من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)
المقصد الثالث (في افتتاحات التواقيع والمراسيم بتلك الولايات
تقدّم في الكلام على الولايات الصادرة عن الأبواب السلطانية أنّه يراعى فيها براعة الاستهلال في الافتتاح وأنّ الافتتاح فيها ب «الحمد لله» أعلى من الافتتاح ب «أما بعد»، والافتتاح ب «أمّا بعد» أعلى من الافتتاح ب «- رسم بالأمر الشريف»، وأنّ لفظ «أما بعد» أعلى من لفظ «وبعد»، وأنه يراعى في الولايات وصف المتولّي والولاية، ويؤتى لكلّ أحد من ذلك بما يناسبه من صفات المدح، ثم يقال: «ولما كان فلان هو المشار إليه بالصفات المتقدّمة، اقتضى حسن الرّأي أن يستقرّ في كذا ونحو ذلك». ثم يؤتى من الوصايا بما يناسب مقام الولاية والمتولّي لها، ثم يؤتى بالاختتام: من المشيئة والتّاريخ،
والحمدلة، والتّصيلة، والحسبلة.
والأمر فيما يكتب عن النوّاب جار على هذا المنهج إلّا في أمور قليلة:
منها: أنّ جميع ما يكتب عن النوّاب بالشّأم يقال فيه «توقيع» ولا يقال فيه «تقليد» ولا «تفويض» وربما قيل «مرسوم» في أمور خاصّة.
ومنها: أن التوقيع يوصف ب «الكريم» لا ب «الشّريف» فيقال: «توقيع كريم أن يستقرّ فلان في كذا» أو «مرسوم كريم لفلان بكذا» بخلاف ما يكتب عن الأبواب السلطانية، فإنّه يوصف بكونه «شريفا» فيقال: «تقليد شريف» و «تفويض شريف» و «مرسوم شريف» و «توقيع شريف» على ما تقدّم ذكره.
ومنها: أنّ الكاتب يأتي بنون الجمع [جاريا في ذلك على من تصدر عنه الولاية، كما أنّ الولايات عن الأبواب السلطانية [يجري فيها على] العادة في الكتابة عن الملوك، وكأنّهم راعوا في ذلك أنّ المكتوب عنه هو السلطان في الحقيقة، وفعل النائب كأنّه فعله نفسه، كما يقال: هزم الأمير الجيش، وفتح السلطان المدينة، والّذي هزم وفتح إنّما هو جنده لا هو في نفس الأمر.
ومنها: أنّه إذا افتتح التوقيع ب «- رسم بالأمر» - لا يوصف ب «الشّريف» بل ب «العاليّ» على ما تقدّم. فيقال: «رسم بالأمر العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلاني الفلانيّ». وكذلك إذا أتي بذكر «رسم» بعد الافتتاح ب «الحمد لله وأما بعد» فإنّه يقال فيه: «العالي» دون «الشريف».
قلت: هذا ما كان الأمر عليه في الزّمن المتقدّم كما أشار إليه المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف». ثم استقرّ الحال على وصف الأمر
ب «الشريف» فيقال: «رسم بالأمر الشريف العالي» إلى آخره، كما يكتب عن السلطان.
ومنها: أنّه يقال في آخر التوقيع: «والاعتماد على الخط الكريم أعلاه» ولا يقال: «على الخط الشريف»، كما في السلطان.
ومنها: أنّه لا يذكر في تواقيع النوّاب مستند كتابتها، كما يكتب فيما يكتب عن السلطان.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع