من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
الطبقة الأولى (الطّبلخاناه)
ومراسيمهم تكتب في قطع الثلث ب «السّاميّ» بالياء، مفتتحة ب «الحمد لله».
وهذه نسخة مرسوم شريف من ذلك بنيابة قلعة، تصلح لنائب اللّاذقيّة، ينسج على منوالها، وهي:
الحمد لله الّذي جعل الحصون الإسلاميّة في أيّامنا الزّاهرة، مصفّحة بالصّفاح، والثّغور المصونة في دولتنا القاهرة، مشرّفة بأسنّة الرّماح، والمعاقل
المحروسة مخصوصة من أوليائنا بمن يعدّ بأسه لها أوقى الجنن وذبّه عنها أقوى السّلاح.
نحمده على نعمه الّتي عوارفها عميمة، وطوارفها كالتّالدة للمزيد مستديمة، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة تنطق الضمائر قبل الألسنة بإخلاصها، وتشرق القلوب بعموم إحاطتها بها واختصاصها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الّذي أشرقت بنور ملّته الظّلم، وارتوت بفور شريعته الأمم، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين امتطوا إلى جهاد أعداء الله وأعدائه غارب الهمم، صلاة سارية كالرّياح هامية كالدّيم، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى ما عقد عليه في صيانة الحصون الخناصر، واعتمد على مثله في كفاية المعاقل إذا لم يكن غير تأييد الله وحدّ السّيف ناصر- من هو في حفظ ما يليه كالصّدور الّتي تصون الأسرار، والكمائم التي تحوط الثّمار، مع اليقظة الّتي تذود الطّيف أن يلمّ بحماة حماه، والفطنة الّتي تصدّ الفكر أن يتخيّل فيه ما اشتمل عليه وحواه، والأمانة الّتي ينوي فيها طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وطاعتنا الشريفة ولكلّ امريء ما نواه.
ولما كان فلان هو السيف الّذي تروق تجربته ويروع تجريده، وإذا ورد في الوغى منهل حرب فمشرعه من كلّ كميّ وريده- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نرهف حدّه بحفظ أسنى الحصون عندنا مكانا ومكانة، وأسمى المعاقل رفعة وعزة وصيانة.
فرسم بالأمر الشّريف أن تفوّض إليه النيابة بقلعة كذا.
فليباشر هذه النّيابة السّامي قدرها، الكامل في أفق الرّتب بدرها، مباشرة تصدّ الأفكار، عن توهّمها، والأبصار، عن توسّمها، والخواطر، عن تخيّل مغناها، والسّرائر، عن تمثّل صورتها ومعناها.
وليكن لمصالحها متلمّحا، ولنجوى رجالها متصفّحا، ولأعذار حماتها مزيحا، وللخواطر من أسباب كفايتها مريحا، ولمواطنها عامرا، وبما قلّ وجلّ
من مصالحها آمرا، ولوظائفها مقيما، وللنّظر في الكبير والصغير من أمورها مديما، ولخدمتها مضاعفا، ولكلّ ما يتعين الاحتفال به من مهمّاتها واقفا، وملاك الوصايا تقوى الله: وهي أوّل ما يقدّمه بين يديه، وأولى ما ينبغي أن يصرف نظره إليه؛ فليجعل ذلك خلق نفسه، ومزيّة يومه على أمسه، والخير يكون، والخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع