تجاوز إلى المحتوى

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» لأبي العباس القلقشندي (ت ٨٢١هـ)

النيابة الثالثة (مما يكتب من التواقيع بالولايات عن نوّاب السلطنة بها- نيابة طرابلس) (٢)

مضمار البيان الّذي سلّمت إليه أعنّته، وألقيت إليه أزمّته، محلّيا بقلائد المواعظ وفرائد الأمثال أعواد المنبر الّذي لو أمكنه لسعى إليه، مشنّفا الأسماع بجواهر الأوامر وزواهر الزّواجر الّتي يصدع بها عليه.

وليسر كسيرة والده في الطّريقة المثلى وسلوك المنهج الأسدّ، وليجتهد في إحياء رسومه في العبادة واقتفاء آثاره في العلم والزّهادة حتّى يقول الناس:

هذا الشّبل من ذاك الأسد، جاريا على أفضل العوائد في ديانته، ساريا بأجمل القواعد من صيانته، وليوصّل إليه معلومه الشاهد به الدّيوان المعمور المستقرّ إلى آخر وقت، على عادة من تقدّمه وقاعدته: لاستقبال مباشرته أحيان الوجوب وأزمان الاستحقاق، رزقا دارّا، سارّا، هنيّا، مرضيّا، من غير تنغيص، ولا تنقيص؛ والاعتماد على العلامة الكريمة أعلاه، وثبوته إن شاء الله تعالى.

وهذه نسخة توقيع بخطابة، كتب به للشيخ «صدر الدين الخابوري»، ب «المجلس الساميّ» بالياء؛ وهي:

رسم......- لا زالت أيّامه الشّريفة تضع الأشياء في محلّها، وتفوّض المناصب المنيفة إلى أهلها، وتشرّف صدور المحافل بصدر العلماء في حزنها وسهلها- أن تفوّض إلى فلان الخطابة بالجامع الناصريّ المعروف «بجامع التوبة» بطرابلس المحروسة وجوبا وتعيّنا، اقتضى في تقدّم الفاضل على المفضول تيقّنا وتبيّنا، لأنّه الحبر الّذي لا يجارى في فضائله، والبحر الّذي يجود فيجيد بفواضله، والصّدر الّذي ملئت بفوائده وفرائده بزمانه محافل صدوره وصدور محافله؛ كم نطقت ألسن الأقلام بأفواه المحابر بفضله في الأقاليم والآفاق، وكم من عبارة بفصاحة وبلاغة حققت أنّه بها فات الفصحاء والبلغاء وفاق؛ لقد أصبح شمل هذا الجامع بهذا الفاضل الّذي طال ارتقابه له جامعا، وأمسى وقد ظفرت يمناه من اليمن به والبركة بما لم يكن بشيء منه في مثل هذه

الأيّام طامعا، فلذلك بادر منبره المنيف وحلّ له حقوته مسارعا؛ ووطّأ- لامتطائه إيّاه- صهوته، وغفر للدّهر بهذه الحسنة الجميلة فيما سلف منه هفوته، وعلم أنّه الخطيب الذي استقرّ يطالع المنابر من خطبته بما يفجّر من العيون منابع المدامع، ويشوّق إلى الآخرة من ألفاظ يشنّف بها المسامع، وأنّ قسّا لا يقاس به في خطبه وعظاته، وأنّ سحبان يودّ من خجله أن يسحب ذيله على مآثره المأثورة عنه ليعفّي آثار فلتات كلماته ولفتات لفظاته.

فليباشر هذه الوظيفة المباركة بالله تعالى مذكّرا، ولما أمر عباده ونهاهم عنه على أسماعهم مكرّرا، ويعلم أنّه في المحراب مناج لربه، واقف بين يدي من يحول بين المرء وقلبه؛ فليعتصم بالله ﷿ في قوله وفعله، ويتيقّن أنّ الكلمة إذا خرجت من قلب لا تقع إلا في مثله.

وفي إحاطة علمه المشهور، وفضله المشهود المشكور، ما يغني عن وصيّة بها يتذكّر، وتذكرة في صحيفة فكره ترقم وتسطّر؛ وليوصّل إليه معلومه على هذه الوظيفة الشاهد به الديوان المعمور، وليوفّر خاطره من التّبذّل في تحصيل معلومه الجاري له وطلبه، وليعامل بما يليق من الإجلال والإعظام بوظيفته الشّريفة والمحلّ العالي الرّفيع من منصبه؛ والعلامة الكريمة أعلاه، حجّة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى.

وهذه نسخ تواقيع لأرباب الوظائف الديوانية بطرابلس:

نسخة توقيع بشهادة الجيوش بطرابلس، كتب به للقاضي بدر الدين «محمد بن الفرفور»، ووالده يومئذ ناظر الجيوش بها، ب «المجلس العالي»؛ وهي:

أما بعد حمد الله الّذي زيّن سماء المعالي ببدرها، وأنبت في رياض السّعادة يانع زهرها، ورفع المناصب السّنيّة إلى شرف محلّها ومحلّ شرفها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة في قولها وفعلها، وأنّ محمدا عبده ورسوله أرسله بالملّة الحنيفيّة قائما بفرضها ونفلها، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر مبلّغا لرسالات ربّه كلّها، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة لا ينحصر عددها، ولا ينقضي أمدها، وسلّم تسليما كثيرا- فإنّ أولى من خطبته المناصب من هو أحقّ بها وأهلها [وله] فيها نسبة لا ينكر فضلها، ومباشرات في الممالك الإسلامية مشهورات بالكفاية والعفّة في برّها وبحرها.

ولمّا كان فلان- حرس الله جنابه وأسبغ ظلّ والده- هو المعنيّ بهذه الإشارة، وشمس هذه الهالة وبدر هذه الدّارة.

فلذلك رسم......- زاده الله تعالى عظمة وشرفا، ومنحة في الجنان قصورا وغرفا- أن يستقرّ......: إقرارا لعين والده، وجمعا له بين طريف السّعد وتالده، لأنّه النّبعة الّتي نشأت في رياش السّيادة، والزّهرة الّتي برزت في كمام السّعادة؛ فلا يزال فرعه- إن شاء الله- بسعادة هذه الدّولة الشريفة ينمي إلى أن يتأصّل، وزهرته تزهى إلى أن تبلغ الإثمار وتتوصّل.

فليباشر هذه الوظيفة المباركة مباشرة تظهر فيها كفايته عند الانتقاد، وتحمد فيها عقبى الاختيار والاختبار والرّشاد، وليسلك في أمانته سنن أبيه- أسبغ الله ظلّه- التي أحكمها في كلّ ما أبدى وأعاد، ويتّبع طرقه الهادية إلى سبيل السعادة والإرشاد، ويبد ما اكتسبه من والده عن سلفه من هذه الصّناعة وهو أحقّ بهذا السّند، ولا يخرج عن رأي أبيه- أيّده الله- حتّى يقول الناس: هذا الشّبل من ذاك الأسد، وليشمّر في تحصيل الفضائل الّتي تبلغ بها الآمال، وتصلح الأحوال، وليتلقّ هذه المباشرة بعزمه الشديد، بنفسه لا بالتّقليد، فإنّه شاهد ومسؤول بقوله يوفّق في الاستحقاق وفي النّقود والكيول؛ وتقوى الله هي السّبب الأقوى، فليتمسّك بحبلها يقوى؛ والوصايا كثيرة في ذلك ووالده بها

أعلم؛ والله تعالى يسلّكه سبيل الهدى فإنّه أنجح الطّرق وأسلم؛ والله تعالى يتولّى عونه، ويديم صونه؛ والاعتماد......

توقيع بكتابة الدّرج بطرابلس، كتب به ب «المجلس الساميّ» بالياء؛ وهو:

رسم بالأمر الشّريف- لا زالت مراسمه العالية تطلع في أفلاك المعالي بدرا منيرا هاديا إلى الفضائل مأمونا من السّرار، ومكارمه الوافية ترفع من أعلام المعاني صدرا كبيرا رشيدا في البيان أمينا على الأسرار، ومراحمه الكافية تقرّعيون الأعيان والأخيار- أن يرتّب فلان- ضاعف الله تعالى أنوار فضائله التي يأتمّ بها المستضيء والمهتدي، ويعشو إلى قراها المستعين والمقتدي- في كتابة الدّرج السعيد بطرابلس المحروسة بما قرّر له من المعلوم الوارد في الاستئمار الشّريف على ما يتعيّن بقلم الاستيفاء جهته، ويبّين تفصيله وجملته، نظرا إلى استحقاقه الظّاهر، وفضله الباهر؛ وبلاغته الّتي أفصحت عن بيان البليغ القادر، وفصاحته الّتي بلغت الكمال بعون الملك القادر، وإطرابه، في إطنابه، وإعجازه، في إيجازه؛ فله في الدلائل قدرة «المنصور» وفي الفضائل قوّة «الناصر»؛ طالما أزهر بقلمه «المهديّ» للصواب، «السّفّاح» كالسّحاب، روض العلوم والآداب، وأظهر ببيانه «المنتصر» في الخطاب، «المقتدر» على الاقتضاب، طرق الفنون، واضحة العيون، محكمة الأسباب، وسبل الحكم مفتّحة الأبواب؛ فهو بالسنا والسناء بدر «المسترشد»، وبالجدا والجداء «معزّ» «المستنجد»، وبفرط الحيا والحياء سحاب المستمطر و «المستظهر»، وبغرب الذّكا والذّكاء برق «المستبصر» و «المستنصر».

فليباشر هذه الوظيفة المباركة «معتصما» بحبل التّقوى، «مستعصما» من

المراقبة بالسّبب الأقوم الأقوى، مجدّدا رسوم هذه الصناعة الّتي ربعها قد درس ومحلّها قد أقوى، فإن «المتّقي لله» «الرّاضي» به هو «الراشد» «الفائز» بالسّعادة، و «المتوكّل» عليه «المطيع» له هو «الواثق» ببلوغ القصد الحائز للارادة؛ وليطرّز حلل البيان بوشي بنانه الّذي أصبح ديباج الطّرس به «معتزّا»، وليقوّم معاني البديع بعامل قلمه الخطّيّ الّذي أمسى الفضل به كالسّمهريّ قائما مهتزا، «مستكفيا» بما يصرّعه ويرصّعه نظما ونثرا من البدائع، «مستعليا» لما يرفّعه ويفرّعه من غرر الفقر، ودرر الفكر، بخاطره الوقّاد النّقّاد المنقاد الطائع، «مقتفيا» فيما ينشئه آثار ما يصدر عن «الحاكم» و «الآمر»، «مكتفيا» فيما يبديه بمقدار ما تبرز به المراسيم والأوامر، «حافظا» للسّرّ «العزيز» كاتبا كاتما فلا يعضده فيه «عاضد» ولا يظفر به «ظافر»، «معتمدا» على الكتمان في جميع ما يورده ويصدره، مقتصدا بالتّوفيق في سائر ما يخفيه ويظهره.

والوصايا فمن آدابه تستفاد، والنّصائح فلها منه المبدأ وإليه المعاد؛ فليتسنّم ذروة أعلاها، وليتنسّم نفحة ريّاها.......

توقيع بشهادة دار الضّرب بطرابلس؛ وهو:

رسم بالأمر- لا زال رأيه الشريف يقرّب من الأمور صوابا، ولا برح أفق سماء مملكته الشريفة يطلع بفلكه بدرا منيرا وشهابا- أن يرتّب فلان......: لأنه العدل الّذي اشتهرت عدالته، والأمين الّذي بهرت فظهرت أمانته، والرّئيس الّذي ما برح صدر المحافل، والفاضل الّذي فاق بفضله على الأقران والأماثل، وشهدت بنزاهته المشهورة الأواخر والأوائل.

فليباشر هذه الوظيفة مباشرة مطابقة لعدالته المشهورة، معربّة عن أصالته المخبورة، موضّحة عن ديانته الّتي غدت في العالمين معروفة غير منكورة، ليصبح هذا المنصب مشرقا بنوره، سنيّ الأرجاء بساطع ضياء شهابه ونور بدوره؛ وهو- أعزّه الله- غنيّ عن وصيّة منه تستفاد، أو تنبيه على أمر منه يبدأ

وإليه يعاد؛ وليتناول معلومه الشاهد به الديوان المعمور هنيّا ميسّرا، ولا يقف أمله عنده: فإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا.

توقيع بنظر اللّاذقيّة، كتب به للقاضي «برهان الدين» الأذرعيّ؛ وهو:

رسم بالأمر- أنفذه الله في الآفاق، وطوّق بمنّه وفواضل برّه الأعناق- أن يستقرّ المجلس السامي- حرس الله مهجته، وأهلك حسدته- في نظر اللاذقية المحروسة، على عادة من تقدّمه وقاعدته، بالمعلوم الشاهد به الديوان المعمور إلى آخر وقت: علما بأمانته المشهورة، وكتابته الّتي هي بين أهل الصّناعة مشكورة، وخبرته الّتي هي في المباشرات معروفة غير منكورة، وكفايته المألوفة الموفورة؛ فإنّه باشر الحسبة الشّريفة ونهى وأمر، واتّبع في أحكامه ما أمر به «أمير المؤمنين عمر»، وضبط أموال بيت المال بحسن نظره وميّز وثمّر.

فليباشر هذه الوظيفة المباركة مباشرة على أجمل العادات، ويسترفع مالها من الحسبانات، ويوصّل إلى أرباب الاستحقاق ما لهم من الحقوقات، على ما يشهد به الديوان المعمور في سائر الأوقات؛ فإنّ هذه الوظيفة من أجلّ المباشرات؛ وليتناول معلومه الشاهد به الديوان المعمور هنيّا ميسّرا على جاري العادة لمن تقدّمه في الفروع وسائر الجهات، وليعتمد على تقوى الله تعالى في سائر الحركات والسّكنات؛ والله تعالى يتولّاه، والاعتماد على الخط الكريم أعلاه.

توقيع أيضا في المعنى:

لا زالت صدقاته الشريفة تقيم لاتباع الحقّ برهانا، وتسدي إلى كلّ أحد خيرا وإحسانا- أن يرتّب فلان ناظرا باللّاذقيّة المحروسة وما هو مضاف إليها،

على عادة من تقدّمه وقاعدته ومعلومه الشاهد به الديوان المعمور: لأنّه طالما باشر نظر بيت المال فوفّر الأموال، وأصلح ما فسد من الأحوال، وسدّد بحسن تدبيره الأقوال والأفعال، وأظهر من الأمانة ما تميّز به في مباشراته، وفاق به على قرنائه وأهل زمانه وأوقاته، ثم باشر الحسبة فسلك فيها مسلك السّرّ والجهر وصدق الخبر، وسلك مسلك أمير المؤمنين عمر.

فليباشر هذا النّظر بقلب منشرح، وأمل منفسح، وليظهر فيه ما جرّب به من الأمانة، وتجنّب الخيانة، وليجتهد في تحصيل أموال الدّيوان المعمور، ويبسط قلمه في إصلاح الأمور، وليوصّل إلى أرباب المرتّبات ما هو لهم مستحق، فإنّهم به أولى وأحق، وليوصّل إليه معلومه أوان وجوبه واستحقاقه.......

توقيع بمشارفة حصن الأكراد، كتب به للقاضي «بدر الدين» ب «المجلس العالي؛ وهو:

رسم بالأمر الشّريف- لا زالت مراسمه العالية تولي الأنام برّا، وتجدّد بإسباغ الإنعام بشرا، وتضوّع في كلّ ناد من أندية الثّناء والدعاء نشرا، وتطلع في كلّ أفق من آفاق السّيادة من صدور الأعيان وأعيان الصّدور بدرا- أن يرتّب فلان في مشارفة حصن الأكراد المحروس: لما هو عليه من العفّة والصّلف، والنّزاهة الّتي عرف بها واتّصف، والرّآسة الّتي انتقلت إلى الخلف عن السّلف، والعدالة الّتي لا يتكلّف لسلوك نهجها: ومن العجب خلوّ البدر عن الكف!، كم حفظت بمباشرته الأموال، وصلحت بملاحظته الأحوال، وعقدت الخناصر على سيرته وحسن سيره، واشتهر بجميل تدبير أوجب تقديمه على غيره.

فليباشر هذه الوظيفة الّتي هي من أجلّ الوظائف، وليشكر ما أولي من المعروف وأسدي إليه من العوارف، وليبذل جهده في صلاح الأحوال، وتثمير الأموال، وتقرير القواعد على السّداد، وإجراء العوائد على وفق المراد، فإنّه ممّن دلّت خبرته على جميل آثاره، ولاحت الغبطة في اختياره الّذي أغنى عن تقديم اختباره؛ كيف لا؟ وهو ممّن نشأ في خدور فنون الكتابة، واشتهر في مواطن النّضال مع وفور الانتقال بحسن الإصابة؛ فهو إن شاء الإنشاء بلغ منه المرام، وإن بسط الجرائد للتّصرّف قيل: هذا الكاتب النّظّام؛ كم له من يد بيضاء في التّبييض والتّسويد، وهمّة علياء بلغ بها من السّيادة ما كان يريد.

فليقدّم خيرة الله تعالى في هذا الأمر ويجعلها إمامه، وليتمسّك بها مقتديا بمن قدمها أمامه، وليكن عند حسن الظّنّ به ليبلغ من سعادة الدّارين مرامه.

والوصايا الّتي يعمّ نفعها، ويتعيّن على تناسب الأعمال جمعها، به تسلك سبلها، وعنه تؤخذ تفاصيلها وجملها؛ فليسلك منها الأقوم الأرشد، وليتمسّك بالأقود الأحمد، بحزم وافر، وعزم غير قاصر؛ وليتناول معلومه الشاهد به الديوان المعمور أحيان الوجوب والاستحقاق رزقا دارّا، هنيّا ميسّرا سارّا، من غير تقتير ولا تكدير، ولا تنغيص ولا تأخير.

توقيع بمشيخة المقام الأدهميّ، كتب به باسم الشيخ «عبد الله السطوحيّ» ب «المجلس العالي»؛ وهو:

أما بعد حمد الله الّذي سقى محلنا بإيابه، وأنبت عشبنا بسحابه، وأقرأنا كتاب وجهه وأغنانا عن وجه كتابه، وجعل لكلّ مقام مقالا من صدق

أوليائه، ومنحهم بما اختار لهم من سرائر مواهبه وعطائه، وجمع قلوب الفقراء على العبادة والدعاء بواسطة من أحبابه وأخصّاء نجبائه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد نجم السّرى، وليث الشرّى، وسيّد من وطيء الثّرى، وعلى آله وصحبه الذين منهم من لو أقسم لأبرّ قسمه ربّ السما، وسلّم تسليما كثيرا- فلمّا كان الاعتناء بالأمور الدّينيّة من الواجبات، والمحافظة عليها [مما] تبادر إليه من النّفوس الرّغبات؛ وبيوت الله تعالى فهي قوام الدّين المتين، ولا ينهض بعمارتها إلا الذين اتّقوا وآمنوا بربّ العالمين، فطوبى لهم ونعم أجر العاملين.

ومن البيوت العامرة، والسّراة الطاهرة، والمقامات الّتي إذا حلّ بساحتها أكمه العين بصرته نجوما زاهرة- مقام من ذكر كرامته أشأم في أقطار الأرض وأيمن وأنجد وأتهم، السّيّد الجليل وليّ الله «إبراهيم بن أدهم»، سيّد الأولياء، وسلطان الأتقياء، رحمة الله عليه ما سار على الطّريق سائر، وما امتطى ظهر قلوص مسافر، مقام بالزّهد موصوف، وبالبركات معروف، وله الإطلاقات المشهورة، والمناهل المأثورة، في وردها المبرورة، قد استولت عليه يد التّبذير، وعاد بعد طول سماطه في تقصير، واختلف فيه النيّات فكان في كيس الفقير، فكشف الله هذه النّقمة، وأدام سوابغ النّعمة، وأسبل على هذا المقام ظلال الحرمة، وأرسل الله على عباده المتّقين باعثا من عنده، وأيقظهم لعلمه بأن كلّا واقف عند أمره وحدّه، وأنطق لسان من لا رادّ لأمره، فكشف غمّة هذا المقام وعزل من يخاف عليه من سوء تدبيره وشرّه.

فلذلك رسم- أن تفوّض مشيخة المقام الجليل الأدهميّ بثغر جبلة المحروس- على ساكنه الرحمة والرضوان- إلى فلان- نفع الله ببركاته، وأعاد

على المسلمين من صالح دعواته- عوضا عمن كان بها بحكم انفصاله حسب ما وردت المراسيم الشريفة- شرفها الله تعالى وعظمها- عند اتّصال العلوم الشريفة- زادها الله تعظيما- بأمر المقام المشار إليه واعتماد المتصرفين فيه: إذ وضعت الآن الأشياء في محلّها، وأسندت الأمور إلى أهلها، وقلّدت هذه المثوبة إلى من يظهر سرائر فضلها، ولحظت الآراء حجر هذا المقام والأثر، ولا شكّ أنّ السّعادة تلحظ الحجر؛ كم له من آيات مشهورة، وكرامات بلسان الحمد مذكورة، ومساع في الخيرات مبرورة، وقد عمّ الزوايا بأجناس المكارم، وبسط للزّائرين من إكرامه سماطا يقول الزّائر: هذا ولا حاتم:

نزور ديارا زارها جود كفّهومن دونها للزّائرين مراحل،
ونرجع عنها والجفون قريرة:كما راجعت مأوى الحقوف المساحل!

فليتلقّ- أعاد الله من بركته- هذه الولاية، وليجعل للمقام المشار إليه من خاطره الكريم أوفر عناية، ويستخلف عنه إذا توجّه إلى [مشيخة كذا] بحصن الأكراد فإنّها مستمرّة بيده وولايتها باقية عليه، وأمرها في إبدائه وإعادته عليه؛ والله تعالى يتولّاه، فيما ولّاه؛ والاعتماد.......

قلت: وقد أتيت على جملة من تواقيع أرباب الوظائف: بدمشق وحلب وطرابلس وأعمال كلّ منها، يستغني بها الماهر عمّا سواها، ويقيس عليها ما عداها؛ إذ لا سبيل إلى استيفاء جميعها، والإتيان على جملتها.

وفيما ذكر من هذه الممالك الثلاث تنبيه على ما يكتب بحماة وصفد اللّتين هما في رتبة طرابلس، وتلويح إلى ما عداها، مما هو دونها كغزّة إذا كانت نيابة، والكرك الّتي هي دون ذلك.

والله تعالى هو الهادي إلى التوفيق، والمرشد للسّداد، بمنّه وكرمه.

تم الجزء الثاني عشر. يتلوه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث عشر وأوّله المقالة السادسة (فيما يكتب في المسامحات، والإطلاقات السلطانية، والطّرخانيات وتحويل السنين والتذاكر؛ وفيها أربعة أبواب) والحمد لله رب العالمين، وصلاته على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وآله وصحبه والتابعين، وسلامه وحسبنا الله ونعم الوكيل.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «صبح الأعشى في صناعة الإنشا»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.