تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الوظيفة الأولى ((كتابة الدّرج)

وصاحبها هو الذي يقوم بالإسكندرية مقام كاتب السرّ بالأبواب السلطانية في قراءة المكاتبة على النائب، وكتابة الأجوبة وما يجري مجرى ذلك.

وهذه نسخة توقيع من ذلك:

رسم بالأمر الشريف- لا زال شاملا فضله، كاملا عدله، هاملا بالإحسان وبله، متّصلا بالجميل حبله، ملاحظا بعين العناية للبيت الزاكي فرعه الطيّب أصله، معليا نجمه إلى أسنى المراتب التي لا ينبغي أن يكون محلّها إلا محلّه- أن يستقرّ فلان في كتابة الدّرج بثغر الإسكندرية المحروس على عادة من تقدّمه في ذلك وقاعدته، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت: لأصالته المعرقة، وغصون نسبه المورقة، وآدابه الجمّة، وفضيلته التي أبدى بها علمه، وكتابته التي حلّت المهارق، وأبدت من الجواهر ما تتمنّى لمسه المفارق، وتذوي لنضارته أزاهر الروض النّضير، وتتفرّد في الحسن فلا تجد لها من نظير، وتبرز كالعقود في أجياد الترائب، وتنشيء كتبا تغني عن الكتائب؛ مع ماله من رآسة أثبتت معاليه، ونفاسة أضحت بجواهرها الأوصاف حالية، وصدارة توالت منه فاستوجب بها مزيد الحسنى المتوالية؛ قد خوّل في كرم الأصل فلا غرو أن أمسى نجيبا، ودعا بديع اللفظ ولطيف المعنى فغدا كلّ منهما لأمره طائعا وبالإذعان مجيبا، وعلا كوكبه فأضحى في الرّفعة بعيدا وإن كان في مرأى العين قريبا، وزكا من أكابره إلى كل فريد في سؤدده، واحد في علاه يفوق الجمع في عدده؛ فهو إنسان عين زمانه، ومالك زمام الإنشاء ومصرّف عنان بنانه، ومبرز الحسنات بسفارته المقبولة وإطلاق بيانه، فلا غرو أن استوجب منّا ما يقضي له

بالمزيد، واستحقّ باتّباع أصله العالم التقيّ إدراك ما يريد، وتحلّى بمناقبه ومآثره، ونقل عن عفافه ومفاخره.

فليستمرّ في ذلك على أجمل عوائده، وأجزل فوائده، سالكا في ذلك طرائقه الحميدة، ومناهجه ومناهج أسلافه السّديدة، مبرزا من خطّه ما يخجل به الطّروس، ويسرّ بمزاياه النفوس، وينظم كالعقود، ويلوح للأبصار حسن رونقه [المشهود]؛ والله تعالى يجعل إحساننا لدى بيته الكريم مستمرّا، وامتناننا العميم عنده مستقرّا، وثغر العناية به مفترّا، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.