تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الوظيفة الثانية (نظر دار الطّراز بثغر الإسكندريّة)

وهذه نسخة توقيع بذلك، كتب بها لصلاح الدين بن علاء الدّين عليّ بن البرهان، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، من إنشاء الشريف شهاب الدين كاتب الإنشاء، وهي:

رسم بالأمر الشريف- لا زال إيثاره، يكرم من غدا صلاحه لحلّة العلى طرازا، واختياره، يقدّم للمناصب الجليلة من ورث من أبيه نهضة واحترازا- أن يستقر فلان في كذا: لكفايته المعروفة المحقّقة، ودرايته المألوفة بركاتها الموفّرة وحركاتها الموفّقة، وديانته التي منها الأكابر على ثقة، وأمانته التي تعتمد الحقّ مستدعية ومنفقة، وصيانته التي هي للواصل حافظة وعلى الحاصل مشفقة.

فليباشر هذه الوظيفة التي كانت في سالف الزمان إلى الحكّام تضاف، وللعلماء الأعلام عليها نظر وإشراف، ومنها يسدل على أوليائنا لباس الإنعام وترسل أجناس الإتحاف، وتسربل الكعبة البيت الحرام في كلّ عام بجلبابها المحكم النّسج المعلم الأطراف، وليصن ذهبها عند صرفه وقبضه، وليزن

خزّها بتقريب مشوبه وتحرير محضه، وليبن عن حسن التدبير في إبرام حريرها ونقضه، وليستجلب رجالها وصنّاعها، وليجنّب أحوالها ضياعها، وليستجد أصنافها وأنواعها، وليتفقّد أكنافها وبقاعها، حتّى يظهر في أعمالها آثار الصلاح، وتشكر مباشرته التي هي محمودة الانتهاء مسعودة الافتتاح؛ والله يقرن رجاءه بالإرباح، ويؤذن له حيث سلك بإصابة الصواب والفلاح، بمنه وكرمه!.

قلت: ودار الطّراز هذه هي التي تعمل فيها المستعملات السلطانية: مما يحمل إلى خزانة الخاصّ الشريف من الأقمشة المختلفة الصّفات: من الحرير والمقترح المخوّص بالذهب، والتّفاصيل المنقوشة بضروب النقوش المختلفة، وغير ذلك من رقيق الكتّان وغيره مما لا يوجد مثله في قطر من أقطار الأرض؛ ومنه تتّخذ الأقمشة التي يلبسها السلطان وأهل دوره، ومنه تعمل الخلع والتشاريف التي يلبسها أكابر الأمراء وأعيان الدولة وسائر أهل المملكة، ومنه تبعث الهدايا والتّحف إلى ملوك الأقطار. وقد كان يكتب لناظر هذه الدار توقيع عن الأبواب السلطانية خارج عن توقيع ناظر الإسكندرية على ما تقدّم ذكره. أما الآن فقد صار ذلك تحت نظر ناظر الإسكندرية يتحدّث فيه كما يتحدّث في سائر أمورها، ومرجع الكلّ إلى ناظر الخاصّ بالأبواب السلطانية.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.