من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطبقة الثانية (من يكتب له تقليد شريف في قطع النصف ب «المجلس العالي» وهو الوزير من أرباب السيوف، وهو بالمملكة الشامية على حدّ الوزير بالديار المصرية)
وهذه نسخة مرسوم من ذلك:
الحمد لله مسدّد سهام الاختيار، ومسيّر الأولياء إلى منازل العلياء مسير الأهلّة إلى منازل الإبدار، الذي جدّد نعما، وعدّد كرما، وعلم مواقع الاضطرار، إلى مواقع الأوزار، فأرسل إليها من تستهلّ آراؤه ديما.
نحمده حمدا كثيرا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتّخذ صاحبا ولا وزيرا، ونصلّي على سيدنا محمد الّذي عمّر الله به البلاد تعميرا، وأحسن بالعدل تقريرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين ظاهره بالسيوف والأقلام كاتبا وأميرا، صلاة لا ينقطع تواليها، ولا تزال الآفاق تتناقلها وتستهديها.
وبعد، فإنّ أولى من عظم شانه، وكرم مكانه، وثبت إمكانه، وأنبت في منابت الرماح قلمه الّذي هو ترجمانه، وبسطت في تشييد الممالك يده وأطلق لسانه- من كان علامة العلم، وغدا بالنشاط في كبره فتيّ السّنّ كهل الحلم، الذي فاق جلالة ونسبا، واستعلى همّة وأدبا، وعرف بالديانة الّتي طار صيتها في الآفاق شرقا ومغربا، والهمّة الّتي سواء عليها أحملت قلما أم انتضت قضبا.
ولما كنت أيّها المجلس الفلاني- أدام الله تأييدك، وتسديدك وتمهيدك، وكبت حسودك، وضاعف صعودك- أنت المعنيّ بهذه المآثر، المنضّدة عليك هذه الجواهر، الدالة على مناقبك هذه المفاخر، الذي وجدناك على الانتقاد تزيد استخلاصا، وتعدو على السّبك خلاصا، فلذلك خرج الأمر الشريف أن توزّر، وتحمى موارد آرائك لتستغزر، ويكون لك الحكم في المملكة الشامية عموما، وتتصرّف في معاملاتها مجهولا ومعلوما، على أكمل قواعد الوزراء وأتمها، وأجملها وأعمّها، متصرّفا في الكثير والقليل، والحقير والجليل، تعزل وتولّي من شيت، وتكفي وتستكفي من ارتضيت. ونحن نوصيك بالرّفق الّذي هو أخلق، والعدل الّذي تستدرّ به سحب الأموال وتستغدق، والحقّ فإن كل القضايا به تتعلّق، ويمن السياسة فإن الرياسة بها تكمل وتعدق؛ وإيّاك والغرض الذي هو يهوي بصاحبه، ويرديه في عواقبه؛ واتّق الله الّذي لا تتم الصالحات إلا بتقواه، واحذر أن تكون مع من ضلّ سبيله واتبع هواه؛ والله تعالى ينجح رجاءك ويوضّح منهجك، ويعلي درجك، ويلقّنك إذا خاصمت واختصمت حججك، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع