السلطنة، وشماخة قدرها، إذ الملك إلى وليّ العهد آئل، وللدّخول تحت أمره صائر، خصوصا إذا كان المعهود اليه ولدا أو أخا، وحينئذ فيكتب بمختصر قلم الطّومار لمناسبته له، على ما تقدّم في غير موضع.

وأما كيفية كتابته وصورة وضعها في الورق، فهو أن يخلّي من أعلى الدّرج

قدر إصبع بياضا، ثم يكتب في وسطه بقلم دقيق ما صورته «الاسم الشريف» كما يكتب في التقاليد وغيرها على ما سيأتي، ثم يبتديء بكتابة الطّرّة بالقلم الذي يكتب به العهد من أوّل عرض الورق من غيرهامش سطورا متلاصقة إلى آخر الطّرّة، ثم يترك ستة أوصال بياضا من غير كتابة غير الوصل الذي فيه الطرة، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بحيث تلحق أعالي ألفاته بالوصل الذي فوقه، بهامش عن يمين الورق قدر أربعة أصابع أو خمسة مطبوقة، ثم يكتب تحت البسملة سطرا من أوّل العهد ملاصقا لها، ثم يخلّي بيت العلامة قدر شبر كما في عهود الملوك عن الخلفاء، ثم يكتب السطر الثاني تحت بيت العلامة على سمت السطر الذي تحت البسملة، ويسترسل في كتابة بقيّة العهد إلى آخره، ويجعل بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع بذراع القماش؛ فإذا انتهى إلى آخر العهد كتب «إن شاء الله تعالى» ثم المستند، ثم الحمدلة والصلاة على النبيّ ﷺ والحسبلة، على ما تقدّم في الفواتح والخواتم؛ ثم يكتب شهود العهد بعد ذلك.

وهذه صورة وضعه في الورق، ممثّلا له بالطرّة التي أنشأتها لذلك، وبالعهد الذي أنشأه القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر عن المنصور «قلاوون» بالعهد بالسلطنة لولده الملك الصالح «علاء الدّين عليّ» وهي:

هذا عهد شريف جليل قدره، رفيع ذكره، عليّ فخره، متبلّج صبحه، ضوّيّ فجره، من السلطان الأعظم الملك الظاهر، ركن الدنيا والدّين «بيبرس» خلّد الله تعالى سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه، با لسلطنة الشريفة لولده المقام العالي السلطانيّ، الملكيّ، السعيديّ، بلّغه الله تعالى فيه غاية الآمال، وحقّق فيه للرعية ما يرجونه من مزيد الإفضال. على ما شرح فيه بسم الله الرحمن الرحيم هامش الحمد لله الذي شرّف سرير الملك منه بعليّه، وحاطه منه بوصيّة، وعضّد منصورة بولاية عهد صالحه، وأسمى حاتم جوده. بمكارم حازها بسبق عديّه، وأبهج خير الآباء من خير الأبناء بمن سموّ أبيه منه بشريف الخلق وأبيّه،

هامش وغذّى روضه بمتابعة وسميّه، وبمسارعة وليّه. نحمده على نعمه التي جمعت إلى الزّهر الثمر إلى أن يأتي إلى قوله: ولا يخاف دركا ولاعتماد على الخطّ الشريف- أعلاه الله تعالى- أعلاه.

إن شاء الله تعالى كتب في سنة حسب المرسوم الشريف الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.