من «البلدان» لليعقوبي (ت بعد ٢٩٢هـ)
القيروان
ولهم قبائل كثيرة وبطون شتى.
ومن أطرابلس على الجادة العظمى إلى مدينة يقال لها: قابس - عظيمة على البحر المالح عامرة كثيرة الأشجار والثمار والعيون الجارية، وأهلها أخلاط من العرب والعجم والبربر، وبها عامل من قبل ابن الأغلب صاحب أفريقية- خمس مراحل عامرة يسكنها قوم من البربر من زناتة ولواتة والأفارقة الأول فأولها وبلة أول مرحلة من أطرابلس ثم صبرة وهي منزل بها أصنام حجارة قديمة ثم قصر بني حبان ثم بام وقب ثم الفاصلات ثم قابس.
القيروان
ومن قابس إلى مدينة القيروان أربع مراحل أولها عين الزيتونة غير آهلة، ثم
للس قصر فيه عمارة، ثم غدير الأعرابي، ثم قلشانة وهي موضع المعرس لمن خرج من القيروان وقدم إليها، ثم مدينة القيروان العظمى التي اختطها عقبة بن نافع الفهري سنة ستين في خلافة معاوية، وكان عقبة الذي افتتح أكثر المغرب على أن أول من دخل أرض أفريقية وافتتحها عبد الله بن سعد بن أبي سرح في خلافة عثمان بن عفان سنة ست وثلاثين.
والقيروان مدينة كان عليها سور من لبن وطين فهدمه زيادة الله بن إبراهيم ابن الأغلب لما ثار عليه عمران بن مجالد وعبد السّلام بن المفرج ومنصور الطنبذي فإنهم ثاروا عليه بالقيروان وهم من الجند القدم الذين كانوا قدموا مع ابن الأشعث.
وشربهم من المطر إذا كان الشتاء ووقعت الأمطار والسيول دخل ماء المطر من الأودية إلى برك عظام يقال لها المؤاجل، فمنها شرب السقاة ولهم واد يسمى وادي السراويل في قبلة المدينة يأتي فيه ماء مالح لأنه في سباخ الناس يستعملونه فيما يحتاجون إليه.
ومنازل بني الأغلب على ميلين من مدينة القيروان في قصور قد بني عليها عدة حيطان لم تزل منازلهم حتى تحول عنها إبراهيم بن أحمد فنزل بموضع يقال له:
الرقادة على ثمانية أميال من مدينة القيروان وبنى هناك قصرا.
وفي مدينة القيروان أخلاط من قريش ومن سائر بطون العرب من مضر وربيعة وقحطان وبها أصناف من العجم من أهل خراسان ومن كان وردها مع عمال بني هاشم من الجند وبها عجم من عجم البلد البربر والروم وأشباه ذلك.
ومن القيروان إلى سوسة وهي على ساحل البحر المالح مرحلة وبها دار صناعة تعمل فيها المراكب وأهل سوسة أخلاط من الناس ومن القيروان إلى الموضع الذي يقال له الجزيرة مرحلة وهي جزيرة أبي شريك موغلة في البحر يحيط بها ماء البحر كثيرة التجارة وفيها قوم من رهط عمر بن الخطاب وسائر بطون العرب والعجم، ولها عدة مدن ليست بالعظام يتفرق فيها الناس وعاملها ينزل مدينة يقال لها البواسة بالقرب من إقليبية التي يركب منها إلى سقلية.
ومن القيروان إلى مدينة سفوطرة مرحلتان خفيفتان وهي مدينة كبيرة فيها قوم من قريش ومن قضاعة وغيرهم.
ومن القيروان إلى مدينة تونس وهي على ساحل البحر وبها دار صناعة وهي مدينة عظيمة منها كان حماد البربري مولى هارون الرشيد وهو صاحب اليمن.
وكان على تونس سور من لبن وطين وكان سورها مما يلي البحر بالحجارة فخالف أهلها على زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب وكان منهم منصور الطنبذي وحصين التجيبي والقريع البلوي فحاربهم فلما ظهر عليهم هدم سور المدينة بعد أن قتل فيهم
خلقا عظيما. ومن ساحل تونس يعبر إلى جزيرة الأندلس، وقد ذكرنا جزيرة الأندلس وأحوالها عند ذكرنا تاهرت.
ومن القيروان إلى مدينة باجة ثلاث مراحل، ومدينة باجة مدينة كبيرة عليها سور حجارة قديم وبها قوم من جند بني هاشم القدم وقوم من العجم، ويلي مدينة باجة قوم من البربر يقال هم وزداجة ممتنعين لا يؤدون إلى ابن الأغلب طاعة.
ومن القيروان إلى مدينة الأربس مرحلتان وهي مدينة كبيرة عامرة بها أخلاط من الناس.
ومن القيروان إلى مدينة يقال لها مجانه أربع مراحل، وبهذه المدينة معادن الفضة والكحل والحديد والمرتك والرصاص بين جبال وشعاب وأهلها قوم يقال لهم السناجرة يقال إن أولهم من سنجار من ديار ربيعة وهم جند للسلطان وبها أصناف من العجم من البربر وغيرهم.
ومن القيروان مما يلي القبلة إلى بلاد قمودة وهو بلد واسع فيه مدن وحصون، والمدينة التي ينزلها العامل في هذا الوقت مذكورة، والمدينة القدية العظمى التي هي يقال لها سبيطلة وهي التي افتتحت في أيام عثمان بن عفان وحصرها عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير وأمير الجيش عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة سبع وثلاثون.
ومن قمودة إلى مدينة قفصة وهي مدينة حصينة عليها سور حجارة وفيها عيون ماء داخل المدينة وهي مفروشة بالبلاط وحولها عمارة كثيرة وثمار موصوفة.
ومن قفصة إلى مدائن قسطيلية وهي أربع مدائن في أرض واسعة لها النخل
والزيتون فالمدينة العظمى يقال لها توزر وبها ينزل العمال، والثانية يقال لها الحامة، والثالثة تقيوس، والرابعة نفطة، وحول هذه المدن أربع سباخ، وأهل هذه المدن قوم عجم من الروم القدم والأفارقة والبربر، ومن مدائن قسطيلية إلى مدائن نفزاوة ثلاث مراحل.
ونفزاوة عدة مدن فالمدينة العظمى التي ينزلها العمال يقال لها بشرة وبها قوم من الأفارقة القدم ومن البربر يحيط بالمدائن التي تلي القبلة الرمال.
ومما يلي القبلة من القيروان بلد يقال له الساحل- ليس بساحل بحر- كثير السواد من الزيتون والشجر والكروم وهي قرى متصلة بعضها في بعض كثيرة، ولهذا البلد مدينتان يقال لإحداهما سه وللأخرى قبيشة.
ومن بلد الساحل إلى مدينة يقال لها أسفاقس يكون من سه وقبيشة على مرحلتين وهي على ساحل البحر يضرب البحر المالح سورها وهي آخر بلد الساحل.
ومن أسفاقس إلى موضع يقال له بنزرت مسيرة ثمانية أيام وفي جميع المراحل حصون متقاربة ينزلها العباد والمرابطون.
ومن القيروان إلى بلاد الزاب عشر مراحل، ومدينة الزاب العظمى طبنة وهي التي ينزلها الولاة وبها أخلاط من قريش والعرب والجند والعجم والأفارقة والروم والبربر.
والزاب بلد واسع فمنه مدينة قديمة يقال لها: باغاية بها قبائل من الجند وعجم من أهل خراسان وعجم من عجم البلد من بقايا الروم حولها قوم من البربر من هوارة بجبل جليل يقال له: أوراس يقع عليه الثلج.
ومدينة يقال لها: تيجس من عمل باغاية حولها قوم بربر عجم يقال لها: نفزة، ومدينة عظيمة جليلة يقال لها: ميلة عامرة محصنة لم يلها وال قط ولها حصن دون حصن فيه رجل من بني سليم يقال له: موسى بن العباس بن عبد الصمد من قبل ابن الأغلب، وسواحل البحر تقرب من هذه المدينة ولها مرسى يقال له: جيجل، ومرسى يقال له قلعة خطاب، ومرسى يقال له إسكيدة، ومرسى يقال له ملر، ومرسى يقال له مرسى دنهاجة، وهذا البلد كله عامر كثير الأشجار والثمار وهم في جبال وعيون.
ومدينة يقال لها: سطيف بها قوم من بني أسد بن خزيمة عمال من قبل ابن الأغلب، ومدينة يقال لها بلزمه، أهلها قوم من بني تميم وموالي لبني تميم وقد خالفوا على ابن الأغلب في هذا الوقت.
ومدينة يقال لها نقاوس كثيرة العمارة والثمر بها قوم من الجند وحواليها البربر من مكنانة بطن من زناتة وحولهم قوم يقال لهم أورية، وطبنة مدينة الزاب العظمى وهي في وسط الزاب وبها ينزل الولاة.
ومدينة يقال لها مقرة لها حصون كثيرة والمدينة العظمى مقرة أهلها قوم من بني ضبة وبها قوم من العجم وحولها قوم من البربر يقال لهم بنو زنداج وقوم يقال لهم كزبرة وقوم يقال لهم سارسة، ومنها إلى حصون تسمى برحلس وطلمة وحبرور بها قوم من بني تميم من بني سعد يقال لهم بنو الصمصامة خالفوا على ابن الأغلب وظفر ابن الأغلب ببعضهم فحبسهم.
ومدينة أحه وهي على الجبل وخالف أهلها على ابن الأغلب وكان من خالفه قوم من هوارة يقال لهم بنو سعمان وبنو ورجيل وغيرهم.
ومدينة أربة وهي آخر مدن الزاب مما يلي المغرب في آخر عمل بني الأغلب ولم يجاوزها المسودة، وإذا خرج الخارج من عمل الزاب مغربا صار إلى قوم يقال لهم بنو برزال وهم فخذ من بني دمر من زناتة وهم شراة كلهم. وقد ذكرنا فتح أفريقية وأخبارها في كتاب أفردناه.
ومن هذا الموضع البلد الذي تغلب عليه الحسن بن سليمان بن سليمان بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇ وأول المدن التي في يده مدينة يقال لها هاز سكانها قوم من البربر القدم يقال لهم بنو برنيان من زناتة أيضا ثم مدن بعض سكانها صنهاجة وزواوة يعرفون بالبرانس وهم أصحاب عمارة وزرع وضرع، وإلى هاز ينسب البلد وبينها وبين عمل أدنة مسيرة ثلاثة أيام.
ثم إلى قوم يقال لهم بنو دمر من زناتة في بلد واسع وهم شراة كلهم عليهم رئيس منهم يقال له مضادف بن جرتيل في بلد زرع ومواش بينه وبين هاز مرحلة، ومنها إلى حصن يقال له حصن ابن كرام وليس أهله بشراة، ولكنهم جماعية بلدهم بلد زرع ثم يصير إلى بلد يقال له متيجة تغلب فيه رجال من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ يقال لهم بنو محمد بن جعفر، وهو بلد واسع فيه عدة مدن وحصون وهو بلد زرع وعمارة، بين هذا البلد وبين حصن مصادف بن جرتيل مسيرة ثلاثة أيام مما يلي
البحر. ثم مدينة مدكرة فيها ولد محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب ﵇.
ومدينة الخضراء ويتصل بهذه مدن كثيرة وحصون وقرى ومزارع، يتغلب على هذا البلد ولد محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵇ كل رجل منهم مقيم متحصن في مدينة وناحية وعددهم كثير حتى أن البلد يعرف بهم وينسب إليهم، وآخر المدن التي في أيديهم المدينة التي تقرب من ساحل البحر يقال لهم سوق إبراهيم وهي المدينة المشهورة فيها رجل يقال له عيسى بن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن.
ثم من هذه إلى تاهرت، والمدينة العظمى مدينة تاهرت جليلة المقدار عظيمة الأمر تسمى «عراق المغرب» لها أخلاط من الناس تغلب عليها قوم من الفرس يقال لهم بنو محمد بن أفلج بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم الفارسي.
وكان عبد الرحمن بن رستم يتولى أفريقية وصار ولده إلى تاهرت فصاروا إباضية ورأس الإباضية، فهم رؤساء إباضية المغرب، ويتصل بمدينة تاهرت بلد عظيم ينسب إلى تاهرت في طاعة محمد بن أفلج ابن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، والحصن الذي على ساحل البحر الأحمر ترسى به مراكب تاهرت يقال له مرسى فروخ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع