من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
صفة الهرمين (٢)
قال: بيت المقدس. وقال مقاتل بن سليمان في قول الله تعالى وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: هي بيت المقدس. وقوله:
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
قال: إلى بيت المقدس. وقوله: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
قال: بيت المقدس. وشدّد الله ﷿ ملك داود بها، وسخّر الله له الجبال والطير يسبّحن ببيت المقدس، ووهب الله ﷿ له سليمان بها، وغفر لسليمان ذنبه، وفهّمه الحكمة في بيت المقدس، وكانت أنبياء بني إسرائيل تقرّب بها، واصطفى الله ﷿ مريم بها على نساء العالمين، وآتى الله ﷿ يحيى الحكمة بها، وسرّة الأرض بيت المقدس. وفي الخبر: من صلّى في بيت المقدس فكأنّما صلّى في السماء، وتزفّ الكعبة بجميع حجّاجها يوم القيامة إلى بيت المقدس، ويقول لها: مرحبا بالزائر والمزور، وتزفّ مساجد الله ﷿ كلّها إلى البيت المقدس، وأوّل ما انحسر عنه الطوفان صخرة بيت المقدس، وينفخ في الصور يوم القيامة بها، ويحشر الله ﷿ الخلائق إليها، وتزفّ الجنّة عند بيت المقدس، وباب السماء مفتوح على بيت المقدس، ويغفر الله ﷿ لمن أتى إلى بيت المقدس، ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه.
قال الله ﷿ لموسى: انطلق إلى بيت المقدس فإنّ بها نوري، وناري. وتكفّل الله ﷿ لمن أتاها أن لا يفوته الرزق.
وقال رسول الله ﷺ لنا: ستهاجرون هجرة إلى مهاجر إبراهيم- يعني بيت المقدس- فمن صلّى في بيت المقدس ركعتين خرج من ذنوبه مثل يوم ولدته أمّه، وكان له بكلّ شعرة في جسده مائة نور عند الله ﷿، وحشره الله ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء. وقال لسليمان بن
داود حين فرغ من بنائها. سلني أعطك قال: يا ربّ أسألك أن تغفر لي ذنبي. قال الله ﷿: لك ذلك. قال: يا ربّ وأسألك من جاء إلى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه أن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. قال جلّ وعزّ: ولك ذلك. قال:
وأسألك من جاءه فقيرا أن تغنيه، أو سقيما أن تشفيه. قال: ذلك لك. قال:
وأسألك أن تكون عينك عليها إلى يوم القيامة. قال: ولك ذلك.
وقال رسول الله ﷺ: «لا تشدّ الرحال إلى أفضل من ثلاثة مساجد مسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس، وصلاة في بيت المقدس خير من ألف صلاة في سواه، ومن صبر على لأوائها وشدّتها جاءه الله برزقه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره ومن فوقه ومن تحته فأكل رغدا ثم دخل الجنّة، وهي أوّل أرض بارك الله جلّ وعزّ فيها، وبشّر الله ﷿ إبراهيم وسارة بإسحاق بها، وبشّر الله جلّ وعزّ زكريّاء بيحيى بها، وتسوّر الملائكة المحراب على داود بها، ويمنع الدجّال عدوّ الله أن يدخلها، ويهلك يأجوج ومأجوج حول بيت المقدس، وأوصى آدم أن يدفن بها، إسحاق ويعقوب، وحمل يعقوب من أرض مصر إليها، ودفنت مريم بها، وبها موضع الصراط ووادي جهنّم والسّكينة، وإليها المحشر والمنشر، وتاب الله جلّ وعزّ على داود بها، وصدّق إبراهيم الرؤيا بها، وكلّم عيسى الناس في المهد بها، وتقاد الجنّة والنار إليها يوم القيامة.
وقال كعب: من زار بيت المقدس دخل الجنّة وزاره جميع الأنبياء وغبطوه ومن صام يوما ببيت المقدس كان له براءة من النار، وما من ماء عذب إلّا يخرج من تحت الصخرة التي بيت المقدس. وقال ابن عبّاس في قوله وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً
قال: أربعة أنهار: سيحان وجيحان والفرات والنيل الذي بمصر، فأما سيحان فدجلة، وأما جيحان فنهر بلخ، وأما الفرات فبالكوفة قال.
وقال كعب: كان لسليمان بن داود النبي ﷺ سبع مائة سرّيّة وثلاث مائة محصنة، وأن الله ﷿ أوحى إليه أن يبني بيت المقدس فكان يعمله بالجنّ
والأنس، فكان طعامهم الذي يطعمهم كلّ يوم من اللحم ستّين ألف شاة وعشرين ألف عجل وعشرين ألف فدّان، والذي يصلح لذلك من الحنطة.
وقال كعب: هبط آدم بالهند فخرّ ساجدا، فوقعت جبهته على صخرة بيت المقدس.
وقال كعب: لا تسمّوها إيلياء ولكنها بيت المقدس، إنما إيلياء امرأة بنت بيت المقدس.
وقال كعب: من أتى بيت المقدس يسأل الله ﷿ فيها حاجة لا يسأله غيرها إلّا أعطاه الله إيّاها
وقالت ميمونة مولاة رسول الله ﷺ قلت لرسول الله ﷺ أفتنا عن بيت المقدس. قال: نعم المصلّى، هو أرض المحشر وأرض المنشر ايتوه فصلّوا فيه، فإنّ الصلاة فيه كألف صلاة. قلت: بأبي وأمي أنت من لم يطق أن يأتيه؟ قال: فليهد إليه زيتا يسرج فيه. فإنه من أهدى إليه كان كمن صلّى فيه.
وقال كعب: دخلت امرأة الجنّة في مغزل شعر أهدته إلى بيت المقدس.
وعن ابن عبّاس قال: بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته الأنبياء، ما فيه موضع شبر إلّا وقد صلّى فيه نبيّ وقام عليه ملك.
وقال فضيل بن عياض: لمّا صرفت القبلة نحو الكعبة قالت صخرة بيت المقدس: إلهي لم أزل قبلة لعبادك حتى بعثت خير خلقك فصرفت قبلتهم عني، فقال: أبشري فإني واضع عليك عرشي، وحاشر إليك خلقي، وقاض عليك أمري وناشر منك خلقي.
وقال وهب: أهل بيت المقدس جيران الله ﷿، وحقّ على الله ألا يعذّب جيرانه.
وقال كعب: من زار بيت المقدس شوقا إليها دخل الجنّة، ومن صلّى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، وأعطي قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا، ومن تصدّق فيها بدرهم كان فداءه من النار، ومن صام فيها يوما واحدا كتبت له براءة من النار.
وقال كعب: قرأت في التورية أن الله جلّ وعزّ يقول للصخرة: أنت عرشي الأدنى، منك ارتفعت إلى السماء، ومن تحتك بسطت الأرض، ومن أحبّك أحبّني ومن أبغضك أبغضني ومن مات فيك فكأنّما مات في السماء. أنا جاعل لمن يسكنك أن لا يفوته الخبز والزيت أيّام حياته وكلّ ماء عذب من تحتك يخرج، لا تذهب الأيّام حتى يزفّ إليك البيت الحرام. وكلّ بيت يذكر فيه اسمي، يحفّون بك كما يحفّ الركب بالعروس.
وقال بعضهم: ردّ الله جلّ وعزّ على سليمان ملكه بعسقلان، فمشى إلى بيت المقدس على قدميه تواضعا لله وشكرا، ويقول الله ﷿ لبيت المقدس: أنت نصب عيني لا أنساك، أنت مني بمنزلة الولد من والديه، فيك جنّتي وناري، وإليك محشري، وفيك موضع ميزاني.
وقال يحيى بن كثير: لا تقوم الساعة حتى يضرب على بيت المقدس سبع حيطان: حائط من ذهب، وحائط من فضّة، وحائط من لؤلؤ، وحائط من ياقوت، وحائط من زبرجد، وحائط من نور.
وبيت المقدس افتتحه عمر بن الخطّاب ﵁.
وعن وهب بن منبّه قال: أمر إسحاق ابنه يعقوب ألّا ينكح امرأة من الكنعانيّين، وأن ينكح من بنات خاله لابان، وكان مسكنه الفدان، فتوجّه إليه يعقوب فأدركه في بعض الطريق تعب، فبات متوسّدا حجرا، فرأى فيما يرى النائم كأنّ سلّما منصوبا إلى باب السماء عند رأسه، والملائكة تنزل منه وتعرج فيه، وأوحى الله ﷿ إليه أنّي أنا الله لا إله إلّا أنا إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وقد ورّثتك هذه الأرض المقدّسة وذرّيّتك من بعدك، وباركت فيك وفيهم، وجعلت فيكم الكتاب والحكم والنبوّة، ثم أنا معك حتى أردّك إلى هذا المكان، فأجعله بيتا تعبدني فيه وذرّيّتك، فيقال: إن ذلك بيت المقدس، ومات عنه داود ﵇ فلم يتمّ بناءه، وأتمّه سليمان، فأخرجه
بخت نصّر، فمرّ عليه شعيا فرآه خرابا فقال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
وابتناه ملك من ملوك فارس يقال له كوشك.
وقال وهب بن منبّه: لمّا أراد الله جلّ وعزّ أن يبني بيت المقدس ألقى على لسان داود فقال: يا ربّ ما هذا البيت؟ فأوحى الله ﷿ إليه: يا داود هذا محلّة رسلي. وأهل مناجاتي، وأقرب الأرض إلى فصل القضاء يوم القيامة، ضمنت ألّا يأتيه عبد كثرت ذنوبه وخطاياه إلّا غفرت له، ولا يستغفرني إلا غفرت له وتبت عليه، قال: يا ربّ وارزقني أن آتية. فأوحى الله ﷿ إليه: يا داود لا يخالط من التبست كفّاه بالدنيا. قال: يا ربّ أما قبلت توبتي وأعطيتني رضائي، فأوحى الله ﷿ إليه: أن البيت طاهر طهّرته من الذنوب، وغسلته من الخطايا، فلذلك منعتك بناءه حتى يجرى بناؤه على يدي نبيّ من أنبيائي تقي الكفّين، وقد كان داود أسّس أساس المسجد حتى ارتفعت الجدر، فأوحى الله جلّ وعزّ إليه يأمره أن يمسك عن البناء، ويعلمه أن الذي يتولّى بناءه من بعده ابنه سليمان وأنه قد جعل له اسم ذلك البناء وبشّره بما يعطي سليمان بعده من عظيم الملك، فلمّا أوحى الله جلّ وعزّ إلى داود بذلك أمسك عن البناء، فلمّا توفّي داود وملك سليمان أمر ببناء البيت، وأمر أن يجري في كل سنة من البر عشرون ألف كرّ، ومن الزيت عشرون ألف كرّ زيتون، وكان له سبعون ألف رجل أصحاب مساح ومرور، وثمانون ألف رجل ممن ينحت الحجارة، فبناه بالحجارة، وبطّنه بألواح من خشب مزخرف، وبطّن البيت الذي كان يقرّب فيه بصفائح من ذهب، ووضع في البيت الذي كان يقرّب فيه مثال ملكين من خشب منقوشين، وألبسهما صفائح الذهب، وجعلها عن يمين المذبح وعن يساره في الحائط، واتّخذ له أبوابا منقوشة بالذهب، واستتمّ عمله في ثلاث عشرة سنة، ثم وجّه إلى الصين فأتي برجل يعمل الشبه والنحاس، فاتّخذ أمتعة للبيت لا تحصى عددا، واتّخذ عمودين من نحاس، طول كلّ واحد ثمانية عشر ذراعا في غلظ اثني عشر ذراعا، واتخذ على رأسهما إجّانتين كل واحدة في طول خمسة أذرع، واتّخذ لهما أغطية وسلاسل، وعلّق فيهما أربع مائة رمّانة شبه صفّين، يقابل بعضها بعضا، واتّخذ حوضا من نحاس، يحمله اثنا عشر ثورا
مستديرا مع تماثيل وعجائب، وفصّص سقوفه وحيطانه بألوان الياقوت وسائر الجواهر، فلمّا فرغ من بنائه اتّخذ سليمان ذلك اليوم عيدا في كلّ سنة، وجمع عظماء بني إسرائيل وأحبارهم فأعلمهم أنه بناه لله جلّ وعزّ، وأن كلّ شيء فيه خالص لله، ثم قام على الصخرة رافعا يديه إلى الله جلّ وعزّ وحمده ومجّده وقال:
اللهمّ أنت قوّيتني على بناء هذا المسجد، وأعنتني عليه، وسخّرت لي الجنّ والشياطين والريح والطير، اللهمّ أوزعني شكر نعمتك عليّ وعبادتك وأعنّي، وتوفّني على ملّتك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي ذلك، اللهمّ إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال فاستجبها لي يا إله العالمين، لا يطلبه مذنب بطلب التوبة إلّا غفرت له ذنبه وتبت عليه، ولا يدخله خائف إلّا أمّنت روعته وخوفه ووقّيته شرّ ما يخاف ويحذر، ولا يدخله سقيم إلّا وهبت له الشفاء والعافية، ولا يدخله فقير يطلب من فضلك إلّا أغنيته ورزقته من حيث لا يحتسب من حلال رزقك، والخامسة يا ربّ لا تصرف بصرك عمن يدخله حتى يخرج منه إلّا من أراد إلحادا وظلما يا ربّ العالمين.
ويقال: إن طول مسجد بيت المقدس ألف ذراع وعرضه سبع مائة ذراع، وفيه أربعة آلاف خشبة، وسبع مائة عمود، وخمس مائة سلسلة نحاس، ويسرج فيه كلّ ليلة ألف وستّمائة قنديل، وفيه من الخدم مائة وأربعون خادما، وفي كل شهر له مائة قسط زيت، وله من الحصر في كلّ سنة ثمان مائة ألف ذراع، وفيه خمسة وعشرون ألف حبّ للماء، وفيه ستّة عشر تابوتاً للمصاحف المسبّلة، وفيها مصاحف لا يستقلّها الرجل، وفيه أربعة منابر للمطوّعة وواحد للمرتزقة، وله أربع مياضئ، وعلى سطوح المسجد مكان الطين خمس وأربعون ألف صحيفة رصاص، وعلى يمين المحراب بلاطة سوداء مكتوب فيها خلقة محمّد ﷺ، وفي ظهر القبلة في حجر أبيض كتابة بسم الله الرحمن الرحيم محمّد رسول
الله نصره حمزة وداخل المسجد ثلاث مقاصير للنساء طول كل مقصورة سبعون ذراعا، وفيه خمسون بابا داخلا وخارجا، ووسط المسجد دكّان طوله ثلاثمائة ذراع في خمسين ومائة ذراع وارتفاعه تسعة أذرع، وله ستّ درجات إلى الصخرة، والصخرة وسط هذا الدكّان وهي مائة ذراع في مائة ذراع ارتفاعها سبعون ذراعا ودورها ثلاثمائة وستّون ذراعا، يسرج فيها كلّ ليلة ثلاثمائة قنديل، وبها أربعة أبواب مطبّقة، على كل باب أربعة أبواب، وعلى كل باب دكّانة مرخّمة، وحجر الصخرة ثلاثة وثلاثون ذراعا في سبعة وعشرين ذراعا، تحتها مغارة يصلّي فيها الناس يسعها تسعة وستّون نفسا، وفرش القبّة رخام أبيض، وسقوفها بالذهب الأحمر، في دور حيطانها وفي أعلاها ستّة وخمسون بابا مزجّجة بأنواع الزجاج، والباب ستّة أذرع في ستّة أشبار، والقبّة بناها عبد الملك بن مروان على اثني عشر ركنا وثلاثين عمودا، وهي قبّة على قبّة، عليها صفائح الرصاص وصفائح النحاس مذهّبة، جدرها من داخل وخارج ملبّس بالرخام الأبيض ومن شرقيّ قبّة الصخرة قبّة السلسلة على عشرين عمودا رخاما، ملبّسة بصفائح الرصاص، وأمامها مصلّى الخضر ﵇ وهو وسط المسجد، وفي الشامي قبّة النبي ﷺ ومقام جبريل ﵇، وعند الصخرة قبّة المعراج، وفيه من الأبواب: باب داود، وباب حطّة، وباب النبيّ، وباب التوبة- وفيه محراب مريم- وباب الوادي، وباب الرحمة، ومحراب زكريّاء، وأبواب الأسباط، ومغارة إبراهيم، ومحراب يعقوب، وباب دار أمّ خالد، ومن خارج المسجد على باب المدينة في الغرب محراب داود، ومربط البراق في ركن منارة القبلة، وعين سلوان في قبلة المسجد، وطور زيتا مشرف على المسجد، وفيما بينهما وادي جهنّم، ومنه رفع عيسى (عليه
السلام)، وعليه ينصب الصراط، وفيه مصلّى عمر بن الخطّاب، وفيه قبور الأنبياء، وبيت لحم على فرسخ من المدينة، وهو موضع ولد فيه عيسى، ومسجد إبراهيم على خمسة عشر ميلا، وفيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف وسارة ونعل النبيّ ﷺ عند الإمام.
وكانت سلسلة قضاء الخصوم من اتّخاذ سليمان، وكان ممّا اتّخذ أيضا ببيت المقدس من الأعاجيب أن نصب في زاوية من زوايا المسجد عصا ابنوس، فكان من مسّها من أولاد الأنبياء لم يضرّه مسّها ومن مسّها من غيرهم احترقت يده، فلم يزل كذلك على ما بناه سليمان حتى غزا بخت نصّر، فخرّب بيت المقدس، ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه من الذهب والفضّة والجواهر، فحمله معه إلى دار مملكته بالعراق، وبقي بيت المقدس خرابا حتى مرّ به شعيا النبيّ ورآه خرابا، وهو الذي قال الله ﷿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها
وابتناه بعد ذلك ملك من ملوك فارس يقال له كوشك.
وبين بيت المقدس والرّملة ثمانية عشر ميلا، وهي من كورة فلسطين، وكانت دار ملك داود وسليمان ورحبعم بن سليمان وولد سليمان، ولمّا ملك الوليد بن عبد الملك ولّى سليمان بن عبد الملك جند فلسطين، فنزل لدّا ثم أحدث مدينة الرملة ومصرها، وكان أوّل ما بنى فيها قصره، والدار التي تعرف بدار الصبّاغين، وجعل في الدار صهريجا متوسّطا لها، ثم اختطّ المسجد وبناه، وأذن للناس في البناء فبنوا، واحتفر لأهل الرملة قناتهم التي تدعى برده، واحتفر أيضا آبارا عذبة، وولّى النفقة على بنائه بالرملة ومسجد الجامع كاتبا له نصرانيّا من أهل لدّ يقال له البطريق بن بكا، ولم تكن مدينة الرملة قبل سليمان، وكان موضعها رملة وصارت دار الصبّاغين لورثه صالح بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، لأنها قبضت عن بني أميّة، وكانت بنو أميّة تنفق على آبار الرملة وقناتها بعد سليمان بن
عبد الملك، فلمّا استخلف أبو العبّاس أنفق عليها، ثم كان ينفق خليفة بعد خليفة، فلمّا استخلف المعتصم بالله سجلّ بتلك النفقة سجلا فانقطع الاستئمار وصارت جارية يحتسب بها العمّال فتحسب لهم.
ومن كور فلسطين أيضا عمواس، وكورة لدّ، وكورة يبنا، وكورة يافا، وكورة قيساريّة، وكورة نابلس، وكورة سبسطية، وكورة بيت جبرين، وكورة غزّة، وعسقلان، وسمّيت فلسطين بفيلسين بن كسلوخيم بن صدقيا ابن كنعان بن حام بن نوح النبي ﵇ وقال ابن الكلبيّ في قول الله ﷿ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ
قال: هي فلسطين وفي قوله الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ
قال: فلسطين.
وفلسطين بلاد واسعة كثيرة الخير، ويقال: إنها من بناء اليونانيّين، والزيتون التي بها من غرسهم.
وقال النبيّ ﷺ: «أبشركم بالعروسين غزّة وعسقلان».
وقال عمر بن الخطاب: لولا أن تعطّل الثغور وتضيق عسقلان بأهلها لأخبرتكم بما فيها من الفضل.
وقال عبد الله بن سلام: لكلّ شيء سراة وسراة الشام عسقلان.
وافتتحها معاوية في خلافة عمر بن الخطّاب.
وعن ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني أريد العراق، فقال ﷺ: عليك بالشام، فإن الله جلّ وعزّ قد تكفّل لي بالشام وأهله، ثم الزم من الشام عسقلان، فإنه إذا دارت الرحا في أمّتي كان أهل عسقلان في راحة وعافية.
وقال أبو أمامة الباهليّ: قال رسول الله ﷺ: من رابط بعسقلان يوما وليلة ثم مات بعد ذلك بستّين سنة مات شهيدا، ولو مات في أرض الشرك.
وخراج فلسطين خمس مائة ألف دينار.
[وكان منزل نوح ﵇ في جبل الجليل بالقرب من حمص في قرية تدعى سحر، ويقال إن بها فار التنور. وجبل الجليل بالقرب من دمشق أيضا. يقال إن عيسى ﵇ دعا لهذا الجبل أن لا يعدو سبعه ولا يجرب زرعه، وهو جبل يقبل من الحجاز فما كان بفلسطين منه فهو جبل الحمل وما كان بالأردن فهو جبل الجليل، وهو بدمشق لبنان وبحمص سنير، وقال أبو قيس بن الأسلت:
فلولا ربنا كنّا يهوداوما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارىمع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقناحنيف ديننا عن كل جيل]
القول في دمشق
قال الكلبيّ: دمشق بناها دمشق بن فالي بن مالك بن أرفخشذ بن سام بن نوح. وقال الأصمعيّ: أخذت دمشق من دمشقوها أي أسرعوها. وقال كعب في قول الله ﷿: وَالتِّينِ
قال: الجبل الذي عليه دمشق وَالزَّيْتُونَ
قال:
الذي عليه بيت المقدس وَطُورِ سِينِينَ
حيث كلّم الله موسى ﵇ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
مكّة.
وقال كعب: مربض ثور في دمشق خير من دار عظيمة بحمص. قال في قوله ﷿: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
قال: دمشق. وقال كعب: معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجّال نهر أبي فطرس، ومن يأجوج ومأجوج الطور.
وقال هارون الرشيد للحسين بن عمّار: ولّيتك دمشق وهي جنّة تحيط بها غدر تتكفّأ أمواجها على رياض كالدراريّ، فما برح بك التعدّي لإرفاقهم أن جعلتها أجرد من الصخر، وأوحش من القفر. قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدت لغير التوفيق من جهته، ولكنّي رأيت أقواما ثقل الحقّ على أعناقهم فتفرّقوا في ميادين التعدّي ورأوا المراغمة بترك العمارة أوقع بإضرار السلطان، وأرادوا بذلك المشقّة على الولاة، وإن سخط أمير المؤمنين فقد أخذ بالحظّ الأوفر من مساءتي. فقال الرشيد: هذا أجزل كلام سمع من خائف.
وقال الأصمعيّ: جنان الدنيا ثلاث: غوطة دمشق، ونهر بلخ، ونهر الأبلّة.
وحشوش الدنيا ثلاثة: الأبلّة، وسيراف، وعمان.
وقال: عروسا الدنيا: الرّيّ ودمشق.
وقال يحيى بن أكثم: ليس في الأرض بقعة أنزه من ثلاث بقاع: قهندز سمرقند، وغوطة دمشق، ونهر الأبلّة.
وقال المدائنيّ: دمشق مدينتها الغوطة، وكورها: إقليم سنير وكورة جبيل، وبيروت، وصيدا، وبثنيّة، وحوران، وجولان، وظاهر البلقاء، وجبرين الغور، وكورة مآب، وكورة جبال، وكورة الشّراة، وبصرى، وعمّان، والجابية، والقريتان، والحولة، والبقاع، والسواحل منها ستّة: صيدا، وبيروت، وأطرابلس، وعرقة، وصور، منبرها إلى دمشق وخراجها إلى الأردنّ، وخراج دمشق أربع مائة ألف ونيّف، ودمشق هي أربعة أخماس صلح وخمس عنوة وهو خمس خالد بن الوليد، وفتحت سنة، في رجب للنصف منه في خلافة عمر بن الخطّاب. وقال البحتريّ في دمشق:
أمّا دمشق فقد أبدت محاسنهاوقد وفى لك مطريها بما وعدا
إذا أردت ملأت العين من بلدمستحسن وزمان يشبه البلدا
تمسي السّحاب على أجبالها فرقاويصبح النّور في صحرائها بددا
فلست تبصر إلّا واكفا خضلاويانعا خضرا أو طائرا غردا
كأنّما القيظ ولّى بعد جيئتهأو الرّبيع دنا من بعد ما بعدا
وقال أبو تمّام:
لولا حدائقها وأنّي لا أرىعرشا هناك ظننتها بلقيسا
وأرى الزّمان غدا عليك بوجههجذلان بسّاما وكان عبوسا
قد نوّرت تلك البطون وقدستتلك الظهور بقربه تقديسا
وقالوا: عجائب الدنيا أربع: قنطرة سنجة، ومنارة الإسكندريّة، وكنيسة
الرّها، ومسجد دمشق. ولمدينة دمشق ستّة أبواب: باب الجابية، وباب الصغير، وباب كيسان، وباب الشرقيّ، وباب توما، وباب الفراديس، هذه التي كانت على عهد الروم ولمّا أراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق دعا نصارى دمشق فقال: إنّا نريد أن نزيد في مسجدنا كنيستكم هذه، ونعطيكم موضع كنيسة حيث شئتم، فحذّروه ذلك وقالوا: إنّا نجد في كتبنا أنه لا يهدمها أحد إلّا خنق، فقال الوليد: فأنا أوّل من يهدمها. فقام عليها وعليه قباء أصفر فهدمها بيده وهدم الناس معه، ثم زاد في المسجد. فلمّا هدمها كتب إليه ملك الروم أنك هدمت الكنيسة التي رأى أبوك تركها. فإن كان حقّا ما عملت فقد أخطأ أبوك، وإن كان باطلا فقد خالفت أباك، فلم يعرف الوليد جوابا فاستشار الناس وكتب إلى العراق فقال الفرزدق: أجبه يا أمير المؤمنين بقول الله جلّ وعزّ: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
- الآية إلى قوله- حُكْماً وَعِلْماً
فكتب إليه الوليد بذلك فلم يجبه.
والوليد ممّن زاد في المساجد وبناها، فبنى المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد قبا، ومسجد دمشق، وأوّل من حفر المياه في طريق مكّة إلى الشام، وأوّل من عمل البيمارستانات للمرضى، وكان في ذلك أنه خرج حاجّا فمرّ بمسجد النبيّ ﷺ فدخله فرأى بيتا ظاعنا في المسجد شارعا بابه فقال: ما بال هذا البيت؟ فقيل: هذا بيت عليّ بن أبي طالب ﵁ أقرّه رسول الله ﷺ وردم سائر أبواب أصحابه فقال: إن رجلا نلعنه على منابرنا في كلّ جمعة ثم نقرّ بابه ظاعنا في مسجد رسول الله ﷺ من بين الأبواب، اهدم يا غلام. فقال روح بن زنباع الجذاميّ: لا تفعل يا أمير المؤمنين حتى تقدم الشام، ثم تخرج أمرك بتوسيع مساجد الأمصار مثل: مكّة، والمدينة، وبيت المقدس، وتبني بدمشق مسجدا فيدخل هدم بيت عليّ بن أبي طالب فيما يوسّع من مسجد المدينة. فقبل منه وقدم الشام وأخذ في بناء مسجد دمشق، وأنفق عليه خراج المملكة سبع سنين. ليكون ذكرا له، وفرغ من المسجد في ثماني سنين، فلمّا
حمل إليه حساب نفقات مسجد دمشق على ثمانية عشر بعيرا أمر بإحراقها.
قال في كتاب (المسالك والممالك): أنفق على مسجد دمشق خراج الدنيا ثلاث مرّات، وبلغ ثمن البقل الذي أكله الصنّاع في مدّة أيّام العمل ستّة آلاف دينار، وهذا المسجد مقعد عشرين ألف رجل، وأن فيه ستّمائة سلسلة ذهب للقناديل.
قال زيد بن واقد: وكّلني الوليد على العمّال بمسجد دمشق فوجدنا فيه مغارة فعرّفنا الوليد ذاك، فنزل في الليل فإذا هي كنيسة لطيفة، ثلاثة أذرع في مثلها، وإذا فيها صندوق، وفيه سفط مكتوب عليه هذا رأس يحيى بن زكريّاء، فرأيناه فأمر به الوليد أن يجعل تحت عمود معيّن، فجعل تحت العمود المسقّط الرابع الشرقيّ ويعرف بعمود السكاسك، وقال أبو مهران رأس يحيى بن زكريّاء تحت عمود السكاسك، وقال زيد أيضا: رأيت رأس يحيى بن زكريّاء حين وضع تحت العمود والبشرة والشعرة لم تتغيّر.
قالوا: فمن عجائب مسجد دمشق أن لو بقي الرجل فيها مائة سنة لكان يرى فيها في كلّ وقت أعجوبة لم يرها قبل.
وقال كعب: ليبنينّ في دمشق مسجد يبقي بعد خراب الأرض أربعين عاما والمئذنة التي بدمشق كانت ناطمرا للروم في كنيسة يحيى، فلمّا هدم الوليد الكنائس وأدخلها المسجد تركت على حالها، وهدم الوليد عشر كنائس واتّخذها مسجدا، ولمّا ولّي عمر بن عبد العزيز الخلافة قال: إني أرى في مسجد دمشق أموالا أنفقت في غير حقّها، فأنا مستدرك ما استدركت منها، ورادّها إلى بيت المال، أنزع هذا الرخام والفسيفساء وأطيّنه، وأنزع هذه السلاسل وأصيّر بدله حبالا، فاشتدّ ذلك على أهل دمشق فخرج أشرافها إليه وكان فيهم يزيد بن سمعان وخالد بن عبد الله القسريّ، فقال خالد لهم: دعوني والكلام، قالوا: تكلّم، فلمّا
دخلوا عليه قال له خالد: بلغنا أنك هممت بمسجدنا بكذا وكذا. قال: نعم. قال:
والله ما ذلك لك. قال: فلمن ذلك لأمّك الكافرة؟ وكانت أمّه نصرانيّة. فقال: إن تك كافرة ولدت مؤمنا، فاستحيى عمرو قال: صدقت. وورد على عمر رسل الروم فدخلوا مسجد دمشق لينظروا إليها فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد، فنكّس رئيس منهم رأسه واصفرّ لونه فقالوا له في ذلك فقال: إنّا كنا معاشر أهل روميّة نتحدّث أن بقاء العرب قليل، فلمّا رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدّة سيبلغونها، فأخبر عمر بذلك فقال: أرى مسجدكم هذا غيظا على الكفّار، فترك ما همّ به من أمر المسجد.
والمسجد مبنيّ بالرخام والفسيفساء، مسقّف بالساج، منقوش باللازورد والذهب، والمحراب مرصّع بالجواهر المثمّنة، والحجارة العجيبة.
وبنى معاوية الخضراء بدمشق في زمن عثمان بن عفّان، وأمر على الشام وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، واستخلف وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وتوفي لثمان وسبعين سنة، وهو أوّل من اتّخذ المحاريب والمقاصير والشّرط والحرس والخصيان وأصفى الأموال.
وقد أنكر قوم بناء الدور والأبنية، والنفقة والتبذير عليها، وهذا طلحة بنى داره بالآجرّ والقصّة وأبوابه ساج، وبنى عثمان بن عفّان بالحجارة المنقوشة المطابقة وخشب الصنوبر والساج، وحمل له من البصرة في البحر ومن عدن في البحر، وحمل له القصّة من بطن نخل، وبني الزبير أربعة أدور: دارا بمصر، وأخرى بالإسكندريّة، وأخرى بالكوفة، وأخرى بالبصرة، وأنفق زيد بن ثابت على داره ثلاثين ألف درهم.
وقال كعب الحبر: أربع مدائن من مدائن الجنّة: حمص، ودمشق، وبيت جبرين، وضفار اليمن، وأجناد الشام أربعة: حمص، ودمشق، وفلسطين، والأردنّ.
ولقي كعب رجلا فقال: من أين أقبل الرجل؟ قال: من الشام. قال: أفمن أهله أنت؟ قال: نعم. قال: فلعلّك من الجند الذين ينظر الله إليهم كلّ يوم مرّتين.
قال: وأيّ جند هم؟ قال: جند فلسطين. قال: لا. قال: فلعلّك من الجند الذين يلقون الله في الثياب الخضر. قال: وأيّ جند هم؟ قال: جند الأردنّ. قال: لا.
قال: فلعلّك من الجند الذين يستظلّون تحت العرش يوم لا ظلّ إلا ظلّه. قال:
وأيّ جندهم؟ قال: جند دمشق. قال: لا. قال: فلعلّك من الجند الذين يبعث الله منهم سبعين ألف نبيّ. قال: وأيّ جند هم؟ قال: جند حمص. قال: لا. قال:
فمن أين أنت؟ قال: من قنّسرين. قال: ليست تلك من الشام، تلك قطعة من الجزيرة يفرّق بينهما الفرات.
وخراج حمص ثلاثمائة ألف وأربعون ألف دينار، وأقاليمها كثيرة منها: إقليما سلمية وتدمر.
قال: ولمّا هدم مروان بن محمّد حائط تدمر وصل إلى بيت مجصّص عليه قفل ففتحه فإذا امرأة مستلقية على قفاها، في بعض غدائرها صحيفة نحاس مكتوب عليه: بسمك اللهم أنا تدمر بنت حسّان، أدخل الله الذلّ على من يدخل عليّ في بيتي. قال: فو الله ما ملك مروان بعدها إلّا أيّاما حتى أقبل عبد الله بن عليّ فقتل مروان بن محمّد، وفرّق خيله، واستباح عسكره، فقيل وافق دعاءها.
ويقال: إن مدينة تدمر بناها سليمان بن داود، وكانت عجيبة البناء، كثيرة الصور والتماثيل. ويقال: إنه بنى فيها دارا فيها مقاصير وأروقة وحجرات وإيوانات وغير ذلك، وأن سطح هذه الحجرات والمقاصير وغير ذلك حجر واحد بقطعة واحدة، وهو باق إلى يومنا هذا، وبها صورة جاريتين من حجارة من بقايا صور كانت بها، وقال: فيهما بعض الشعراء:
فتاتي أهل تدمر خبّرانيألمّا تسأما طول المقام
قيامكما على غير الحشاياعلى جبل أصمّ من الرّخام
وإنّكما على مرّ اللّياليلأبقى من فروع ابني شمام
وأنشد أبو دلف فيهما لنفسه:
ما صورتان بتدمر قد راعتاأهل الحجى وجماعة العشاق
غبرا على طول الزمان ومرّهلم يسأما من ألفة وعناق
فليرمينّ الدّهر من نكباتهشخصيهما منه بسهم فراق
وليبلينّهما الزمان بكرّهوتعاقب الإظلام والإشراق
كي يعلم العلماء ألّا دائماغير الإله الواحد الخلّاق
وأنشد أبو الحسن العجليّ فيهما:
إنّ اللّتين صيغتا بتدمروكّلتا قلبي بوجد مضمر
صوّرتا في أحسن التصوّرلم يرهبا كرّ صروف الأعصر
وتدمر صلحيّة صالح أهلها خالد بن الوليد.
والسواحل من حمص الستّة: كورة اللاذقيّة، وكورة جبلة، وكورة بلنياس، وكورة أنطرطوس، وكورة مرقيّة، وكاسرة، والسّقي، وحبنة، والحولة، وعملوا، ورندك، وقبراثا. وإذا عبرت الفرات جئت إلى خشاف وناعورة، ثم إلى حلب وقنّسرين وكورها، وخراج قنّسرين أربعة آلاف دينار.
وقال مشايخ أنطاكية: كانت ثغور المسلمين أيّام عمر وعثمان أنطاكية والكور التي سمّاها الرشيد العواصم وهي: كورة قورس، والجومة، ومنبج، وأنطاكية وتوزين، وبالس، ورصافة هشام، فكان المسلمون يغزون ما وراءها كغزوهم الروم، وكانت فيما بين الإسكندريّة وطرسوس حصون ومسالح للروم.
وقالوا: حمص من بناء اليونانيّين، وزيتون فلسطين من غرسهم، ومدينة حمص افتتحها خالد بن الوليد صالحهم على مائة وسبعين ألف دينار، وكانت مدينة حمص مفروشة بالصخر، وهي اليوم كذلك.
ومن عجائب حمص: صورة على باب المسجد الجامع بجنب البيعة على
حجر أبيض، أعلى الصورة. صورة إنسان، وأسفلها صورة عقرب، فإذا لدغ العقرب إنسانا فأخذ طينا، ووضعه على تلك الصورة، ثم أدافه بالماء وشربه سكن وجعه وبرئ من ساعته، ويقال: إن تلك الصورة طلسم للعقرب خاصّة، وكان فتح حمص قبل دمشق في أوّل ليلة من رجب سنة أربع عشرة.
وبدمشق لبنان وهو الجبل الذي يكون عليه العبّاد والأبدال، وعليه من كلّ الثمر والفواكه، وفيه عيون كثيرة عذبة، وهو متّصل ببلاد الروم، وعند باب دمشق جيرون، وهي من بناء سليمان بن داود، وهي سقيفة مستطيلة على عمد، وحولها مدينة تطيف بجيرون، قال أبو عبيدة: الجيرون عمود عليه صومعة، وهو من البناء المذكور، ومن البناء المذكور الأبلق الفرد والورد أيضا، قصر بناه سليمان بن داود.
قالوا: وأول من ابتنى حصن المصّيصة في الإسلام عبد الملك بن مروان على يد ابنه عبد الله، ثم بنى عمر بن عبد العزيز بها مسجدا من ناحية كفربيّا، واتّخذ فيها صهريجا وكان اسمه عليه مكتوبا، ثم إن المسجد خرب في خلافة المعتصم، وهو يدعى مسجد الحصن، وشحنوها بالرجال، وبنى المنصور فيها مسجدا جامعا في موضع هيكل كان بها، وجعله مثل مسجد عمر ثلاث مرّات، ثم زاد فيه المأمون أيّام ولاية عبد الله بن طاهر المغرب، وفرض فيها المنصور لألف رجل، وزاد فيها المهديّ ألفي رجل، ولم يعطهم شيئا لأنها قد كانت شحنت بالجند والمطّوعة.
وقال أبو النعمان الأنطاكي: كان الطريق فيما بين أنطاكية والمصّيصة مسبعة، يعرض للناس فيها الأسد، فلمّا كان أيّام الوليد بن عبد الملك شكي ذلك إليه، فوجّه أربعة آلاف جاموس وجاموسة فنفع الله جلّ وعزّ بها.
قال الواقديّ: ولمّا غزا الحسن بن قحطبة الطائيّ بلاد الروم سنة في أهل خراسان والموصل والشام ومطوّعة العراق والحجاز خرج ممّا يلي طرسوس، فأخبر المهديّ ما في بنائها وتحصينها وشحنتها بالمقاتلة من عظيم الغناء عن الإسلام والكبت للعدوّ، وكان خرج في مرج طرسوس، فركب إلى مدينتها، وهي
يومئذ خراب، فنظر إليها وأطاف بها من جميع جهاتها، وحرز عدّة من يسكنها فوجدهم مائتي ألف، فلمّا كان سنة بلغ الرشيد أن الروم قد ائتمروا بينهم للخروج إلى طرسوس لتحصينها وترتيب المقاتلة بها. فأغزى الصائفة هرثمة بن أعين، وأمر بعمارة طرسوس وبنائها وتمصيرها، ففعل فأجرى أمرها على يدي فرج بن سليم الخادم، فبنى قصبتها ومسجدها، ومسح ما بين النهر إلى النهر، فبلغ ذلك أربعة آلاف خطّة، كلّ خطّة عشرون ذراعا في مثلها، وأقطع أهل طرسوس الخطط في شهر ربيع الآخر سنة، ولمّا كانت سنة أمر الرشيد ببناء مدينة عين زربة وتحصينها، وحوّل إليها خلقا من الخراسانيّة وأقطعهم المنازل، وفي سنة أمر ببناء الهارونيّة، فبنيت وشحنت بالمقاتلة، ونسبت إليه، وأمر الرشيد ببناء مدينة الكنيسة السوداء وتحصينها، وأمر المنصور صالح بن عليّ ببناء ملطية وكانت خرابا، وكان الحسن بن قحطبة أتمّها بأمر المنصور وأعان الفعلة بنفسه وماله، وكان الحسن يقول: من سبق إلى شرفة فله كذا، فجدّ الناس في العمل حتى فرغوا من بناء ملطية ومسجدها في ستّة أشهر، وهم يومئذ سبعون ألفا وبني بها للجند الذين أسكنوها، لكلّ عرّافة بيتان سفليّان وعليّتان، والعرّافة عشرة نفر إلى خمسة عشر رجلا، وبنى لهم مسلحة على ثلاثين ميلا منها، ومسلحة على نهر يدعى قباقب يدفع في الفرات، وأسكنها أربعة آلاف مقاتل من أهل الجزيرة، وزاد كلّ واحد منهم عشرة دنانير، وأقطع الجند المزارع، وبنى حصن قلوذية، وأرض التيه بموضع يقال له حصن منصور أربعون فرسخا.
وقال الحجّاج بن يوسف لزادان فرّوخ: أخبرني عن العرب والأمصار.
فقال: أصلح الله الأمير، أنا بالعجم أبصر مني بالعرب. قال: لتخبرني. قال: فسل عمّا بدا لك. قال: أخبرني عن أهل الكوفة. قال: نزلوا بحضرة أهل السواد فأخذوا من ضيافتهم وسماحتهم. قال: فأهل البصرة. قال: نزلوا بحضرة الخوز.
فأخذوا من مكرهم وبخلهم. قال: فأهل الحجاز. قال: نزلوا بحضرة السودان.
فأخذوا من ضيافتهم وسماحتهم. قال: فأهل البصرة. قال: نزلوا بحضرة الخوز.
فأخذوا من مكرهم وبخلهم. قال: فأهل الحجاز. قال: نزلوا بحضرة السودان فأخذوا من حمقة عقولهم وطربهم، فغضب الحجّاج فقال له: أعزّك الله لست حجازيّا، إنما أنت رجل من أهل الشام. قال: فأخبرني عن أهل الشام. قال: نزلوا بحضرة الروم فأخذوا من ترفّقهم وصناعتهم وشجاعتهم.
ويقال: ريف الدنيا من السمك ما بين ماهيرويان إلى عمان، وريف الدنيا من التمر ما بين اليمن إلى البصرة وهجر، وريف الدنيا من الزيتون فلسطين إلى قنّسرين.
وقال المدائنيّ: قدم وفد من العراق على معاوية بن أبي سفيان فيهم صعصعة بن صوحان العبديّ، فقال معاوية: مرحبا بكم وأهلا، قدمتم خير مقدم، وقدمتم على خير خليفة، وهو جنّة لكم، وقدمتم الأرض المقدّسة، وقدمتم أرض المحشر والمنشر، وقدمتم أرضا بها قبور الأنبياء. فقال صعصعة: أما قولك يا معاوية قدمتم خير مقدم فذاك من قدم على الله والله عنه راض، وأما قولك قدمتم على خليفتكم وهو جنّة لكم فكيف بالجنّة إذا احترقت، وأما قولك قدمتم الأرض المقدّسة، فإن الأرض لا تقدّس أهلها لكن أهلها يقدّسونها، وأما قولك قدمتم أرض الحشر والمنشر فإن بعد الأرض لا ينفع كافرا ولا يضرّ مؤمنا، وأما قولك قدمتم أرض الأنبياء بها قبور الأنبياء فإن من مات بها من الفراعنة أكثر ممّن مات فيها من الأنبياء. فقال معاوية: اسكت لا أرض لك. قال: ولا لك يا معاوية، الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين. قال معاوية: يا صعصعة إني كنت لأبغض أن أراك خطيبا. قال: وأنا والله يا معاوية أبغض أن أراك أميرا.
قالوا: ودومة الجندل شاميّة، وهي فصل ما بين العراق والشام، وهي على سبع مراحل من دمشق.
قال: ولمّا فتح أنوشروان قنّسرين ومنبج وحلب وأنطاكية وحمص ودمشق وإيلياء استحسن أنطاكية وبناءها، فلمّا انصرف إلى العراق بنى مدينة على مثال أنطاكية بأسواقها وشوارعها ودورها وسمّاها زندخسره، وهي التي تسمّيها العرب
روميّة، وأمر أن يدخل إليها سبي أنطاكية فلمّا دخلوها لم ينكروا من منازلهم شيئا، فانطلق كلّ رجل منهم إلى منزلة إلّا رجلا اسكافا، كان على بابه بأنطاكية شجرة فرصاد، فلم يرها على بابه بروميّة، فتحيّر ساعة، ثم اقتحم الدار فوجدها مثل داره، فلمّا رأى ملك الروم ما قد فتحه كسرى من مدائنه وادعه ووجّه كسرى رجلا من مرازبته إلى أرض الروم يقبض الأتاوة.
وقال عمرو بن بحر: ربّ بلد يستحيل فيه العطر، وتذهب رائحته كقصبة الأهواز.
وقد كان هارون الرشيد همّ بالمقام بأنطاكية وكره أهلها ذلك، فقال شيخ منهم وصدقة: ليست من بلادك يا أمير المؤمنين، قال: وكيف؟ قال: لأن الطيب الفاخر يتغيّر فيها حتى لا ينتفع منه بكبير شيء، والسلاح يصدأ فيها ولو كان من قلعة الهند.
وقالوا: سيحان بأذنة، وجيحان بالمصّيصة، والبردان ويسمّى الغضبان بطرسوس، وجيحون نهر بلخ.
وقال ابن شوذب: تغور المياه قبل يوم القيامة إلّا بئر زمزم ونهر الأردنّ وهو الذي قال الله ﷿: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ.
وكور الأردنّ: طبريّة، والسامرة، وبيسان، وفحل، وكورة جرش، وعكّا، وكورة قدس، وكورة صور. وخراج الأردنّ ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار، من الطبريّة إلى اللّجّون عشرون ميلا، ثم إلى القلنسوة عشرون ميلا، ثم إلى الرملة مدينة فلسطين أربعة وعشرون ميلا وهي على الجادّة فحاجّ الشام والثغور ينزلونها.
ومدينة اللجّون: فيها صخرة عظيمة مدوّرة خارج المدينة، وعلى الصخرة قبّة زعموا أنها مسجد إبراهيم ﵇ يخرج من تحت الصخرة ماء كثير،
وذكروا أن إبراهيم ضرب بعصاه هذه الصخرة فخرج منها من الماء ما يتّسع فيه أهل المدينة ورساتيقهم إلى يومنا هذا.
قالوا: ولنا الزيت والزيتون الذي ليس في شيء من البلدان أكثر منه في بلادنا، وقال الله ﷿: مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
ومن أبنيتهم العجيبة لدّ، وحدّثني رجل قال: قلت لأهل لدّ هذا بنته الشياطين لسليمان، قال: أنتم إذا جلّ في صدوركم البنيان أضفتموه إلى الجنّ والشياطين، هذا قبل مولد سليمان ﵇ بدهور كثيرة.
وعلى سبعة أميال من منبج حمّة. عليها قبّة تسمّى المدير، وعلى شفير الحمّة صورة رجل من حجر أسود، تزعم النساء أن كلّ من لا تلد تحكّ فرجها بأنف الصورة فيولد لها، وفيها حمّام يقال له حمّام الصّوابي فيه صورة رجل حجر يخرج ماء الحمّام من إحليله.
قالوا: ومن عجائبنا تفّاح لبنان، وفيه أعجوبة وذلك أنه يحمل التفّاح من لبنان، وهو تفّاح جبل عذى لا طعم له ولا رائحة، فإذا توسّط نهر البليخ فاحت رائحته، وهذا شبيه بالذريرة التي بنهاوند، فإن بها قصبا يتّخذ منه الذريرة، فليست له رائحة بتّة حتى يجاز بها ثنيّة الرّكاب، وهي من نهاوند على فراسخ كثيرة، فإذا جازت الثنيّة فاحت رائحته وحمل منها إلى البلدان، وبشيراز شجرة تفّاح، التفّاحة منها نصفها حلو في غاية الحلاوة، ونصف حامض في غاية الحموضة، وليس بفارس كلّها من هذا النوع إلّا هذه الشجرة الواحدة.
قالوا: من عجائب الشام أربعة أشياء: بحيرة الطبريّة، والبحيرة المنتنة، وأحجار بعلبك، ومنارة الإسكندريّة.
فأما أحجار بعلبكّ فإن فيها حجرا على خمسة عشر ذراعا أقلّ وأكثر ارتفاعه في السماء عشرة أذرع في عرض خمسة عشر ذراعا في طول خمسة وأربعين ذراعا هذا حجر واحد في حائط.
وأما منارة الإسكندريّة فإنه يصعد إليها رجل على برذون حتى يبلغ أعلاها، وهي مبنيّة على سرطان من زجاج.
وأما بحيرة الطبريّة فإنه يشرع إليها وينتفع بها للغسالات، فإذا منع منها هذا أنتنت.
والبحيرة المنتنة لا يغرق فيها شيء، وكلّ شيء يقع فيها فإنما يطفو على رأس الماء.
ومن عيوب الشام كثرة طواعينها، والناس يقولون: حمّى خيبر وطواعين الشام ودماميل الجزيرة وجرب الزنج وطحال البحرين.
قالوا: ومن أقام بالموصل حولا وجد في قوّته فضلا، ومن أطال الصوم بالمصّيصة خيف عليه الجنون، ومن قدم من شقّ العراق إلى بلاد الزنج لم يزل حزينا ما أقام بها، فإن أكثر من شرب نبيذها وشرب ماء النارجيل صار كالمعتوه.
وقال أبو هريرة: أنا لبراغيث الشام أخوف مني لغيرها.
وقالوا في قول الله ﷿: وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ
قال: من فلسطين.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع