من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الوظيفة الثانية- شدّ المهمّات
. وصاحبها يتحدّث فيما يطلب للأبواب السلطانية من المستعملات وغيرها. وقد ذكر في «التثقيف» أنّ عادته أن يكون
مقدّم ألف وهذه نسخة توقيع بشدّ المهمات بدمشق، وهي:
الحمد لله الّذي شدّ عرى المصالح من الأولياء بكل ذي أيد، وكلّ من هو في المهمات أبطش بعمرو من زيد، ومن له تدبير كم أغنى باقتناصه لشوارد الأمور عن حبالة صيد.
[وبعد] فإن أحق من استخلص لاستخلاص الأموال، واختير لصونها من الاختزال وحفظها من الاختلال، وأهّل قلمه وكلمه: هذا للتمثيل وهذا للامتثال، وفوّض إليه التّصرّف في الترغيب والترهيب، والاجتهاد في التّمييز والتّحرير والتّوفير إذ كلّ مجتهد مصيب- من اشتهر بأنه ذو حزم لا يني، وعزم عن المصالح لا ينثني، واحتفال بالأحوال الّتي منها نكر لمن يجني وشكر لمن يجتني، وله نباهة يدرك بها كلّ إيهام وكلّ إبهام، ويطلع [بها] على فلتات ألسنة الأقلام، ويفهم بها مقاصد كلّ من هو من الجنّة في كلّ واد يهيم، ولا يخفى عليه جرائر الجرائد ولا مخازي المخازيم؛ وفيه رحمة كم أصبح بها وهو الأتقى، ولم يأت قساوة يكون بها هو المنبتّ الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى؛ وكم ساس الأمور ودبّرها فأحسن فيها السياسة وأجمل التدبير، واستخرج [الشّيء الكثير] بالتخويف اليسير، حتّى جمع حسن تدبير واسترعا، وصنع حسنا وأحسن صنعا.
ولما كان فلان هو لهذا الأمر الجليل المسترعى، واسمه في أوّل مدارج التّنويه والتّنويل خير مستدعى، وفيه من جميل الأوصاف ما يرضي حسن الاقتراح وقد خبر أمور الكتبه، وقد علم من أحوالهم ما هو أحرى لهم بالتّجربة، وعرف خفايا المعاملات معرفة تامّة، وأحاط بجزئيات الجهات وكلّيّاتها إحاطة خاصّة وعامّة- اقتضى حسن الرّأي المنيف، أن رسم بالأمر الشريف- لا برح يشدّ عضد كلّ مهتمّ من الأولياء بأخي كل عزم، ويجعل له سلطانا لا يكل مصلحة إلى حزم ذي حزم- أن يفو- ض إليه شدّ- المهمات بالشام المحروس.
فليضبط الأمور ضبطا مستوعبا، ولينتصب لذلك انتصابا مترتّبا، وليحترز منفّذا ومصرّفا، ومسرعا ومستوقفا، ومتى ظهر حقّ يتمسك به تمسّك الغريم، ولا يحاب فيه ذا بأس قويّ ولا ذا منهج إلى المنع والدّفع غير قويم؛ وما من جهة إلا ولها شروط صوب الصّواب، ولا يعتمد على غير الحقّ منكّبا عن ترويج الكتاب، ولتكن الحمول مسيّرة، والمتخرّجات متوفّرة، وجهات الخاصّ مقرّرة، إذ الضّمّان لا ينتظر لهم نظرة إلى ميسرة، فإنهم سوس المعاملات، وكواسر الجهات، ومنهم يحفظ أو يضاع، وبهم يترقّى أو ينحطّ الارتفاع، وجهات المقطعين الواجب له أن يجعل عليها واقية باقية، ولتحم لهم حتّى لا يتطاول إلى ذروتها امتداد الأيدي المختزلة ولا خطا العدوان الرّاقية، وليصرف وجهه بحفظه إلى مراقبة من في باب الشّدّ من مقدّمين ومن رسل يأكلون أموال الناس بالباطل، ويبيعون الآجل بالعاجل، ويخيفون العامّ والخاص، وكل منهم يروم الغناء وهو رقّاص.
هذه زبدة من الوصايا مقنعة، وعزمات غنيّة عن تكثير في القول أو توسعة؛ والله تعالى يكون له ويعينه، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع