تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الوجه الأوّل

(في بيان أصل ذلك وأوّل حدوثه في هذه المملكة إلى حين زواله عنها) قد تقدّم في المكاتبات، في الكلام على مكاتبة صاحب حماة أنّ ذلك مما كان في الدولة الأيّوبية، ثم في الدولة التّركيّة في الأيام المنصوريّة «قلاوون» والأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» ثم بطل ذلك؛ وذلك أنّ السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» حين استولى على البلاد الشاميّة مع الديار المصريّة بعد موت السلطان نور الدين «محمود بن زنكي» صاحب الشام، فرّق أقاربه في ولاية الممالك الشامية: كدمشق وحلب وحمص وغيرها واستمرّت.

وكان السلطان صلاح الدين قد ولّى حماة لابن أخيه تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب، فبقيت بيده حتّى توفّي سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوليها بعده ابنه المنصور ناصر الدين محمد وبقي بها حتّى توفّي سنة سبع عشرة

وستّمائة، فوليها ابنه الناصر قليج أرسلان فبقي بها إلى أن انتزعها منه أخوه المظفّر في سنة ستّ وعشرين وستمائة، وأقام بها إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. فوليها ابنه المنصور محمد، فبقي بها إلى أن غلب هولاكو ملك التتار على الشام وقتل من به من بقايا الملوك الأيّوبية، فهرب المنصور إلى مصر وأقام بها إلى أن سار المظفّر قطز صاحب مصر إلى الشام، وانتزعه من يد التتار، وصار الشام مضافا إلى مملكة الديار المصريّة، فردّ المنصور إلى حماة، فبقي بها حتى توفّي سنة ثلاث وثمانين وستّمائة، فولّى المنصور قلاوون ابنه المظفّر شادي مكانه، وكتب له بها عهدا عنه، فبقي بها حتى توفّي سنة ثمان وتسعين وستمائة، في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» في سلطنته الثانية بعد «لا جين»، فولّى الملك الناصر قرا سنقر أحد أمرائه نائبا؛ فلما استولى غازان ملك التتار على الشام، كان العادل كتبغا بعد خلعه من سلطنة الديار المصرية نائبا بصرخد، فأظهر في قتال التتار قوّة وجلادة فولّاه الملك الناصر حماة، وحضر هزيمة التتار مع الملك الناصر سنة اثنتين وسبعمائة ورجع إلى حماة فمات بها، فولّى الملك

الناصر مكانه سيف الدين قبجق نائبا، ثم نقله إلى حلب، وولّى أسندمر كرجي نيابة حماة مكانه. ولما رجع السلطان الملك الناصر من الكرك نقل أسندمر كرجي من حماة إلى حلب، وولّى المؤيّد عماد الدّين إسماعيل بن الأفضل عليّ ابن المظفّر عمر مكانه بحماة سنة ستّ عشرة وسبعمائة على عادة من تقدّمه من الملوك الأيّوبية، فبقي بها إلى أن توفّي سنة ثنتين وثلاثين وسبعمائة، فولّى الملك الناصر ابنه الأفضل محمدا مكانه، فبقي بها حتى مات الملك الناصر في ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، واستقرّ في السلطنة بعده ابنه المنصور أبو بكر، وقام بتدبير دولته الأمير قوصون. فكان أوّل ما أحدث عزل الأفضل بن المؤيّد عن حماة، وولّى مكانه بها الأمير قطز نائبا. وسار الأفضل إلى دمشق فأقام بها حتى توفّي بها سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة، وهو آخر من وليها من بني أيّوب.

وقد ذكر المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» أنّ سلطانها كان يستقلّ بإعطاء الإمرة والإقطاعات، وتولية القضاة والوزراء وكتّاب السرّ وكلّ الوظائف؛ وتكتب المناشير والتواقيع من جهته. ولكنه لا يمضي أمرا كبيرا في مثل إعطاء إمرة أو إعطاء وظيفة كبيرة حتّى يشاور صاحب مصر، وهو لا يجيبه إلا أنّ الرأي ما يراه. ومن هذا ومثله. قال: وإن كان سلطانا حاكما وملكا متصرّفا فصاحب مصر هو المتصرّف في تولية وعزل، من أراد ولّاه ومن أراد عزله.

قلت: وكان للمملكة بذلك زيادة أبّهة وجمال: لكون صاحبها تحت يده من هو متّصف باسم السلطنة، يتصرّف فيه بالولاية والعزل. على أنّ هذا القسم لم يتعرّض له المقرّ التّقوىّ بن ناظر الجيش في «التثقيف» لخلوّ المملكة الآن عن

مثله؛ وإنما أشار إليه المقرّ الشهابيّ بن فضل الله ﵀ في «التعريف» حيث قال: وأما ما يكتب للملوك عن الملوك، مثل ولاة العهود والمنفردين بصغار البلدان فإنه لا تستفتح عهودهم إلا بالخطب. وذلك أنّ حماة كانت في زمنه بأيدي بني أيّوب على ما تقدّم ذكره، ولذلك قال في «مسالك الأبصار»: ومما في حدود هذه المملكة ممن له اسم سلطان حاكم وملك متصرّف صاحب حماة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.