تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

الثاني- أمير آل فضل

وهذه نسخة مرسوم شريف بالتّقدمة على عربي آل فضل وآل عليّ، كتب به للأمير فخر الدين «عثمان بن [مانع] بن هبة وهو:

الحمد لله الّذي خصّ من والى هذه الدّولة بالتّقدمة والفخر، ورمى من عاداها بالمذلّة والقهر، ومدّ في عمر أيّامها حتّى يستنفد الدّهر، وحتّى توصف أيّامها- وإن قصرت- بالمسارّ: كلّ شهر يمرّ منها كالعام واليوم كالشّهر.

نحمده على ما منحنا من تأييد وظفر، وطوى دعوة من عاندنا بعد النّشر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة إن دخلت شواهدها تحت الإحصاء فلا تدخل فوائدها تحت الحصر، وأنّ محمدا عبده ورسوله الّذي جعل الله به الهداية في المبدإ والشّفاعة في المعاد يوم الحشر، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تسعد بعد الشّقاء وتجبر بعد الكسر.

وبعد، فإنّ الله ﷾ لما مكّن لنا في الأرض، وجعل بيدنا البسط والقبض، وأرانا كيف نصنع الجميل ونجمّل الصّنع، وكيف نجبر قلب من جعل في أيامنا جبره بعد الصّدع، وكيف تصبح أنجم ذوي الأقدار في سماء مملكتنا نيّرة المطالع، وكيف نلقّي الخير في عراصها من رامه إذا كان على

الخير في غير أيّامنا مانع، وكيف نحل التقدمة فيمن إذا عقل في حللها قيل: هذا هو أحقّ بها ممّن كان، وهذا الّذي ما برحت التقدمة في بيته في صدر الزّمان، وهذا الذي إذا ذكر آل فضل وآل عليّ كانت له مرتبة الشّرف ولا غرو أن تكون مرتبة الشّرف لعثمان، وأنّنا لا نمطي صهوة العزّ إلّا لأهلها، ولا ننسخ الآية لمن تقدّم في التّقدمة إلا بخير منها أو مثلها، ولا نسلّم رايتها، إلا لمن تعقد عليه الخناصر، ولا يتسنّم ذروتها، إلا من هو أحقّ بها وأهلها في الأوّل والآخر.

ولما كان المجلس السّاميّ، الأميريّ، فخر الدين، عثمان بن مانع بن هبة: هو المراد بهذا القول الحسن، والممدوح بحشد هذا المدح الّذي يسرّ السّرّ والعلن، والحقيق من الإحسان بكلّما والخير بأن، والخصيص من سوالف الخدم بما والمفضّل على سائر النّظراء ولو قيس بمن- اقتضى حسن الرّأي الشّريف، أن رسم بالأمر الشريف- لا زال ذو القدر في أيّامه يرتفع، وذو الفضل في دولته لا يعزّ عليه مطلب ولا يمتنع، وذو الأصالة الّتي يجتمع له فيها من النّعماء ما لا يلتئم له في غيرها ولا يجتمع- أن تفوّض إليه التقدمة على العربان بالشّام المحروس، وهم من يأتي ذكره، على ما استقرّ عليه الحال في ترتيبهم، وأنّ منازله الدّاروم: بعدا وقربا، حضرا وبدوا، عامرا وغامرا، رائحا وغاديا، من الرّستن إلى الملّوحة والعرب: آل فضل وآل عليّ حيث ساروا نزلوا منزلة المذكور، أو بمنزلة الأمير شمس الدين محمد بن أبي بكر، والخدمة واحدة، والكلمة على اتّفاق المصالح متعاضدة.

فليكن للقوى جسد روحها لا بل روح جسدها، ومجموع القبائل أوحد عددها إذا صح الأوّل من عددها، وقطب فلكها الّذي على تدبيره مدارها، وعلى

تقريره اقتصارها، وعلى تقدمته تعويلها، وإلى نسبة إمارته جملتها وتفصيلها؛ وليجمعهم على الطّاعة فإن الطّاعة ملاك الأمر للآمر، وأسّ الخير للبادي والحاضر، وليعلم أن لكلّ منهم نقابة تعرف، وعلميّة أصالة بها يعرّف، ومنزلة يرثها الولد عن الوالد، ومشيخة ترجع من ذلك البيت إلى ذلك الواحد، فليحفظ لهم الأنساب، وليرع لهم الأسباب، وإذا أمروا بأمر من مهامّ الدّولة يتلو عليهم:

ادْخُلُوا الْبابَ

. والألزام له ولهم مخاوض تحفظ، ومفاوز تلحظ، ومطارح لا تلفظ، ومشات ومصايف، ونفائض ومصارف، ومرابع، ومراتع، ودنوّ واقتراب، وتوطّن واغتراب، وإغارة ونهيض، وبرق ووميض.

فليرتّب ذلك أجمل ترتيب، وليسلك فيه خير مذهب وتهذيب، وليدع العادي، ويلاحظ الرّائح والغادي، وليؤمّن ذلك الجانب فأمننا تطرب أبياته المحدوّ والحادي؛ وعليهم عداد مقرّر، وقانون محرّر؛ وليكن على يد شادّه شادّا؛ ولسبب تأييدهم مادّا، ويعلم أنّه وإن كان قد أغمض من جفونه فيما مضى، وأعرض عنه في الزّمن الأوّل الّذي انقضى، وقدّم عليه من كان دونه، فقد ردّ الله له أبكار الأمر وعونه؛ فلا يجعل لقائل عليه طريقا، ولا يدخل في أمر يقال عنه فيه: كان غيره به حقيقا، بل يفوق من تقدّم في الخدمة والهمّة، والصّرامة والعزمة؛ والله يوزعه شكر هذه النّعمة؛ والخط الشريف.........

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.