من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)
مجلس الكوفيين والبصريين عند المأمون (٤)
الجبل. ويتعذر دخولها في الشتاء إلّا الشيء اليسير، يجلب من ناحية الكوفة.
فكان ربما بيع اللحم ببغداذ على ستة أواق. فكثر استعمال الناس للسويق لهذه الحال لأنهم كانوا يأكلونه مع التمر ومع السكر ومع الدبس وغير ذلك. فلذا صار كثيرا.
وقال أحمد بن أبي طاهر: أخذ الطول من الجانب الشرقي من بغداد للناصر لدين الله عند دخوله مدينة السلام، فوجد مائتا حبل وخمسون حبلا.
وعرضه مائة حبل وخمسة أحبل. يكون ستة وعشرين ألف جريب ومائتين وخمسين جريبا. ووجد طول الجانب الغربي مائتين وخمسين حبلا. وعرضه سبعين حبلا. يكون ذلك سبعة عشر ألف جريب وخمسمائة جريب. فجميع ذلك ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبعمائة وخمسون.
وقيل لرجل: كيف وجدت بغداد؟ قال: الأرض كلها بادية وبغداد حاضرتها. وأنشد بعضهم في بغداد.
بغداد يا دار الملوك ومجتنىصنوف المنى يا مستقر المنابر
ويا جنّة الدنيا ويا مطلب الغنىومنبسط الآمال عند المتاجر
ووصف بعض الأدباء بغداد فقال: هي سهلية جبلية برية بحرية، صيدها غزير وخيرها كثير، طيب هواؤها، يسر فناؤها، دائم رخاؤها. فضلها على سائر البلدان كفضل ماء الأنهار على ماء البحار. فهي كما قال عمارة:
ماذا ببغداد من خير أفانينومن منازل للدنيا وللدّين
تمسي الرياح بها حسرى إذا درجتوحرّشت بين أغصان الرياحين
وهي محل الخلفاء ومسكن الوزراء ومأوى بني هاشم والأبناء ومقرهم ومفزعهم في الشدائد والرخاء، الواسعة الدور، الكثيرة القصور، الغزيرة
الأنهار، المريئة العيون، صحيحة البناء، رحبة الفناء، نزهة الهواء، رفيقة بالغرباء، مؤاتية لكل من أتاها، مغيثة لمن استغاث بها، قديمة الصحبة، طيبة التربة، مسكن من تفتّى ومعقل من تنسّك. بناها المنصور وسكنها المهدي والهادي والأمين والمأمون. جنة من جنان الدنيا. دجلة في وسطها، والصراة عن يمينها ونهر الملك أمامها ونهر عيسى مخترق لها ونهر كرخايا يتخلل طرقاتها ونهر الخندق دائر بها. لها الرومية وكلواذى والقفص وعميّ وقطربل والمزرفة وبزوغى والأجمة والغرك والشماسية.
إذا غضب على جبار عات حمل إليها. وإذا رضي عنه شهر بها. مواكبها قائمة ومنائرها عالية. ونغم مغنياتها ناعمة. الظرف فيها يقتبس والشكل منها يستوصف. مكان الرئاسة ومقبس السياسة. فهي جنة مونقة وحديقة مشرقة.
وعروس في مجاسدها وكللها وحجابها. شهية المنظر جميلة المخبر. صبيحة مليحة ظاهرة الوسامة، دمثة التراب، مريعة الجناب، غدقة المشارع، وطيّة المضاجع. تروق عيون الناظرين، وتسرّ قلوب المتأملين. ويعيش في أفنيتها الفقراء والمساكين. مطابقها وثيقة، وسجونها حريزة. مع كثرة أسواقها واتساع أرباضها، وفساحة رحابها وامتداد طرقها وسككها.
معشوقة محببة إلى الخلفاء وولاة العهود والوزراء. دار ملكهم ومعدن صيدهم، ومنتهى غاية لذاتهم، موفّرة لغلّاتهم مباركة عليهم. شامخة البناء، عريضة الفناء، فياحة السطوح، نزهة البساتين، كثيرة الأشجار والرياحين. مفزع كل ملهوف، ومعدن كل تاجر معروف. وحسبك ببلدة قد جمع الله فيها ما فرّقه في غيرها من البلدان من أنواع التجارات وأصناف الصناعات. فهي سلة الدنيا وخزانة الأرض، معدن العلم وينبوع الحكمة. ليس لها مشتاة كمشتاة الجبال، ولا مصيف كمصيف عمان، ولا صواعق كصواعق تهامة. ولا دماميل كدماميل الجزيرة. ولا جرب كجرب الزنج، ولا طواعين كطواعين الشام. ولا يلحق أهلها ما يلحق أهل البحرين من وجع الطحال. ولا فيها حمّى كحمى خيبر. ولا
رداع الجحفة. وليس بها ثعابين كثعابين مصر. ولا أفاعي سجستان. ولا عقارب نصيبين. ولا جرّارات الأهواز، ولا قتّالات شهرزور.
وأهلها ظرفاء فضلاء فيهم الجمال ولباسهم الكمال، فهم كما قال الشاعر:
ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدينعلى تقلّبها في كلّ ما حين
ما بين قطربل فالكرخ نرجسةتندى ومنبت خيريّ ونسرين
تحيا النفوس بريّاها إذا نفحتوحرّشت بين أوراق الرياحين
سقيا لتلك القصور الشاهقات وماتخفي من البقر الإنسية العين
تستنّ دجلة فيما بينها فترىدهم السفين تغالى كالبراذين
مناظر ذات أبواب مفتّحةأنيقة بزخاريف وتزيين
فيها القصور التي تهوي بأجنحةبالزائرين إلى القوم المزورين
من كلّ حرّاقة يعلو فقارتهاقصر من الساج عال ذي أساطين
وقدم عبد الله بن صالح بن علي بغداد فرأى كثرة الناس بها فقال: ما مررت بطريق من طرق هذه المدينة إلّا ظننت أن الناس قد نودي فيهم.
وقال المنصور لبعضهم: أخبرني عن بغداد. قال: جنة بين حماة وكنّة تحسدانها، ودجلة والزاب يتباريان عليها.
وكتب الحسن بن أبي الرعد إلى أبي عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب وهو مقيم بضياعه في سنجار، يشوقه إلى بغداد:
يا من أقام على قرى سنجارواختارها دارا بأكرم دار
خلّفت بغداد التي لنسيمهاأرج من النوّار والأشجار
هي جنّة الدنيا فكيف تركتهاوقررت أرضا غير ذات قرار
أو ليس فيها ألف ألف خريدةفي وجهها متنزّه الأبصار
وانظر لقلبك لا بعينك هل ترىكرجالها في سائر الأمصار
من ذا تصادفه هناك وعندهطرف من الأشعار والأخبار
معقودة بخلائق أدبيةفي رقة الماء الزلال الجاري
وحدثني بعض الأدباء قال: حججت فرأيت على بعض الأميال [بطريق مكة] مكتوبا:
أيا بغداد يا أسفى عليكمتى يقضى الرجوع لنا إليك
قنعنا سالمين بكلّ خيروينعم عيشنا في جانبيك
وقال: ورأيت في غرفة بقرميسين هذين البيتين وقد كتبا في الحائط:
ليت شعري عن الذين تركناخلفنا في العراق هل يذكرونا
أم لعلّ المدى تطاول حتىقدم العهد دوننا فنسونا
ولما حج الرشيد وبلغ زرود التفت ناحية العراق وقال:
أقول وقد جزنا زرود عشيةوكادت مطايانا تجوز بنا نجدا
على أهل بغداد السلام فإننيأزيد بسيري عن ديارهم بعدا
وقال بعضهم: لو أن الدنيا خربت وفرق أهل [بغداد] فيها لعمروها.
ولما قلّد عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بلد اليمن وعمل على الخروج قال:
أير حل آلف ويظلّ إلفوتحيا لوعة ويموت قصف
على بغداد دار اللهو منّيسلام ما سجا للعين طرف
وما فارقتها لقلى ولكنتناولني من الحدثان صرف
ألا روح ألا فرج قريبألا جار من الحدثان كهف
لعلّ زماننا سيعود يومافيرجع آلف ويسرّ إلف
فبلغ هذا الشعر الوزير فأعفاه من التقليد.
وقال بعض الأدباء:
ببغداد يصفو العيش للمتعبّدوللقارف اللاهي وللمتورّد
وهي أبيات ما فيها طائل.
وقال الجاحظ: قد رأيت المدن [العظام] المذكورة بالإتقان والإحكام، ببلاد الروم والشامات وغيرها. فلم أر مدينة قط أرفع سمكا، ولا أجود استدارة، ولا أحكم سورا وفصيلا من مدينة المنصور. كأنما صبت صبا في قالب، وأفرغت إفراغا في دريزك وأنشد.
يا حبّذا بغداد من بلديا ليتني أوطنت بغدادا
لم تر عيني مثلها بلدةطيبة صدرا وإيرادا
إن ردّني الله إلى أهلهالم أتزوّد للنوى زادا
وقال الكلبي: سمي المخرم مخرما، لأن مخرم بن حزن الحارثي نزله.
وكانت قنطرة البردان لرجل يقال له السري بن الحطم صاحب الحطمية التي بقرب بغداد.
والحربية منسوبة إلى حرب بن عبد الله البلخي وكان على شرطة جعفر بن المنصور وهو يتقلد الموصل.
والزهيرية بقرب باب التبن، نسبت إلى زهير بن محمد بن أهل أبيورد.
وعيسى آباد نسبت إلى عيسى بن المهدي وهو ابن الخيزران وكان في حجر مبارك التركي.
وقصر عبدويه منسوب إلى رجل من الأزد يقال له عبدويه، وكان من وجوه رجال الدولة.
وأقطع المنصور عمارة بن حمزة الناحية المعروفة.
وأقطع ميمون أبا بشر بن ميمون قطيعة عند بستان القس. وطاقات بشر نسبت إلى بشر بن ميمون وهو مولى لعبد الله بن علي.
وأقطع أم عبيدة حاضنة المهدي، وهي مولاة لمحمد بن علي قطيعة منسوبة إليها. وإليها تنسب الطاقات المعروفة بطاقات أم عبيدة بقرب الجسر.
وأقطع منيرة وهي مولاة لمحمد بن علي الموضع المنسوب إليها من الجانب الشرقي.
وأقطع ريسانة قطيعة تقرب من مسجد ابن رغبان بالقرب من باب الشعير.
ودرب مهرويه في الجانب الشرقي، نسب إلى مهرويه الرازي الذي كان مملوكا فأعتقه المهدي.
ونزل المنصور مدينة السلام منذ يوم بناها إلى آخر خلافته ثم حج منها وتوفي بمكة.
ونزلها بعده المهدي، ثم شخص منها إلى ماسبندان فتوفي هناك.
وكان أكثر نزوله إذا كان بمدينة السلام، عيسى آباد حتى بنى فيها أبنية كثيرة. وبها توفي الهادي.
نزلها الرشيد وكان قليل المقام بها، وشخص عنها إلى الرقة فأقام بها مدة ثم سار إلى خراسان فتوفي بطوس.
ونزلها محمد الأمين فقتل بها.
ثم قدمها المأمون من خراسان وأقام بها ثم شخص عنها غازيا فمات بالبدندون ودفن بطرسوس.
ثم نزلها المعتصم مدة من خلافته، ثم شخص عنها إلى القاطول فنزل قصرا كان الرشيد بناه. وحفر بها قاطوله الذي سماه أبا الجند لكثرة ما كان يسقي من الأرضين. وكان قد جعله لأرزاق جنده. ثم بنى بالقاطول بناء ودفع ذلك إلى أشناس التركي مولاه. ثم انتقل إلى سرمرى ونقل إليها الناس وبنى مسجدا جامعا في طرف الأسواق وسماها سرمرى. وأنزل أشناس فيمن ضم إليه من الأتراك والقواد كرخ سرمرى وهو كرخ نيروز. ونزل بعضهم بالدور المعروفة بدور العرباني. وتوفي بسرمرى في سنة سبع وعشرين ومائتين.
وأقام الواثق بسرمرى وبها توفي.
واستخلف المتوكل فأقام بالهاروني وبنى به أبنية كثيرة وأقطع الناس في ظهر سرمرى في الحير الذي كان المعتصم احتجزه فاتسع الناس بذلك. وبنى مسجدا جامعا فأعظم النفقة عليه وأمر برفع منارته لتعلو أصوات المؤذنين فيها. وحتى ينظر إليها من فراسخ. فجمع الناس فيه وتركوا المسجد الأول. وأمر بحمل المحدثين من النواحي فحملوا وحدثوا الناس، فحسنت له بذلك الأحدوثة. ثم بنى مدينة سماها المتوكلية وعمرها وأقطع الناس بها قطائع وسماها الجعفري في أول سنة ست وأربعين ومائتين. فانتقل إليها الناس عنها إلى سرمرى.
وقال بعض الظرفاء: مجالسة التّمارين تورث المخاتلة. ومجالسة البزازين تورث البخل. ومجالسة العطارين تورث التجميش. ومجالسة الحناطين تورث النفاق. ومجالسة أصحاب السقط تورث الورع. ومجالسة النخاسين تورث الإفلاس. ومجالسة أهل فارس تورث الزندقة. ومجالسة أهل الأهواز تورث الغدر. ومجالسة أهل البصرة تورث صغر الهمة. ومجالسة أهل واسط تورث البذالة. ومجالسة أهل الكوفة تورث المروءة والتجمل. ومجالسة أهل بغداد تورث الفتك والظرف واللباقة والنظافة.
وقال عثمان بن أبي شيبة: سمعت أبا الحر السكوني يقول: سمعت ابن عياش يقول وقد ذكرت عنده بغداد فقال: هي دنيا وآخرة.
وقال يزدجرد بن مهبنداد الكسروي: قد تكلم الناس في بلاد همذان وإصبهان والري وسائر الكور الشريفة من بلاد الجبل وخراسان وفخموا شأن مصر خاصة وقالوا بها مقدمين لها على بغداد العراق وسائر الآفاق في كثير من الأقاويل.
ونحن مبطلون ذلك على معتقدي مصر خاصة، ومتوصلون إلى التفرقة بين بلدين لا يقومان في عيار، ولا يتوافيان على مقدار. فإذا فعلنا ذلك كان حكم ما لم نذكره من سائر البلدان كالري وإصبهان وسائر كور أرمينية وآذربيجان، حكم مصر المشهورة بخواصها المذكورة بأنواعها، ويستبدل الاختصار بالتطويل، وأمهات الكلام دون القال والقيل، ونعلم أن الله خلق خلقا مقسوما ما بين قنوات مختلفات حارات وباردات، رطبات ويابسات. ثم جعل تعديل الحياة هو أن لا تشاح على الصيف دون الشتاء، وعلى برد الماء دون لطف الهواء. فلو كان الزمان بردا جميعا أو حرا أبدا أو خريفا دائما أو ربيعا سرمدا، لملت الطبيعة زمانها، وثقل عليها منه فنسمها (؟) ومكانها. ولولا شدة الجوع وكرب العطش لزالت لذة الماء والتلذذ بالغذاء. وكذلك القول في الرقاد والسهر، والحركة والسكون، والحمّام والجماع، والحر والبرد، والرطوبة واليبس، ولو كلف أحدنا أكل الخبيص دائما واللبن دائما والعسل دائما، لكلفنا أمرا مربوطا بمكروه الطبيعة، مقرونا بأنكره وأرداه وأضناه. ولو كان الغذاء واحدا والزمان واحدا والدواء واحدا، لكان الغذاء هو الدواء والربيع هو الشتاء. فقد دللنا بذلك على أن أشرف البلدان مكانا، وأفضل البقاع زمانا، ما كان منتقلا بين أقسام الحر والبرد والرطوبة واليبس. ولا خير في زمان يكون ليلا سرمدا، ونهارا أبدا.
وسندل على أن المتطاولين بالحد الواجب المتناسب من الزمان بمصر، هم الملتجئون من منائر أرضهم هذه إلى السماء. والمحوجون إلى النوم تحت السقف الواحد أبدا. والماء والهواء هما مع ذلك ركنا حياتنا وخلة لتمام خلقنا. فأيما بقعة الباث فيها الاعتدال، والاعتدال هو الانتقال، والانتقال هو الزوال من حال إلى
حال، حتى تكون دهرا قطرا، وليلها ونهارها واحدا بدائم. نجد مع ذلك الذي ينبغي منه دوام بقائه واتصاله وصفائه، هو ماء نيلهم الأعظم وعزهم الأكبر. فهو الذي لا دوام لمائه ولا اتصال لطيبه وصفائه. فإن مثل الناس بين الهواء بمصر وبين أزمان بغداد المعدلات، وبين نيلها وما فيه من الحوادث الهائلات والعجائب الطارقات، وكثيرا مما لا يطيب استماعه- فضلا عن مشاهدته- ولولا ما قد جرت لأهله العادات، وبين ماء دجلتنا والفرات وغياث السحائب الربيعيات، وأيام الشتاء المدجنات، وما في السماء من البركات، ميّلوا باطلا وأضاعوا محصولا.
وقد زعم كثير من أهل النظر أنه لولا طلسم بمصر لأغرقها النيل والبحر.
وأن بلدا لا تقوم أركانه، وثبات أهله وجيرانه إلّا بحيلة من المربوبين، لا يؤمن فسادها، وبعاصمة من المخلوقين تشوبها الظنون، وتزول بدونها عقد اليقين، لعلى خطر عظيم وغرر جليل.
هذا وليس بين أن ترى ساكنيه عطشى يتشطحون وبين أن يكونوا في السفائن والزواريق يتزاورون، وفي مراكب الطوفان يذهبون ويجيئون فرقا في مواقيت معلومة من الزمان وأحوال معتادة من الأيام.
ومما يزيد بعده بمقادير عقول المصريين، ويجوز لك الدليل على موازين المعدلين بين مصر ومدينة السلام، أن يعلم أن قوما قد زعموا أن الأحكام لم تكن لتملّك على قوم ملكا، وذلك الملك أنقصهم عقلا ولا أوضعهم رأيا ولا أسيرهم نهما ولا أصغرهم علما، مع تقدم الشهادات لعقول الملوك خاصة. وبالخواص التي تكون مقرونة بهم ومنسوبة إلى قرائحهم، عدل الملك في زمانه أو جاره.
وإذا كان هذا هكذا، ثم وجدنا فرعون قد ملك مصر دون غيرها وغلب عليها دونما سواها (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
)، فما ظنك بعقول قوم هذا عقل من ملّكوه عليهم.
ومغرس هذه آثار ثماره، ونتائج أشجاره. ونحن قد فوضنا مصر إلى خمارويه وزدناه من الأقطار إلى حدود الأنبار.
وإذا ذهبنا نقابل المصرين بما ببغداد من الفضائل: وزيرا بوزير وأميرا بأمير
وحكيما بحكيم وخطيبا بخطيب وبليغا ببليغ وأديبا بأديب وطبيبا بطبيب وحاسبا بحاسب وكاتبا بكاتب ومحاربا بمحارب ومضاربا بمضارب ومقاتلا بمقاتل ومفاضلا بمفاضل وقاضيا بقاض وفقيها بفقيه حتى يؤول الأمر بنا إلى ذكر أرباب الصناعات الشريفة والمهن اللطيفة، كنا قد تعرضنا إلى ما لا سبيل إلى استيفائه ولا دليل على إحصائه. وإلّا فمن أين للمصريين كذي الرأي والغنى والبأس والبلاء والحكم والدعاء والحيلة والدهاء والجود والسخاء والعهد والوفاء والشدة والرخاء، عدو عدائه، وأين إليها ليل من آبائه، عبيد الله بن عبد الله بن الطاهر، وكابن الطيب الحكمي وثابت بن قرة الحراني والعباسي المنطقي والمنيقط الناشي والأقليدس الذكي والبرذعي العدلي وأبي صالح السني، إلّا أن يظنوا أن لهم أيضا كالمبرّد المشهور أو ثعلب المذكور. ومن لم يزل ولا يزال بها من الفاضلين على الدهور وعلى السنين والشهور.
وليس لهم أن يفاخرونا بهرمس في زمانه أو بمثله في زماننا. ولا بأغاتيمون في أواننا هذا، وهم يعلمون أو لا يعلمون أن بابل العراق كانت مركز العلم والعلماء ومكان الحكمة والحكماء. ولكن الملك المظفر لما غلب على ملوك العمران، نقل الحكمة والحكماء إلى بلاد المينا أو نحوها مما قد سلف.
فأما مفاخرة القوم بالديار والمقاصير وسائر الأغذية والتدابير، أو مما ببغداد من سائر الفواكه والثمار وغرائب النخل والأشجار، فظنّ ما شئت أن تعدّه تجده موجودا غير مفقود وقريبا غير بعيد. زعم لي مهرويه باغبان السلطان أنه يعرف بمدينة السلام نيفا وسبعين نوعا من التفاح، ثم عدّها، فتبسم أخوه شهريار ثم قال: كذا وكذا زيادة على ما قال أخوه بنحو أربعمائة نوع وتسعة أنواع.
وما ظنك ببلد مع جميع ما فيه من غرائب الأشجار وأجناس النخيل والبقول والمزارع والثمار ينبت الأترج والنارنج كما ينبت الزعفران والأقحوان، كما ينبت الفستق واللوز والزعرور والموز والشاهبلوط والجوز والغبيراء والجلّوز والسدر
والحبة الخضراء واللفاح والبندق والبلوط والمقل والسبستان والهليون والريباس والفوّة والمحروث والاشترغاز والراس والانجذان والعنصل والاشقيل والداذي والبلمخية (؟) والزوبن (؟) وما لا يحصى ولا يلحق من جميع الأشياء.
ولقد حدثني يونس الصيدلاني قال: ما أحصي ما يحمل من العقاقير النابتة على سواقي الأنهار ببادرويا كالشبرم والسورنجان والبنج والخربق والتربذ والمازريون والثيل والإذخر والأفسنتين والجعدة والفنجمشك والغافت والمرقد والحنظل، وأضعاف ما ذكرت من العقاقير التي تدخل في الأدوية.
فإن شئت أن نذاكره بالسكر والجيسوان والازاد والخركان والعروسي والحمران والهيثا والهليان والبردي والمشان والطبرزد والباذنجان والقرثيا والمادبان والقرشي والبدالي والمعقلي والصيحاني والبهشكر، وصلنا من ذلك إلى خير كثير وأمر مشهور.
فأما أنواع الاخبزة والاخبصة وأصناف الأشربة والانبذة وسائر الانبجات والافشرجات وأنواع الأرباب والمربيات فغير معلوم لأهل المغرب ولا معدوم في أفنية بابل وما عملت.
ولا أعلم في الماضين من ملوك الزمان جميعا ملوكا دانوا بالضن بأزمانهم وانتحلوا القرى إلى الله بالاغراق في التماس اللذات الزمنيات في مطاعمهم ومشاربهم وملابسهم ومناكحهم من أولاد فارس وملوك الأكاسرة، فإنهم كانوا دون ملوك الروم والهند وسائر الأطراف، وأعلم بموافق الريف وأحذق بتدبير العيش اللطيف، وهم كانوا الأئمة في غرائب الغاذيات والعلماء بأصناف التدابير والملذذات، وكانت الأفاضل من ملوك بني ساسان خاصة تفاخر غيرها من الملوك باستيطان مدائن العراق، وبتطاول تلطف الهواء بها وصحة الماء فيها. هذا من حكم الخمرة البالية التي كانت تفاخر بها في أعيادها وتعازّ بخواصها في أيامها، وتزعم أنه لولا اعتدال الأرض والماء واتزان مناسبة الماء والهواء، ما وصلوا من طعوم شرابهم هذا، وأنواع ألوانه ونسيمه وروائحه إلى غايات لا سبيل إلى مثلها إلّا نظير لها في شكلها. وإذا كان ذلك لهم في الشراب أن يكون ذلك هو حق
الحكم لها في سائر المنابت والأشجار، وأنواع الأغذية والثمار. ولئن صح ذلك بذلك وهو كذلك، فسيصح أن الغاذيات التي جرت باعتدالها طبائعها، واتصلت لإمداد خلقتنا وغرائزنا خليقة ان تفرد بالخاصيات المعدلات والخصائص المكملات، فليس إسراف الهواء في اللطافة ودوامه إلّا كإسرافه في الكثافة واتصالها فيه. والاعتدال إذا هو الكمال الفاضل والزمان العادل.
وقد ذكرت الجماعة المميزة من المادرائيين انهم كانوا لا يشمون بنواحي الري وإصبهان وقزوين وزنجان إلى سائر أمهات الجبال من بلاد همذان شيئا من روائح الصنيع المشوي والقديد، سواء كان ذلك من الثور أو البعير أو الفروج أو العصفور، إلّا اختلاسا ونزهما (؟) وذلك هو إمّا لكثافة الهواء في نفسه أو لغلظ الغذاء في جنسه.
وإنك والحق لتشهد أن تنسّمك عندنا روائح خبز المخابز البعيدة فضلا [عن] الجديدة. فما ظنك بالحيوان المشوي في التنور والصنيع المدبر بالقدور؟
وبمثل ذلك حدثني الفطن الذكي واللبيب الحسبي، إبراهيم بن أحمد المادرائي عن الهواء بمصر، الذي يمحق رائحة المسك الأذفر والكافور والعنبر كما قال غيره.
وقد علمنا أن لأهل قم الشراب الميري، ولأهل إصبهان الشاهجاني، ولأهل الري السدني، ولأهل همذان المرجاني، ولأهل قزوين الدستباني، ولأهل مصر الرساطون العسلي، ولأهل الشام الحلفي. ولكن أين فضائل هذه الأنواع جميعا لو جمعت في نوع منها من الشراب السوري والعصير البابلي والطبيخ القطربلي والمعتق الصريفيني؟
ثم رجع الكلام إلى نوعه في مصر والمصريين فنقول: فأين طرقات مصر من طرقات بغداد؟ وديارها من ديارها ورحابها من رحابها ودروبها من دروبها. وهي محال الأقذار ومزابل الطفار؟
وحدث إبراهيم بن ياسين وكان مصريا يجهّز المسك إلى مصر، إنه لا يكاد
يشم في محال مصر شيئا من المسك الأذفر ولا الكافور والعنبر.
وحدثني في أثر ذلك صديقي السرخسي فقال: إن طبّاخا لنا أتى بقمامة فرماها إزاء باب دار منزلنا ببغداد فجلست لتأديبه قبالتها ودعوت بالمقارع، إذ أقبل رجل يسعى لشأن كأنما لم يخلق لغيره، فبحث القمامة بيده وأثار منها صوفا وزجاجا مكسّرا فالتقفه ومضى مبادرا. ثم أتى آخر في أثره ينحو نحوه فبحث باقيها وأثار منها قشور جوز وقشور فأخذ منها وولى منطلقا. ثم تلاهما ثالث يقفو أثرهما فأثار القمامة وأخرج ما كان فيها من النوى فأخذها ومضى. ثم أقبل قمّام الحمّام فغربلها وتزود ما فيها ثم مضى. ثم أقبل آخر معه فنخل التراب فاستخرج منه شيئا فأخذه ومضى. ثم جاء أجير الحراث فكسح باقيها وكان ترابا ورمادا فأخذه ومضى. قال: فأمسكت عن ضرب الغلام وقلت: ذلك تقدير العزيز العليم.
وما حاجتنا وما حاجتك إلى الانتصار بغير العيان والتظاهر على خصمائنا بغير ما هو لنا في الزمان؟ هؤلاء المادرائيون أهلنا وأصحابنا وإخوتنا وأترابنا رؤساء مصر وسوّاسها وكتاب أعمالها وأربابها ذوو القدرة التامة والأمر النافذ والسلطان الظاهر والعز المتظاهر، يتطلّع أعظمهم قدرا وأكبرهم أمرا وأعزهم شأنا وأوسعهم سلطانا إلى قوافل الحاج ووفود المجهّزين من بغداد، حتى يستصحب لهم الخفاف الطائفية والنعال السندية والمقاريض الهيثمية والأمشاط الطاهرية والسكاكين الكتابية وكثيرا مما يصنع من الأبنوس والعاج والعام الموجود من العطر والزجاج. فما ظنك بما لا يتهيّأ حمله ولا يسهل تجهيزه ونقله؟
ولست تجد كبيرا من كبراء الأطراف ولا عظيما من عظماء ملوك النواحي كملك الديلم والطيلسان وملك السوس ومن وراء آذربيجان وسائر المتغلبين من أولياء الدولة في مشارق الأرض ومغاربها إلّا متبجحين بمن يصير إليهم ويلقاهم
من مدينة السلام. كائنا من كان أو يحمل إلى مواطنهم ويغشاهم وينافسون على اصطناعه ويشاحّون على ادخاره ويغارون على اقتنائه كما يستقصون على فقدانه ويتحاسدون على وجدانه. وأحسبهم يعنون بعد المجاهدة في ذلك والمبالغة في اطلاب ذلك إلى غير المنفيين من الطباخين والمستجهلين من المتطببين والمستبردين من المغنين والمسترقين من الحناطين. فقد قنع الرئيس الأعظم والملك الأكبر من الجماعة أن يقال هذه مغنية بغدادية وعاملة عراقية وزامرة زريابية وطبّالة عتقية وعوّادة بناتية أو خريجة شارية، وزنبق ورحيب ومنعم وعرفان وزاعم وبدعة، وكفاهم من ذلك أن تقول الجارية رأيت بدعة وكلّمت تحفة وسمعت جدوة، وشاهدت طيابا وأعرف زريابا. كما كفاهم أن يقولوا: ماشطة طاهرية وخازنة حريمية، وكانت ستّي فلانة الفلانية. فتلك عندهم من النعم المعدودات والذخائر المقتصدات.
ثم رجع الكلام إلى ذكر شبيه ما كنا فيه من ذكر المصريين، فلعل القوم أن يفاخرونا بالمعادن ويعازّونا بالزبرجد والدبيقي، فإن فعلوا، فأخلق بنا أن نقول إن ذلك شيء إن استجاز القوم المعازّة به في المعادن وفي الزبرجد والدبيقي، فكانوا قد دلّوا من أنفسهم على ضعف كبير وعجز مشهور. وإلّا فإن كان المعدن هو العلة لشرفهم فليس بمأمون زوال الشرف بزوال المعدن. وإن كان شرف المعدن إنما هو شرف لنفسه، كانت كل ذات معدنية ذات شرف بنفسها. وإن كان شرف الذهب شرفا لنفسه، فلا يكون الرصاص وحجر النار شريفا لنفسه. وإن كان شرف القوم إنما هو شيء هو لعلّتهم وعلّة المعدن معا، وقد وجدنا نصيب أبعدنا من المعدن كنصيب أقربنا منه وأوفر، ولست مع ذلك تجد الحدّ في ثمن المثقال من الذهب بمصر إلّا كالحدّ في قيمته بأقصى حجر بالتبر والطيلسان.
فأما معازتهم بالقصب والدبيقي والملحم والخليجي، فقد قلنا ونقول: إن ذلك هو شيء لنا دونهم. فإنه لو وجب التطاول بذلك علينا لاستجاز
الحرّاثون مفاخرة أرباب الضياع، ونساجو الديباج التطاول على لابسيه. ولكان مركّب التاج بالدر والياقوت يشارك الملك الأعظم في عزه وسلطانه وفي أقصى من مكانته من شانه. حتى كون صائغ الإكليل أحق به ممن أمره ونهاه واستأجره وأعطاه. والدليل على صدقنا، أن أهل مصر لو كانوا إنما يتخذون الدبيقي ويتكلفون صنعة الملحم والتنيسي لهم ولمن هو منهم وإليهم، لهلك النسّاجون ولمات البزازون وسائر من بها من أرباب القراطيس وصناع الشمع والخيش والكرابيس.
ذلك هو القول في المجهزات جميعا من خراسان وسائر بلاد الله في جميع العمران.
ثم لا نجد بغداد عند ذلك إلّا كالجوهر القائم بنفسه، والبلدان دونها كالأعراض التي لا قوام لها إلّا بما هو أثبت بها وأغنى عنها. فالدنيا العراق والناس أهلها. والطاعنون على بغداد هم الطاعنون على اختيار الخلفاء. والطاعنون على الخلفاء، الطاعنون على الأنبياء، والطاعنون على الأنبياء هم الطاعنون على رب الأنبياء.
وحدثني القاضي إسماعيل بن إسحاق، وكفى به محدثا. ومحمد بن يزيد وكفى به مخبرا، قال: لقد كنا نلتمس بالبصرة من جيد التمور وأنواع الأرطاب فنجد ببغداد ما لم ير مثله بأنهار البصرة جميعا.
وحدثني من لا ارتياب للعقلاء في عقله ولا اشتباه عند الحكماء في فضله بعلومه وآدابه وأنسابه وإحسانه عبيد الله بن عبد الله بن طاهر متمثلا في أثر كلام مرّ في غرائب بغداد فقال: تزعم العامة أن رجلا من مجهّزي القطن كان بالشام ثم وقع إلى كورة مرو من بلاد خراسان وهو لا يظن أن القطن يكون بغير الشام فاحتمل من كثرته بمرو بما فاض عن عقله واتهم معه فهمه. ثم سأل عن البلدان التي يحتمل تجهيز ذلك إليها فقيل له بغداد. فقال: وكم في الأرض من بغداد. فصدق عن القصة فقال: أظن أن أهل بغداد يأكلون القطن أو تبنى لهم به المساكن والجدران. فأقبل يريد العراق لذلك.
[و] أشرف من بلاد الري ونواحيها على ما لم تر عينه مثله من الأقطان أيضا وتجهيزها، فسأل فكانت القصة سواء. ثم أقبل إلى ملتقى القوافل بقرميسين فأقبلت عليه الأرض بيضاء بالأقطان فازداد حرصا على مشاهدة بلد يأكل أهله القطن ويشربونه ويبنون به دورهم.
فلما بلغ بغداد، لم يرها بنيت بالقطن ولا مصنوعة منه فقال له: ها أنت ببغداد. قال: فإذا كانت هذه بغدادكم، فأين الدنيا والآخرة؟
وقال المعروف بابن يزيد الرقي ومحمد بن نصر الدلّالان:- وهما شيخان مستوران قد أسنّا- إنّا لنركض على حميرنا في حواشي بغداد وأوساطها منذ سبعين سنة لدلالة ما يباع من المنازل والعقارات وسائر العقد والمستغلات في الليل والنهار والغدو والآصال. وإنّا لنمرّ في أيامنا بل في الزمان جميعا ببقاع ولا عهد لنا بها ودور لا معرفة لنا بشيء منها ومسالك لا تحيط بها أوهامنا ولا سلكناها قط. وكثير من الناس يقولون إن جانبي بغداد كالفرسخين، وقد غلطوا في ذلك غلطا بيّنا.
وأنشد لكاتب من أهل البندينجيين يذكر فضل بغداد ويذم مصر:
هل غاية من بعد مصر أجيئهاللرزق من قذف المحلّ سحيق
لم يأل كم حطّت بمصر ركابهللرزق من ركن لديه وثيق
نادته من أقصى البلاد بذكرهاوتعنّفته بعد بالتعويق
كم قد جشمت على المكاره دونهامِن كلّ مشتبه الفجاج عميق
وقطعت من عافي الصّوى متخوّفاما بين هيت إلى محارم فيق
فعريش مصر هناك فالفرما إلىتنّيسها فدبيرة فدبيق
بحرا وبرّا قد سلكتهما إلىفسطاطها ومحلّ كلّ فريق
ورأيت أدنى خيرها من راغبأنأى لطالبه من العيّوق
قلّت منافعها فضجّ ولاتهاوشكا التجار بها كساد السوق
ما إن يرى فيها العريق إذا رأىشيئا سوى الخيلاء والتبريق
قد فضّلوا جهلا مقطّمهم علىبيت بمكة للإله عتيق
بمصارع لم يبق في أحداثهامنهم صدى برّ ولا صدّيق
إن قال فاعلهم فغير موفّقأو قال قائلهم فغير صدوق
شيع الضلال وحزب كلّ منافقومصارع للغي والتنفيق
أخلاق فرعون اللعينة فيهموالقول بالتشبيه والمخلوق
لولا اعتزال فيهم وترفّضمن عصبة لدعوت بالتغريق
يا طول شوقي واتّصال صبابتيودوام لوعة زفرتي وشهيقي
ذكر العراق فلم تزل أجفانهتهمي عليه بمائها المدفوق
ونعيم دهر أغفلت أيامنابالكرخ في قصف وفي تفسيق
وينهر عيسى أو بشاطئ دجلةأو بالصراة إلى رحى بطريق
سقيا لتلك مغانيا ومعارفاعمرت بغير البخل والتضييق
ما كان أهنأه وأبعد دارهعن أرض مصر ونيلها الممحوق
لا يبعدنّ صريم عزمك بالمنىما أنت بالتنفيد بالمحقوق
فربا الرجوع إلى العراق وحلّهابمصر فريق بعد جمع فريق
وقال أحمد بن الطيب تلميذ الكندي: مدينة السلام شريفة المكان، كثيرة الأهل، واسعة الشكل، بعيدة القطر، جليلة الولاية نبيهة السلطان، ينبوع الآداب ومنبت الحكم. يأتيها برد الآفاق وخطباء البلاد. ما فعل فيها من خير فمشهور وما علن فيها من شر فمستور. منها الفقهاء والقضاة والأمراء والولاة.
عتاد الخلافة ودار أهل الدعوة. وإن لها لجنسا من السعادة ولأهلها نوعا من الرئاسة، وذلك أنه قلّما اجتمع اثنان متشاكلان وكان أحدهما بغداديا، إلّا كان
المتقدم في لطيف الفطنة وحسن الحيلة، ليّن المعاملة جميل المعاشرة حلو اللفظ مليح الحركات ظريف الشمائل.
فأما ما ينبغي أن تفهمه من عيبها وتقف عليه من مذموم أمرها فهو أن بعض ما عددت محاسنها يعود فيصير عيبا لها وقبيحا من أمرها. وذلك أن سعتها أفرطت حتى صارت مساحتها أربعة فراسخ. والذي هذه مساحته إذا كان قريبا معتدلا يحيط به حائط طوله ثمانية فراسخ. يكون ذلك أربعة وعشرين ميلا. وإذا كان هذا هكذا واحتيج إلى حراسة هذه المدينة واحتاج سلطانها التحصن فيها، فأقل ما يحتاج إليه من الحفظة وأصحاب المجانيق والعرادات في كل ميل ألف رجل يكون جملتهم على حسب ذلك أربعة وعشرين ألف رجل. فإذا لم يحفظ هذه المدينة أهلها متبرعين ذلك أو مضطرين، فأقل ما تحتاج إليه لأرزاق وحفظتها على اختلاف أحوالهم وقائد وعريف وتابع وما يحتاج إليه لمؤن المدادين في المجانيق والعرادات ومؤن الموكلين بهم والقوام ومرمّة أسلحتهم وما يتصل بذلك من أثمان الآلات ومرمتها ما يكون لو ضرب بعضه في بعض على أحسن التقديرات عشرة دراهم كل يوم. ولكل رجل زهاء مائتي ألف درهم وأربعين ألف درهم في كل يوم. فإذا أقاموا على ذلك شهرا، احتاج هؤلاء الحفظة دون المقاتلة إلى سبعة ألف ألف درهم ومائتي ألف درهم. فإن كان المتحصّن مختلا فقد أتي من مأمنه ودخل عليه في حصنه. ولذلك ما أنفق محمد بن عبد الله بن طاهر في سنة المستعين والفتنة، زهاء مائة ألف ألف درهم على حفظ السور والمقاتلة. ولقد دخله خلل وهجم على المدينة من ناحية بغوبربا حتى ناحية السور ونقص من الإحاطة شيء له قدر. فهذا أحد العيوب أيضا. فإن الخليفة الذي رسم هذه المدينة التي يحامى عليها من الأطراف الشاسعة والثغور النائية. وإن القطب الذي عليه المدار والقبة التي ينفذ منها التدبير لمتوسطها بين أقصى المشرق وأبعد نهاية المغرب. وكذلك هي في توسط ما بين الشمال والجنوب. وذلك أن كثرة أهلها تدعو إلى شدة الحاجة، وإلى كثرة الميرة لها. ولذلك ما يحتاج أهلها إلى ميرة من أقصى ديار مصر. وبينها وبين ذلك مائة وعشرون فرسخا. ويحتاجون من البعد
موضع في ديار ربيعة وأشسع مكان من أعلى الموصل. وبينهم وبين أدنى تلك المواضع نحو المائة فرسخ. فلو اعترض معترض فقطع ميرة ديار ربيعة والموصل عنهم ثم كان المتحصن أفضل الأئمة عدلا فضلا عن أمير أو رئيس لاضطروا إلى إخراجه ونفيه عن جوارهم ولا سيما وهم لا يخافون لكثرة عددهم وجليل قدرهم وكثرة السلاح فيهم، وهم مستلئمون فيها. [ولهذا] السبب أيضا لا يمكن أن يتحصن بها ملك. ألا ترى إلى الملوك الذين دوّخوا البلاد وملكوا العباد، وبنوا المدن وحفروا الأنهار وعمروا الأرض وساسوا الملك وقارعوا الملوك، لما اتخذ مدينة جعل السور يحيط بالساكنين وبموضع مزدرعهم كما هو موجود بأرض بابل وبناحية سمرقند وبخارا.
وأنت إذا ما سألت عن مدن الشرق والغرب والشمال والجنوب، وجدت الأمر على ما وصفت لك، إلّا المدن المحدثة التي بنتها العرب في الإسلام وهي الكوفة والبصرة وبغداد. ولم تؤت الملوك القدماء من قلة معرفة ولا من جهل بصواب التدبير والسياسة.
فأما واسط وسرمرى فعسكران، وذلك أن واسط بناها الحجاج منزلا لنفسه ومعسكرا لجند أهل الشام، ربأ بهم من مجاورة أهل العراق ومعاملتهم. وأهل العراق حينئذ أهل الكوفة والبصرة. ولقد أحسن في اختيار الموضع لأنه جبلي سهلي بري بحري عذب الماء طيب الهواء، يوجد فيه الثلج والرطب، والقبج والسمك. وإنما كانت واسط مدينة كسكر وجؤجؤ تحضنه المياه. وواسط على حال أجمل من سرمرى وذلك أن ابن هبيرة تحصن بحصن واسط وقد انتشرت المسودة فيما بين أقصى خراسان إلى مصر، والمنصور مقيم عليه في سادات أهل خراسان وذوي البأس والنجدة من أهلها، فما وصل إليه إلّا بعد إعطائه إياه الأمان وبذل جميع ما اشترط لنفسه.
فأما سرمرى فإن المعتصم تنحى إليها عن مدينة السلام لسببين أحدهما تبعيدا لمواليه الأتراك عن أمناء الدعوة من أهل مدينة السلام. والثاني أن ما دون عكبرا
وآخر ديار ربيعة إنما هو منازل الشراة. فأراد أن ينزل في وسط ديارهم فيشدّ بهم ويدفع عاديتهم.
وسر مرى ضاحية لا سور يحصنها ولا خندق يمنعها ولا ميرة تقرب منها.
وإنما يشرب جماعة من فيها من النهر الأعظم. وربما رأيتها إذا اشتد الحر والتهب الهجير واجتذم القيظ والراوية في بعض المواضع في بعض الأوقات بدرهمين وأكثر. هذا في السلم والأمن. فمن حق ما كان مثل هذه من المدن والكور أن يكون سكانها شجعانا انجادا أبطالا يحمون أنفسهم ويدفعون عن حوزتهم معاقلهم السيوف وتجارتهم الحروب. وإلّا فإن أناخ عليها منيخ واعتمد على من فيها بكلكله ما كان إلّا بمنزلة من يحرض بريبة وينازع بخروج نفسه، وليس هكذا أهل بغداد. لأن لهم آبارا يستعذبون ماءها ويستغنون عن نهرهم الأعظم بها.
ولكن من جميل أمر بغداد أن السلطان آمن من أن يغلب عليها رئيس لبعض الآراء، كغلبة الطالبين كثيرا بالشيعة على أهل الكوفة، وذلك أن ببغداد من مخالفي الشيعة من يقرن بالشيعة، وبها من مخالفي المعتزلة من يقرن بالمعتزلة. وبها من مخالفي الخوارج من يقرن بالخوارج. فكل فريق يقاوم ضده ويدفعه عن أن يرئسه.
فقد تركوا الرئاسة للسلطان وربحوا تسليط الفناء والتفاني بالحرب. ولكنه ربما عرضت الآفات وهجمتهم، وذلك أنه إذا اتصلت المكاره عليهم ودام فيهم جور الولاة وعوملوا من التعنت وطلب الرشى ما لا يحتمله إلّا الذليل وذو العدة القليل تهايجوا وفزعوا إلى التطوع فحدث منهم مثل الذي حدث عند خروجهم مع سهل بن سلامة في أرباض الحربية. فإنه اجتمع لما تطوّع ودعا إلى إنكار المنكر، زهاء خمسمائة ألف إنسان، وكما هاجوا عند تأذيهم بمحمد بن أوس وصعاليكه القادمين مع سليمان بن عبد الله. فإن الصعاليك لما أسرفوا في الفسق
والفجور، تهايجوا من جانبي مدينة السلام قاصدين منزل محمد بن أوس. فلقد كنت منصرفا في ذلك الوقت من جانب الغربي أريد الجانب الشرقي فوقفت موقفا أتبين فيه من يعدو من الجانب الغربي يريد منزل ابن أوس، واحترست من الإسراف، وظننت أن من عبر إلى أن انصرف بالغنيمة والنهب أكثر من مائتي ألف إنسان. فهذا مما ينبغي أن تعتقده في هذه المدينة.
فأما القطع الذي مدينة السلام منه، فأفضل مواضع الأرض جميعا في الطيب والغذاء. وذلك أن أطيب حيّز الدنيا بعد الأمن والعافية والعز والسلامة والرئاسة والشرف، صلاح الماء والهواء. فأفضل أنهار هذا العالم وأعذبه ماء وأصحه هواء وأكثره خيرا، دجلة والفرات. وذلك أن الفرات يسيل إلى بغداد بجميع الشام وسواحل بحر الروم ومصر وما وراء مصر إلى المغرب، وما بين المغرب ونهاية العمران في الشمال وما يأتي به أيضا من قطع بحر الشام عرضا، حتى قرب من جزيرة نيطس وقسطنطينية. لأن الروم والأندلس والخزر والصقالبة والبربر على هذا البحر فهو يقطع عرضا فيحمل الخزر من شماله إلى جنوبه، ويحمل الأندلس من جنوبه إلى شماله. ولذلك نعجب أن يؤتي بسبي الأندلس في دجلة، والخزر في الفرات.
وهذا البحر من أنطاكية إلى جزائر السعادة ومنه خليج يخرج مما يلي الأندلس حتى يبلغ السوس الأقصى، ويصير من ناحية أنطاكية إلى ناحية قسطنطينية ثم يدور حتى الخزر. وعلى ساحل هذا البحر طرسوس والمصيصة وأطرابلس وصيدا ويافا وعسقلان والإسكندرية. وعليه من ناحية قصر دمياط والفرما. وفيه قبرس وصقلية. فكلما على هذا البحر أو وصل إليه أو قرب منه فصار في جنوبه، وأريد به العراق مما يلي ديار مضر، فطريقه في الفرات، وكلما كان في شماله وعدل به إلى ناحية ديار ربيعة وبلاد الموصل وأريد به العراق فطريقه في دجلة، ولدجلة أنهار تأتي فكلما قصد به بلاد الموصل من أرمينية وآذربيجان.
والفرات ودجلة جميعا يتصلان ببحر الحبشة الذي له ذنب مما يلي العراق من ناحية الأبلة. والأبلة أشد مواضع البحر دخولا في الشمال، والأبلة كأنها راوية لهذا الذنب ويمرّ الماء على شكل مثلث يتسع كلما بعد من الزاوية التي تلي الأبلّة حتى يهجم على معظم البحر. ولهذا الذنب ساحلان وهما الضفتان يخرجان من الزاوية ويتسع بعدهما كلما طال امتدادهما، فأحد هذين الساحلين يقال له الأهوازي الفارسي، وهو الذي عليه دورق وماهرويان وجناباد وسينيز وسيراف وتيز ومكران والديبل، والساحل الآخر يعرف بالعربي وهو الذي عليه اليمامة وعمان ومهرة والشحر. وهذا البحر متصل بالصين.
فدجلة والفرات يتصلان بالبطائح ويتصلان منهما بالأبلة ومن الأبلة يركب العراقيون في هذا البحر، فمن هذين النهرين خيرات أكثر الشرق والغرب والشمال والجنوب.
وقال ابن عباس: أوحى الله إلى دانيال الأكبر أن افجر لعبادي نهرين واجعل مغيضهما البحر، فقد أمرت الأرض أن تطيعك. فأخذ خشبة وجعل يجرها في الأرض والماء يتبعه، فكلما مرّ بأرض يتيم أو أرملة أو شيخ كبير ناشدوه الله فيحيد عنهم، فعواقيل دجلة والفرات من ذلك.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع