تَـقَـطَّعـَتِ الأَرحـامُ بَـيـنَ العَـشـائِرِ
الشاعر: علي بن أبي طالب الأعمى · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر علي بن أبي طالب الأعمى، من العصر العباسي، وتقع في 40 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تَـقَـطَّعـَتِ الأَرحـامُ بَـيـنَ العَـشـائِرِ — وَأَسـلَمَهُـم أَهـلُ التُـقـى وَالبَـصائِرِ
وَحَـلَّ اِنـتِـقـامُ اللَهِ مِن خَلقِهِ بِهِم — لِمـا اِجـتَـرَمـوهُ مِن رُكوبِ الكَبائِرِ
فَـلا نَـحنُ أَظهَرنا مِنَ الذَنبِ تَوبَةً — وَلا نَـحـنُ أَصـلَحـنا فَسادَ السَرائِرِ
وَلَم نَــســتَــمِــع مِــن واعِـظٍ وَمُـذَكِّرٍ — فَــيَــنـجَـعَ فـيـنـا وَعـظُ نـاهٍ وَآمِـرِ
فَـنَـبـكـي عَلى الإِسلامِ لِما تَقَطَّعَت — رَحــاهُ وَرَجــى خَــيــرَهـا كُـلُّ كـافِـرِ
فَـأَصـبَـحَ بَـعـضُ النـاسِ يَقتُلُ بَعضَهُم — فَـمِـن بَـيـنِ مَـقـهـورٍ ذَليـلٍ وَقـاهِـرِ
وَصـارَ رَئيـسُ القَـومِ يُـحَـمِّلـُ نَـفـسَهُ — وَصــارَ رَئيــسَــاً فـيـهُـمُ كُـلُّ شـاطِـرِ
فَــلا فــاجِــرٌ لِلبَـرِّ يَـحـفَـظُ حُـرمَـةً — وَلا يَـسـتَـطـيـعُ البَـرُّ دَفعاً لِفاجِرِ
فَمِن قائِمٍ يَدعو إِلى الجَهلِ عامِداً — وَمِـــن أَوَّلِ قَـــد سَــنَّ عَــنّــا لِآخِــرِ
تَـراهُـم كَـأَمـثالِ الذِئابِ رَأَت دَماً — فَـأَمَّتـهُ لا تَـلوي عَـلى زَجـرِ زاجِـرِ
إِذا هَـــدَمَ الأَعـــداءُ أَوَّل مَــنــزِلٍ — بِـسَـعـيِهِـمُ قـامـوا بِهَـدمِ الأَواخِـرِ
فَـأَصـبَـحَـتِ الأَغـنـامُ بَـيـنَ بِيوتِهِم — تَــحُــثُّهــُم بِــالمُـرهَـفـاتِ البَـوائِرِ
وَأَصــبَـحَ فُـسّـاقُ القَـبـائِلِ بَـيـنَهُـم — تَــشُـدُّ عَـلى أَقـرانِهـا بِـالخَـنـاجِـرِ
فَـنَـبـكـي لِقَـتـلى مِن صَديقٍ وَمِن أَخٍ — كَــريــمٍ وَمِــن جـارٍ شَـفـيـقٍ مُـجـاوِرِ
وَوالِدَةٍ تَـبـكـي بِـحُـزنٍ عَـلى اِبنِها — فَـيَـبـكـي لَهـا مِـن رَحـمَـةٍ كُلُّ طائِرِ
وَكَـفَـت بِحُسنِ الصَّبرِ بَعدَ اِنتِحابِها — عَــلَيـهِ وَلكِـن دَمـعُهـا غَـيـرُ صـابِـرِ
وَذاتِ حَــليــلٍ أَصــبَــحَــت وَهِــيَ أَيِّمٌ — وَتَـبـكـي عَـليـهِ بِـالدُموعِ البَوادِرِ
تَـقـولُ لَهُ قَـد كُـنـتَ عِـزّاً وَنـاصِـراً — فَـغُـيِّبـَ عَـنِّيـَ اليَـومَ عِـزّي وَنـاصِري
وَأَبــكــي لِإِحــراقٍ وَهــدمِ مَــنــازِلٍ — وَقَـتـلٍ وَإِنـهـابِ النِهـى وَالذَخـائِرِ
وَإِبــرازِ رَبّــاتِ الخُــدورِ حَـواسِـراً — خَــرَجــنَ بِــلا خُــمــرٍ وَلا بِــمــآزِرِ
تَـراهـا حَـيـارى لَيـسَ تَـعرِفُ مَذهَباً — نَـوافِـرَ أَمـثـالِ الظِـبـاءِ النَوافِرِ
كَـأَن لَم يَـكُـن ديـنٌ وَلَم تَـكُ غَـيرَةٌ — فَـيُـخـرِجُهُـم عَـن هَـتكِ سِترِ الحَرائِرِ
كَـأَن لَم تَـكُـن بَـغدادُ أَحسنَ مَنظَراً — وَمَــلهــىً رَأَتــهُ عَـيـنُ لاهٍ وَنـاظِـرِ
بَـلى هَـكَـذا كـانَـت فَـأَذهَـبَ حُـسنَها — وَبَـدَّدَ مِـنـهـا الشَملَ حُكمُ المَقادِرِ
وَحَـلَّ بِهِـم مـا حَـلَّ بِـالنـاسِ قَبلَهُم — فَـأَضـحَـوا أَحـاديـثـاً لِبـادٍ وَحـاضِرِ
أَبَـغـدادُ يـا دَارَ المُـلوكِ وَمُجتَنى — صُـنـوفِ المُـنـى يا مُستَقَرَّ المَنابِرِ
وَيا جَنَّةَ الدُنيا وَيا مَطلَبَ الغِنى — وَمُـسـتَـنـبَطَ الأَموالِ عِندَ المُتاجِرِ
أَبـيـنـي لَنـا أَيـنَ الَّذيـنَ عَهِدتُهُم — يَـحُـلّونَ فـي رَوضٍ مِـنَ العَـيـشِ ناضِرِ
وَأَيـنَ المُـلوك في المَواكِبِ تَغتَدي — تُـشَـبَّهـُ حُـسـنـاً بِـالنُـجومِ الزَواهِرِ
وَأَيـنَ القُـضـاةُ الحـاكِمونَ بِرَأيِهِم — لِوَردِ أُمــورٍ مُــشــكِــلاتِ المَـصـادِرِ
أَوِ القـائِلونَ النـاطِـقـونَ بِـحِـكمَةٍ — وَرَصــفُ كَــلامٍ مِــن خَــطـيـبٍ وَشـاعِـرِ
وَأَيـنَ الجِـنـانُ المُـؤنِقاتُ بِحُسنِها — وَأَيـنَ قُـصـورُ الشَـطِّ بَـيـنَ العَوامِرِ
وَأَيـــنَ مَـــراحٌ لِلمُــلوكِ عَهِــدتُهــا — مُـزَخـرَفَـةً فـيـهـا صُـنـوفُ الجـواهِـرِ
تُـرَشُّ بِـمـاءِ المِـسكِ وَالوَردِ أَرضُها — تَـفـوحُ بِهـا مِـن بَعدُ ريحُ المَجامِرِ
وَراحَ النَــدامــى فــيـهِ كُـلَّ عَـشِـيَّةٍ — إِلى كُــلِّ فَــيّـاضٍ كَـريـمِ العَـنـاصِـرِ
وَلَهــوُ قَـيـانٍ يَـسـتَـجـيـبُ لِنَـغـمِهـا — إِذا هُـوَ لَبّـاهـا حَـنـيـنُ المَـزامِـرِ
فَـمـا لِلمُـلوكِ الغُـرِّ مِـن آلِ هـاشِمٍ — وَأشياعِهِم فيها اِكتَفوا بِالمَفاخِرِ
يَــروحــونَ فـي سُـلطـانِهـم وَكَـأَنَّمـا — يَـروحـونَ فـي سُـلطانِ بَعضِ المَعاشِرِ
تَــخــاذَلَ عَــمّـا نـابَهُـم كُـبَـراؤُهُـم — فَـنـالَتـهُـم بِالظُلمِ أَيدي الأَصاغِرِ
فَـأُقـسِـمُ لَو أَنَّ المُـلوكَ تَـنـاصَروا — لَذَلَّت لَهـا خَـوفـاً رِقـابُ الجَـبـابِرِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الكبائر: البَائر [بور] فا.-: الهالك-: الكاسد؛ هذه سلعة بائرة.- من الأعمال: ما لم يحقق المقصودَ منه.-: الضالُّ التائه (رجل حائِرٌ بائِرٌ) ج بُؤْرٌ وبورٌ.
- انتقام: الانْتِقَامُ : مصـ.-: المعاقبة أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ .-: الأخذ بالثأر؛ عَزمَ على الانتقام من المعتدي.
- خيرها: خير: الخَيْرُ: ضِدُّ الشَّرِّ، وَجَمْعُهُ خُيور؛ قَالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: ولاقَيْتُ الخُيُورَ، وأَخْطَأَتْني ... خُطوبٌ جَمَّةٌ، وعَلَوْتُ قِرْني تَقُولُ مِنْهُ: خِرْتَ يَا رَجُلُ، فأَنتَ خائِرٌ، وخارَ اللهُ لَكَ؛ …
- ذليل: الذَّلِيلُ : الضَّعيفُ المُهان / البيتُ الذليل، هو القريب السقف من الأرضِ / الرُمحُ الذليلُ، هو القصيرج أذِلاّءُ وأَذِلَّةٌ وذِلاَلٌ.