تجاوز إلى المحتوى

من «البلدان» لابن الفقيه الهمذاني (ت نحو ٣٤٠هـ)

مجلس الكوفيين والبصريين عند المأمون (٥)

ومبتدأ دجلة من أرمينية الرابعة ثم تمر إلى جانب قردى وهي قرية الثمانين التي بناها نوح ﵇، ثم تمر بين [باسورين] ثم تأخذ على بلد والموصل والحديثة والسن وتكريت وسرمرى، تصب في البطيحة حيث يغيض الفرات فيجتمعان ويمران بالبصرة ثم الأبلة ثم يصيران إلى البحر.

ومخرج دجلة من جبال آمد، ومخرج الفرات من بلد الروم، حتى يصب في دجلة. وبين بغداد وواسط يتشعب شعبا كثيرة إلّا أن عموده يمضي حتى يغيب بالكوفة ويصب مما يلي جنبلاء في البطيحة. وليس عمود الذي يصب بالبطيحة يأتي بخير من بحر الحبشة الذي مرقاه الأبلة، ولكن بسعته التي تتعرج من عموده ويأخذ في

نهر الرفيل، ويأتي إلى المحول ونهر عيسى ويصب في دجلة بكرخ بغداد، فما ركب هذين البحرين أو جاورهما فهم أهل الماء العذب والهواء العدي.

وأخبرني بشيء عجيب تذكره العلماء على وجه الدهر، وذلك أنهم يقولون إن أقام الغريب ببلد الموصل تبين في بدنه فضل قوة، وإذا أقام الغريب بالأهواز سنة تبين في بدنه وعقله نقصا. وإن الغريب إذا أقام بالتبت سنة دام سروره واتصل فرحه. وما نعرف لجميع ما قلنا سببا إلّا لصحة هواء الموصل وعذوبة مائها، ولرداءة نسيم الأهواز وتكدر جوّه. فأمّا علة التبت فغير معلومة.

وقال لي علي بن الجهم إنه قد سافر أسفارا أبعد فيها، مشرقية ومغربية، وانه ألزم نفسه العناية يتعرف طيب الهواء وعذوبة الماء. فلم ير موضعا أجمع للتمام في ذلك من أرباض مدينة السلام في الجانب الغربي.

وقد ظننت أن علي بن الجهم أفرط في هذا القول بالعصبية لحب الأوطان.

إذ كانت هذه الناحية منزله. ولقد كنت أفكر كثيرا في نزول الملوك المدائن من أرض الفرات ودجلة، فوقفت على أنهم توسطوا مصب الفرات ودجلة.

هذا على أن الإسكندر لما سار في الأرض ودانت له الأمم وبنى المدن العظام في المشرق والمغرب، رجع إلى المدائن وبنى فيها مدينة وسوّرها، وهي إلى هذا الوقت موجودة الأثر، وأقام بها راغبا عن بقاع الأرض جميعا وعن بلاده وطنا حتى مات.

وقد كان [بنى] بخراسان العليا سمرقند ومدينة الصغد وبخراسان السفلى مرو وهراة. ثم بالمغرب الإسكندرية، وبنى بالهند سرنديب. وبناحية إصبهان جيّ، وبنى مدنا أخر كثيرة حول الأرض فلم يختر منزلا إلّا المدائن، وإنما سميت المدائن المدينة العتيقة لأن زاب الملك الذي بعد موسى ﵇ أنشأها بعد ثلاثين سنة من ملكه. وحفر الزوابي وكورها وجعل المدينة العظمى المدينة العتيقة.

يقول العجم: إن الضحاك الملك الذي كان له بزعمهم ثلاثة أفواه وست

أعين بنى مدينة بابل العظيمة. وكان ملكه ألف سنة إلّا يوما واحدا ونصفا، وهو الذي أسره أفريدون الملك فصيّره في جبل دنباوند. والموسم الذي أسر فيه تعتده المجوس عيدا وهو المهرجان.

وقد بنى بهمن بن إسفنديار همينيا، وبنى شابور بن هرمزد ذو الأكتاف فيروز شابور وهي الأنبار. فأمّا لم سميت هذه الناحية من البلاد إيرانشهر ومعناه بالعربية بلاد إيران، فهو أن أفريدون قاتل بيوراسف قسم الأقاليم السبعة بين ثلاثة أولاد كانوا له. فدفع إلى إيران هذا القطع فعرف به. ولجلالة قدره وبلده حسده أخواه فقتلاه.

فأما أنو شروان بن قباد- وكان من أجلّ ملوك فارس حزما ورأيا وعقلا- فإنه بنى المدائن وأقام بها هو ومن كان بعده من ملوك ساسان إلى خلافة عمر بن الخطاب ﵁.

فأما الملوك الأول، أعني ملوك النبط وفرعون إبراهيم، فإنهم كانوا نزولا ببابل. وكذلك بخت نصر الذي تزعم السير أنه أحد من ملك الأرض جميعا.

انصرف بعد ما أحدث، يعني إسرائيل ما أحدث إلى بابل.

وكفاك أن الإقليم الرابع أجمع يعرف بإقليم بابل، وحدود هذا الإقليم على ما رواه بعض القدماء- لا على ما ذكره المنجمون- وأصحاب الاثر والنظر في أمور الأقاليم بعروض البلدان ومقادير ساعاتها وارتفاع أنصاف النهار في كل بلد. فإن هؤلاء إذا حصلوا أمر بغداد قالوا: عرض وسط الإقليم الثالث، أي [انّ] بعده من خط الاستواء ثلاثون درجة واثنان وثلاثون دقيقة. وعرض وسط الإقليم الرابع ست وثلاثون درجة وتسع دقائق.

فبغداد إذا عندهم كأنها بين وسطي الإقليمين إلّا بقدر بالاثنين والثلاثين الدقيقة التي يزيدها وسط الإقليم الثالث على الثلاثين الدرجة. وكذاك يقولون إن

ساعات وسط الإقليم الثالث أربع عشرة ساعة. وساعات الإقليم الرابع أربع عشرة ساعة وخمس ساعة. فساعات بغداد عندهم كأنها وسط بين ساعات إلّا بقدر ما بين النصف الذي مع ساعات الإقليم الرابع وبين الخمس الساعة الذي مع ساعات بغداد على ما يقوله المنجمون المحصلون. فأمّا ما يقوله أولئك الرهط فإنهم يقولون: إن بغداد من الإقليم الرابع ويقولون إن حدود هذا الإقليم مما يلي أرض الهند، الديبل، ومما يلي أرض الحجاز، الثعلبية، ومما يلي الشام، نصيبين، ومما يلي خراسان، نهر بلخ، فقد دخل فيه ما دون النهر من خراسان والجبال كلها، والعراق ودجلة كلها، لم يعرف إلّا ببابل. وأنت تعلم أن الناس إنما ينسبون الشيء إلى الأفضل المشهور. فلو أن بابل [لم تكن] كذلك ما نسبوا الإقليم إليها.

وذكر أصحاب السير أن بابل إنما سميت بابل لأن الألسن اختلفت بها وتبلبلت فيها. وأن الملوك والناس اجتمعوا فيها ثم تفرقوا منها.

فأما ذورثيوس الحكيم فإنه في صدر كتبه الخمسة التي في المواليد وابتداء الأعمال هذا القول: إني قد وطئت بلادا كثيرة حتى أتيت إلى البلاد العامرة ذات الأرباب الكثيرة ومصب الفرات وهي أرض بابل ذات الأبنية المنيفة والقصور المشيدة.

ومع هذا فإن هذا الإقليم وسط الأقاليم السبعة والمعتدلة. وذلك الموضع الذي ينقسم الزمان أربعة أقسام فلا يخرج فيه من شتاء إلى صيف حتى يمر بنا فصل الربيع، ولا يخرج من صيف إلى شتاء حتى يمر بنا فصل الخريف. وكفى بهذا الإقليم فضيلة أن أكثر أموال المملكة تجبى منه لفضل عمارته وخيره من غير أن يحتاج له من النفقة إلّا إلى الجزء اليسير من ارتفاعه. وغيره من الأقاليم ربما احتاج إلى أن ينوبه غيره ويقوم به سواه فيكون عالا مع كزازة أهله وتباعده من الاعتدال

ولا سيما السادس والسابع والأول والثاني. فأما الثالث والخامس فلأنهما يقيدان الرابع المتوسط ويكتنفانه وهما يشبهانه في كثرة الخير وقلة المؤونة وحسن الاعتدال. ويقال إن الملك الأعظم والمدبر الأكبر ينبغي أن يكون منزله هذا الموضع أعني الإقليم الرابع.

ومن الإقليم الرابع اشتراك دجلة والفرات. فإن بغداد إنما بعدت عن حقيقة قبة الأرض ووسط ما بين المشرق والمغرب وعشرين جزءا فقط. وهي بالحقيقة وسط ما بين خط الاستواء ونهاية العمارة في الشمال. وذلك أن المنجمين يقدرون نهاية العمارة في الشمال ستة وستين جزءا عن خط الاستواء. وبعد بغداد عن خط الاستواء، النصف، وهو ثلاثة وثلاثون جزءا. فالمدبر إذا توسط في هذا الموضع كان بعده من إفريقية وبرقة وصنعاء اليمن والشاش وفرغانة وباب الأبواب التي عملها أنوشروان حاجزا بين أرض الفرس والخزر في البحر الخراسان شبيها بالمتقارب. ولو ذهب مدبر برقة وإفريقية ومخاليف اليمن ومن هو مقيم وراء النهر من خراسان لما انتظم التدبير. وكذلك لو دبرت ممالك بعد خراسان وثغر أرمينية من الإسكندرية والفرما لما صحّ ولا انتظم.

ولقد كان أحد أسباب انتقاض أمر بني أمية نزولهم الشام. وذلك أنهم اضطروا إلى أن يكاتب عمال خراسان صاحب العراق لقرب المسافة في اتصال الأخبار وإمضاء التدبير. فلما ولّوا نصر بن سيار الليثي خراسان أمر أن يكاتب يزيد بن عمر بن هبيرة. فخاف نصر على مكانه. فكان نصر إذا كتب من خراسان في أمر المسودة لم ينه يزيد خبره إلى مروان، لأنه كان يحب أن يقتل نصر. ونسي يزيد أن غلبة أبي مسلم على خراسان سبب الغلبة على الجبال، وأن ذلك إذا استحكم لم تكن له همة إلّا نزول العراق فلما انطوى عن مروان بيزيد بن عمر، اجتاز نصر بن سيار أفسد وجه التدبير. ولو كان مروان بالعراق مقيما لم يحتج أن يكون يزيد بينه وبين خراسان متوسطا.

ومروان بن محمد كان شيخ [بني] مروان وعضلتهم وشيخهم وذا التجربة منهم. وكان ذاهنا فطنا وكان لذلك ينسب إلى الزندقة. وإنما سمي مروان الجعدي بالجعد بن درهم، رجل كان يرمى بالزندقة. وكان مؤدب مروان فيقولون إنه هو فتح له بابها وحمله عليها. ولم يزل مروان عاملا لخلفاء أهله من بني أمية على ثغر أرمينية دهرا طويلا يفتح الفتوح ويقارع الأعداء.

ويروى أن المهدي سأل المنصور فقال: كيف كان يا أمير المؤمنين أمر مروان؟ فقال المنصور: لله درّ مروان. ما كان أسوسه وأعفه وأشجعه. ولكن خانه أمناؤه وطووا الأخبار عنه. ولقد كان نصر بن سيار في ذلك الوقت فارس خراسان، فلم يزل ينصح ويكاتب ابن هبيرة ومروان لا يعلم بما هو فيه. فلما طال ذلك عليه قال شعرا فيه:

أرى تحت الرماد وميض ناروأوشك أن يكون لها ضرام
فقلت من التعجب ليت شعريأأيقاظ بني أميّة أم نيام

فلم ينفعه ذلك شيئا. فماطل ابن هبيرة نصر بن سيار حتى ذهب الفرع والأصل. وكان أمر الله قدرا مقدورا.

ومن الأسباب المؤكدة لصلاح موضع بغداد أن المنصور كان أحزم ملك وخليفة ولي منذ عهد معاوية إلى هذا الوقت. وقد جال الأرض فبلغ طنجة وأقام بالبصرة ودخلها غير مرة. وكان نزوله فيها على رجل يقال له أزهر السمان. وقد كان أيضا ولي كورة من كور الأهواز أيام بني أمية. وكان في أصحاب عبد الله بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لمّا خرج على بني مروان، وبلغ معه إلى إصبهان.

فكان يحج ويجاور بمكة ويدخل الكوفة فيقيم بها أيضا. وجول بلدان الجزيرة وديار بني ربيعة ومضر وكان مع أبيه وعمومته بالشراة وكان مع هذا طلّابة للأدب والعلوم محبا للسياسة بعيد الهمة. وكان جيد الرأي والتدبير. وتمثّل لما قتل أبا مسلم- وأراد بهذا البيت أنه لم يشاور أحدا-:

طوى كشحه عن أهل كلّ مشورةوبات يناجي نفسه ثمّ صمّما

وهو الذي يقول فيه ابن هرمة وذكر أنه لا يشاور أحدا فيما يهمّ به:

إذا ما أراد الأمر ناجى ضميرهفناجى ضميرا غير مختلف العقل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره»
ولم يشرك الأدنين في جلّ أمرهإذا انتقضت بالأضعفين قوى الجبل

وهو الذي قال لعيسى بن موسى لمّا استرجع حين رأى أبا مسلم على طرف البساط قتيلا: يا عيسى! لا تسترجع واحمد ربك. فإنك هجمت على نعمة ولم تهجم على مصيبة وتمثّل:

وما العجز إلّا أن تشاور عاجزاوما الحزم إلّا أن تهمّ وتفعلا

فبهذا الحزم وهذه التجربة وبعد هذه الهمة والأسفار الكثيرة ومشاهدة البلدان البعيدة، رأى أن يختار هذا الموضع مدينة ومنزلا مستقرا. هذا وخراسان تنهض وفي أكناف الشام جماعة من بني أمية يحاولون طلب الملك. وبالحرمين طالبيون يرون أنهم أحق الناس بالملك. ثم لمّا عزم على بنائها ورآها أهلا، وكل بها جلة قواده ورؤسائه. فقسمها أرباعا ودفع كل ربع إلى قائد ووكله ببنائه.

ولقد أمكن المنصور الإشراف على خراسان عند خلع عبد الجبار بن عبد الرحمن إياه، حتى أخذه أسيرا. كما أمكنه الإشراف على مكة والبصرة عند خلع بني عبد الله بن الحسن بن الحسن ﵈. حتى بلغ من ذلك مراده لتوسط الموضع. ولتوسطه أيضا أمكنه أن يوجه المهدي إلى الري وطبرستان وجرجان وأن يوجه المهدي بالهادي إلى جرجان. وأن يوجه المهدي بالرشيد إلى صائقة الروم.

وأن يمضي الرشيد بنفسه يريد سمرقند. وأن يوجه المأمون لعبد الله بن طاهر إلى مصر، ويشرف على بابك بالجبال. وأن يفتح المعتصم طبرستان وعمورية ويأخذ بابك من البر. ولولا توسط بغداد لكان الأمر أعسر والمطلب أبعد والأخبار أبطأ.

والله يفعل ما يشاء.

ومن غريب سعادة بغداد، أنه لم يمت فيها خليفة قط حتف أنفه. وذلك أن المنصور بناها وتوفي ببئر ميمون ودفن بمكة. وتوفي المهدي بالروذراور من عمل الجبل. وتوفي الهادي بعيسى آباد. وتوفي الرشيد بطوس من أرض خراسان. وقتل

الأمين وحمل رأسه إلى خراسان، فهو في قهندز سمرقند. وتوفي المأمون بالبدندون ودفن بطرسوس. وتوفي المعتصم بسرمرى. وقتل المتوكل بسرمرى.

وقد أقام بمدينة السلام ثلاثة من الخلفاء عمر كل واحد منهم نيفا وعشرين سنة، وهم المنصور والرشيد والمأمون. ولم يمت بها منهم أحد.

وقد قيل إن نوبخت اختار لبنائها وقتا طالعه القوس وصاحبه المشتري.

وذكر بطليموس في برج المدينة إليه طالع الوقت، أول البرج الذي فيه القمر في الوقت. قال: وإن جهل ذلك من أمر المدينة، فمعرفة ذلك من طالع الملك الذي ابتناها. والحق أن يكون طالع مدينة السلام وطالع منشئها واحد، وذلك لسعادتهما واتفاق جميل الوصف لهما وفيهما.

وأنشد لدعبل يمدح بغداد ويذم سرمرى:

بغداد دار الملوك كانتحتى دهاها الذي دهاها
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بغداد دار الملوك »
ما غاب عنها سرور ملكأعاره بلدة سواها
ما سرّ مرّى بسرّ مرّىبل هي بؤس لمن رآها
عجّل ربّي لها خرابابرغم أنف الذي بناها
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «بغداد دار الملوك »

شعر:

يا دار أقوت وخفّ عامرهاأيّام تصطادنا جآذرها
أيام نحن بجيرة خلطينام قبل العشاء سامرها
إذ هي مثل العروس باطنهادلّ يصيد الهوى وظاهرها
جنة دنيا ودار مغبطةقلّ من النائبات واترها
كدرّة البحر ضمّها صدفغالى بأغلى البلاد تاجرها
درّت خلوف ألبانها لساكنهاوقلّ معسرها وعاسرها
وافترشت بالنعيم وانتفجتلهم بلذاتها خواصرها
فالقوم في روضة أنفأشرف غبّ القطار زاهرها
من غرّه العيش في بلهنيةلو أنّ دنيا يدوم غابرها
للشاعر الخُرَيْمي، اقرأ القصيدة
دار الملوك قرّت أسرّتهافيها وقرّت بهم منابرها
أهل القرى والندى وأنديةالمجد إذا عدّدت مفاخرها
أبناء دنيا في عزّ مملكةعزاها لهم أكابرها (!؟

وقال يزدجرد بن مهبنداد الكسروي: قد أكثر الناس في مدينة السلام إكثارا لم يحصلوا منه دليلا، ولا أفادونا به محصولا، ولم يزيدوا على أن يقولوا بلد ولا تشبه البلدان، وما أعجب الأمر فيه، وأبعد الشأو في تحديد من به من ساكنيه.

وأعظم شأنه في الشئون، وأعسر كون مثله على الدهور والسنين. كما لا يزيدون على أن يقولوا: فيه مائتا ألف حمام بل الضعف أو كالضعف من ذلك.

ومن المساجد كذا ومن الطرز كذا. فإذا أخذوا أو أكثرهم بتحصيل العلم في بدائع البلد وغرائب أنواعه حصلوا على خير قليل وحكم معلول.

ونستفتح القول باتباع أعدل الكلام وأبين الأعلام. ولا نقول كالذي قالوه في عدة الحمامات واعتقدوه في كثرة الدور والمساجد والطرازات، إشفاقا من الإسراف على السامعين. فإنّا إذا وجدنا كثيرا من الخاصة والعامة مذعنين بعدة الحمامات وإنها مائتا ألف حمام دون ما هو فوقها من الزيادات. ثم قال آخرون بل هي مائة ألف وثلاثون ألف حمام. واقتصر المقلل على مائة ألف وعشرين ألفا.

وهذا قول الشاه بن ميكال وطاهر بن محمد بن عبد الله. وكانا قد وقفا على ذلك من جهات وقتلاه علما من أمور صححت لهما ذلك حتى علماه ووقفا عليه وأتقناه.

وقد قال قوم بالزيادة على هذا وقال غيرهم بالنقص فرجعنا عند اختلافهم إلى حدّ رجونا أن يكون عدلا مفروضا وحكما مقبولا. واقتصرنا من عدد

الحمامات على ستين ألف حمام استظهارا. وجعلنا العلة في ذلك أن نأخذ بأوسط ما ذكروه من إعدادها. وما وجدنا الخاصة أو أكثرهم يدعيه في اعتقاده، وهو مائة وعشرون ألف حمام. وبه قال الشاه وطاهر فاقتصرنا على النصف من المائة والعشرين ألفا لئلا يقبح في التقدير وتجفو عنه الأسماع.

ثم نظرنا بقدر ما تحتاج إليه كل حمام من القوام الذين لا قوام لكمال الحمام بما هو دونهم. فوجدنا كل حمام يحتاج إلى أربعة نفر لا بدّ لها منهم: صاحب الصندوق والقيم والوقّاد وكناس الوقود. وربما أطاف بالحمام الواحد الضعف على هذه العدة. ولكنا ركبنا سنن الاستظهار في هذا المعنى وفي جميع ما تضمنا قصر القول به ليكون معينا على انتحاله، وأمانا من إبطاله.

فإذا وجدنا عدة الحمامات على ما رتبنا ببغداد وهو ستون ألف حمام، فقد حصل عدد من ذكرناه من القوّام وغيرهم ممن لا بد للحمام منهم، مائتا ألف وأربعون ألف قيم وغيره.

ثم وجدنا العيان وجدنا حكما ثانيا وهو أن نجعل على التقريب استظهارا لكل حمّام حجامين، فيحصل لنا أيضا من عدة الحجامين مائة ألف وعشرون ألف حجّام. فيكون عدة الحجامين وأصحاب الحمامات ثلاثمائة ألف وستين ألف حمامي وحجام.

ثم فرضنا أيضا بهذا التقريب والممكن المقرون به لكل حمام مائتي منزل قياسا على ترتيب المنازل والحمامات المعدودة بمدينة المنصور. فإنا وجدناه بحق كل حمام بها من المنازل نيفا على أربعمائة منزل. فاستظهرنا بإسقاط ما هو أكثر من النصف وفرضنا لكل حمام مائتي منزل فاجتمع من ذلك اثنا عشر ألف ألف منزل.

ثم وجدنا المنازل قد يجتمع في الواحد منها عشرون إنسانا وأكثر، وفي غيره إنسانان أو ثلاثة وما هو أقل من ذلك وأكثر. فاحتجنا إلى قسمة عدد يعتدل به العدد. فأسقطنا من العشرين نصفها وزدنا على الثلاثة ضعفها، ثم أمددنا

الاستظهار للحاشيتين معا. فنقصنا من العشرة سدسها وزدنا على الستة سدسها وجبرنا الحاشيتين ليحصل لنا أشرف نسب الأعداد وما يليق شكله بالحيوان وقسمة العمران وهو الثمانية من الأعداد فإنه نصف قطر المتقبلين بأمر الفروض.

فاجتمع لنا في كل منزل ثمانية نفر رجالا ونساء صغارا وكبارا. فاجتمع لنا من عدد الجماعة ستة وتسعون ألف ألف إنسان.

وقد قال الناس في أحوال البصرة وتفخيم شأنها أقاويل مختلفة يشبه بعضها بعضا. ففريق زعم أنها أعظم في مقدارها وأوضع في أقدارها من مدينة السلام.

وقال آخرون: بل هي في قدرها سواء. وقالوا: بل هي دونها وأصغر حدّا من حدها. ولم نرد في اقتصاص أقاويلهم هذه في البصرة تمثيلا أو تجميلا بين بغداد وبلد في العالم جميعا من البلدان سواها، ولا شيئا بذلك أكثر من تفخيم أمر البصرة وانها من الأمهات العظام ومن المدائن الجليلة من بلدان الإسلام.

ثم وجدنا حالا من الزمان قد ألجأ أهل البصرة جميعا كما ألجأ أهل الأبلة وسائر كور الأهواز وجميع العمران من كور دجلة ودستميسان وكسكر وآجام البريد وما بين هذه المدائن العظام وبين واسط العراق من الأنهار المشحونة بالحيوان الناطق برّا وبحرا. ثم كان بواسط من أهلها وسوادها وكور الصلح وكور المبارك ومأهولها. وفي حيّزها من القرى والبقاع المشحونة بالناس إلى مدائن النهروانات الثلاث، وما هو لكور النهروانات وبإزائها من الضياع وسقي جوخا، إلى حدود بادريا وباكسايا وحدود البندنيجين وسوادات طريق خراسان إلى بطن المدائن. ثم من كان في الجانب الغربي كمدائن الزوابي وسقي نيل الفرات وفم النيل إلى سوادات الكوفة وباروسما ونهر الملك، وما لابس الصراة إلى حدود جنبلاء إلى كثير مما لم نذكره ونحصيه، ولا نعلمه فنستوفيه. فيما بين كل بلد وقراه، وكل قرية ونظائرها ممن لا يحصي عددهم ولا يعلم كنه مددهم إلّا خالقهم، مستجيرين بمدينة السلام. فلم يلبثوا فيها ولا أغلوا منها سعرا. فإذا وجدنا هذا الحيوان الناطق الذين هم الناس، قد شغلوا من مساكنهم وأوطانهم مكانا من الأرض عريضا، وملأوا منها فناء فسيحا، قد ورد بهم المقدار وساقتهم الأقدار

مستجيرين محلا لا تضيق بهم دياره، ولا تمتلئ منهم أقطاره، ولا تغلوا بكثرتهم أسعاره، ولا يتحاكم في أقواتهم تجاره، ولا يعجز عن ميرتهم ممتاره. ولا يحس أهله بالواردين منهم إذا أتوا، ولا الصادرين إذا مضوا.

أفتحسب أيها الإنسان أن بلدا واحدا لا تخيل علينا أقطاره، ولا يذهب عنا مقداره، ولا تشتبه علينا طرقه، ولا فضل في مسالكه، يسع أجراما فتحركه، وأجساما فتصرفه. لا مقدار لعددها ولا سبيل إلى إحصائها، ثم لا يكون كثرة الناس فيه، وتحركهم في حواشيه إلّا قريبا مما كانوا وشبيها بما عرفوا. إن هذا لشأن عجيب وأمر ظريف.

وسنأخذ العيار من أخصر وجوه الكلام، ثم نجعل ذلك بين حالين لا يخرجان عن تحصيل الخاصة، كما لا يذهبان عن عقول العامة، يشتمل عليهما البرهان الموصول بحجة العيان.

ونصير إلى ذكر المسجد الجامع في الجانب الغربي بمدينة المنصور فنحصله ذرعا مكسرا ثم نقسم ذلك على المصلين فيه في آخر جمعة يجمع الناس من الشهر الشريف، أو أولها، بعد أن نعلم أن كل مصل سيشغل مركزا للصلاة لركوعه وسجوده وقيامه وقعوده ويكون خمسة أشبار في شبر لا تصح الصلاة بما هو دون ذلك من المراكز. ثم نضيف إلى أرباب الصلاة ببغداد الذي سلف منا ذكرهم من أهل البصرة والأبلة وسائر الكور التي عددناها، والمدائن التي ذكرناها وما هو بين ذلك وعن يمينه وشماله ومن خلفه وقدامه. فنجعلهم ضعفا لمن ضمّت بغداد من أهلها الراتبين فيها. وإن كان بالواجب في كثير من الأقاويل أن يكونوا أضعافا مضاعفة على ما ضمته من أهلها ومساكنها. وقد قلنا إن عدد من ببغداد من الناس رجالا ونساء، صغارا وكبارا ستة وتسعون ألف ألف إنسان. إذا أضعفوا بمن أضيف إليهم مائة واثنان وتسعون ألف ألف إنسان ثم سقط من هذه العدة بحق النساء والصبيان والمريض وأهل الذمة. وقد ذكرنا قدر مركز المصلي وأعلمنا أنه خمسة أشبار يضبط بها ركوعه وسجوده وقيامه وقعوده في شبرين لا تطيب الصلاة في دونها. وقد حصل من ذرع المسجد الجامع الغربي دون رحابه وما زيد فيه مائتا

ذراع في مائتي ذراع، يكون مكسرا أربعين ألف ذراع، وجبرنا رحابه وهي دونه في الذرع فجعلناها في القسمة مثلها فكانت مائتي ذراع في مثلها. فصار جميع ذرع المسجد الغربي في رحابه وبنائه وأركانه وأساطينه. فأسقطنا حصتها من الذرع استظهارا ثمانين ألف ذراع مكسرة معها من أهل الصلاة بها على ما فرضنا من مركز الصلاة الواجبة من عدد الناس، اثنان وثلاثون ألف إنسان. وهذا حكم القول في المسجد الشرقي منها ونحوه. فيكون إذا جمعنا ما يسع الجانبان ورحابهما من المصلين على ما ذكرنا أربعة وستين ألف إنسان. وهو جزء واحد من ألف جزء ممن قدرنا أنه يحضر، وهو الثلث من جميع أهل مدينة السلام ومن ذكرنا.

وهذا- يرحمك الله- عدة يستغرقها دون عدة الحجامين وقوّام الحمّام بمدينة السلام كما قد سلف من القول بكثير جدا. فإن الذي قرب البعيد وبسط القريب وجعل الصغير كبيرا والكبير صغيرا هو الذي استودع عقولنا الإقرار بقدرته على توسعة ما لا سبيل إلى اتساعه إلّا به، ولا حيلة في حطّه وارتفاعه إلّا عنه. والله يريكم آياته فأي آيات الله تنكرون؟ أفليس الواجب علينا الإقرار إذا بما لا يدفع الإقرار به من قدرة الله إلّا عنادا واعتداء؟

وإذا اتسع القول بأن الله ﷿ يلطف لخلقه لطفا يبسط به البعيد ويطوي به القريب، أمكن من ذلك أن الله يبسط لأقرب خلقه إليه وأعز بقاعه عنده أو على ما شاء كما شاء..

ولا أرى الواقفين باتساع قدرة الله يجهلون برأي العين قدر مساحة المسجد الحرام بمكة أو يحتجون عن إدراك من نفذ إليه من مشارق الأرض ومغاربها. فإنه يذكر كثير ممن لا يتهم في تمييزه وذكره، كما ليس بظنين في دينه وستره المجتمع، من عدد الحاج في المسجد الحرام ألف ألف وخمسمائة إنسان. وذلك هو الحدّ في الغاية التي لا مزيد عندهم فيها. وان الجد في الغاية لا انتقاض معها هو أن يكونوا ستمائة ألف إنسان. وقد وجدنا مساحة المسجد الحرام مع البيت طولا وعرضا ثلاثمائة ذراع في مائتي ذراع يكون ذرعا مكسرا بستين ألف ذراع. وجعلنا المصلي فيه أن يأخذ من مساحة المسجد استطارا وتقليلا ذراعا في ذراعين يكون

لركوعه وسجوده وقيامه وقعوده. فيكون قدر ما يحتاج إليه الغاية القصوى الذين قلنا انهم ألف ألف وخمسمائة ألف إنسان من الذرع لما فرضنا ثلاثة آلاف إنسان.

وذلك خمس العدد الذي يذكرون.

وهكذا لو عملنا حساب ستمائة ألف إنسان ما كان أيضا إلّا خارجا عن صورة القياس جميعا. أفحسبت أيها الواثق بما غاب عنه من حكمة الله والمقرّ بالخفيّ عليه من قدرة الله، ان القياس أن يسع المسجد الحرام من هم أوسع من أضعافه أضعافا مضاعفة وهو برأي العين ما وسعوه قط. قد اطردت الآن وجوه الكلام بأن الله ﷿ بلطف لخلقه من لا يحتسبون ويصنع لهم من حيث لا يشعرون. ووصلنا من القول إن الله بقدرته يبسط للناس المسجد الجامع بمدينة السلام ليسع من لا يسعهم في رأي العين أضعافه ذرعا ومساحة.

وإذا أمكن أن يقول إن الله ﷿ يبسط بالزيادة على قدر المساحة ذراعا واحدا، جاز أن يقول باعا. وإذا جاز أن يقول باعا واحدا جاز أن يقول فرسخا واحدا. وإذا جاز ذلك القول بفراسخ كثيرة. إلّا أن الله ﷿ لم يعطنا القدرة على علم ذلك ومعاينة مثله.

وإذا تتابعت الآيات وتناسبت العلامات وتمكنت الدلالات، رجونا بها زوال الشبهات واستقبال الحقائق الممكنات.

ونقول إنه بالواجب، متى استجاز أرباب المدائن المشهورة التي ذكرناها، والبقاع العظام التي أشرنا إليها، وأحصيناها بمدينة السلام حتى يحلّوا بها ويستوطنوا فيها، أن يضعف عدد المساكن بها وتتضاعف المنازل في حواشيها وأوساطها للعالم الوارد والداهم الوافد. وقد قلنا إن من الممكن القريب أن يكونوا في عددهم ضعفا لمن ببغداد من أهلها قياسا صحيحا وحكما لازما، كما قد قلنا بما رتبناه ونزلنا القول فيه وقرأناه، أن عدد المنازل ببغداد اثنا عشر ألف ألف منزل، وجدنا العيان قد أوجدنا أن منزلا منها لا يكاد يخلو من مصباح ينير فيه ليلا يتقد بدهن البزر. ثم لا يعسر علينا أن نقول: إن في هذه المنازل ما يوقد فيه أمنان عراقية وأرطال من دهن البزر إلى ما هو دون ذلك القدر من الدهن. فإذا ضربنا

قدر ما يحتاج إليه فيه كل منزل في كل ليلة من دهن البزر قليله بكثيره وكبيره بصغيره، فرضنا لكل منزل في كل ليلة من دهن البزر أوقيتين بأواق العراق. وقد حصل من عدد المنازل كما قدمنا اثنا عشر ألف ألف منزل سوى ما استظهرنا بإسقاطه من المستجيرين ببغداد عند خراب البصرة وسائر البقاع والمدائن العظام سنين متوالية وأعواما متتابعة. فحصل المصابيح القناديل حساب لكل منزل في كل ليلة أوقيتين من دهن البزر ألفا ألف رطل. ثم وجدنا عدد الحمامات- كما قدمنا- ستين ألف حمام، وحصة الحمام الواحد في كل ليلة من دهن البزر، ربع الرطل العراقي. فيكون بحق الحمامات أيضا في كل ليلة خمسة عشر ألف رطل أيضا ويكون جميع ذلك ألف ألف رطل وخمسة عشر ألف رطل. ثم أمددنا الاستظهار بمثله من الاستظهار فأسقطنا ما تحتاج إليه الحمامات، عملا على أن في المنازل ما لا مصباح فيه، وما لا يكون مصابيحه بدهن البزر، وهي خمسة عشر ألف رطل بزر. كما استظهرنا بإسقاط ما كان يحتاج إليه أرباب الكور المضافة إلى بغداد عند خراب البصرة. واقتصرنا على ما وجدناه قونا مبلغا وهو ألف ألف رطل من الزيت في الليلة الواحدة. يكون ثمنها على سعر زماننا هذا وهو أعدل الأسعار ألف ألف درهم. وفي الشهر الواحد ثلاثين ألف ألف درهم وفي السنة الواحدة ثلاثمائة ألف ألف وستين درهما. قيمتها عينا بسعر زماننا اثنان وعشرون ألف ألف وخمسمائة ألف دينار.

ثم نظرنا في باب الزيت وفي قدر ما تحتاج إليه مساكن الخليفة للمصابيح والمطابخ وخبز الرقاق وسائر أنواع الخبز، ومن هو دون الخليفة وخاصته وبطانته وولده وسائر حشمه. ثم ما يحتاج إليه من ذلك أيضا ولاة العهود ومن أطاف بهم من خواصهم، ثم الوزراء وسائر الأمراء، ثم القواد ووجوه أرباب السيف، ثم الكتاب وعمالهم، ثم التنّاء وأرباب النعم وسائر الوجوه. ثم وجوه التجار وأرباب الصناعات الكثيرة، ثم من هو أدنى من هذه الطبقات وأنقص من هذه الدرجات صغارا وكبارا، خواصا وعواما. وفي الواحد من الجماعات ممن ذكرنا

منازلهم واقتصصنا مراتبهم ممن يحصل في مستقره بمدينة السلام في كل يوم وليلة من الزيت ما لا يحصى جرارا ولا يعدّ رقاقا. وقد جعلنا تقدير ما يحصيه من الزيت ليوم واحد من شهر رمضان، فضربنا قدر ما يحتاج من الزيت لمطابخ أمير المؤمنين وسائر ما يستعمل فيه الزيت لمثله ومن دونه من الطبقات الفاضلة إلى أن وصلنا إلى من هو في أصغر الطبقات وأيسر الدرجات من الناس ببغداد. فجعلنا لكل منزل منها في كل ليلة من ليالي شهر رمضان أوقيتين من الزيت ليصلح القسمة ويأتلف الكلام. فجعل من ذلك في الليلة الواحدة ألف ألف رطل من الزيت. ثم قسمنا بحق كل حمام عشرة مساجد، ثم زدنا الاستظهار استظهارا. فأسقطنا النصف من عدد المساجد فحصل لنا لكل حمّام خمسة مساجد. فاجتمع لنا من عدد المساجد ثلاثمائة ألف مسجد. وفرضنا لكل مسجد في كل ليلة من ليالي شهر رمضان من دهن الزيت لمصابيحه- إذا ضربنا كثير ذلك في قليله وصغيره في كبيره استظهارا- رطلا واحدا. أو في المساجد ما يستغرق أرطالا كثيرة فاجتمع من ذلك في الليلة الواحدة ثلاثمائة ألف رطل زيت.

ثم نظرنا في الإنفاق الممكن. فإنه ليس يعسر أن ينفق الناس في الأعياد العظام والأيام السعيدة بمثل ما رتبنا عليه طبقات الناس في الحاجة إلى الزيت، أن تكون الحاجة إلى ذلك كالحاجة إلى استعمال الصابون. وأن نجعل لكل منزل واحد- وعدد المنازل اثنا عشر ألف ألف منزل- في كل يوم من أيام شهر رمضان من الصابون رطلا. فإن أوحشك القول بذلك فأسقط من عدد الديار ما ترى به زوال الشبهة وامتناع الريبة وهو النصف من عدده ليتمكن لك التظاهر بالعيان ويزيد لك ذلك في قوة البرهان. فإن جمحت بك الظنون وحيل بينك وبين مناسبة اليقين، فلك بحق الترخيم من المنازل، الثلثان ليكون الحاصل لحصتك في اليوم الواحد من ذلك الشهر، أربعة ألف ألف رطل صابون. فيكون حقها من الزيت استظهارا، ألف ألف رطل. يكون جميع ما ذكرناه في اليوم الواحد والليلة الواحدة من أيام شهر رمضان لمنازل الملوك والأدنى فالأدنى من الطبقات.

ولمصابيح المساجد ثلاثة ألف ألف رطل وثلاثمائة ألف رطل زيت. ويكون ثمنها

بسعر زماننا هذا ورقا، ثلاثمائة ألف ألف وثلاثين ألف ألف درهم. تكون عينا ثلاثة ألف ألف وتسعمائة ألف وستين ألف دينار. وفي السنة الواحدة عينا سبعة وأربعين ألف ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألف دينار.

ومن العام المشترك وما لا اشتباه في حاجة العامة والخاصة إليه البقول المستعملة في كل يوم في كل منزل. فإنها وإن كانت ذوات ألوان عامة وأنواع خاصة. وكان منّا من يبتاع منها بالدنانير والكثير من الدراهم، ومنا من لا يصل إلى المبايعة منها بمثل ذلك. ومنها من يغبّ الخاص منها خاصة. ومنا من لا سبيل له إلى أعم العام منها. فإذا خصصنا من أيام السنة لاستعمال العام من البقول يوما واحدا وجعلناه أول يوم من شهر رمضان أو أول يوم من شوال. ثم جعلنا الناس بين حاشيتين هما الغايتان كالخليفة ارتفاعا، أو حارس الدرب اتّضاعا، لم نخل منزلا واحدا من الحاجة إلى بقل بحبتين من الفضة في هذا اليوم الذي خصصناه دون سائر الأيام، إنزال الإقرار لأيام السنة جميعا بذلك- وعدد المنازل اثنا عشر ألف ألف منزل- فيكون قدر ما يرتفع من أخسّ أثمان البقول في يوم واحد دونما هذا دونه منها. فإنا أسقطناه لخصومه كاللفت والقنبيط والسلق والسرمج.

والاسفاناخ والبصل وأشباه ذلك، أربعة وعشرون ألف ألف حبة، ومبلغ الحبّات خمسمائة ألف درهم. وفي الشهر الواحد خمسة عشر ألف ألف درهم.

وإنّا لمستدركون شبيها بذلك في باب الأعناب في أوانها والأرطاب في أزمانها. وبقول إذا حصل لنا على الترتيب المتظاهر والتمثيل المتناسب تقريبا، واستظهارا من عدد الناس بمدينة السلام ستة وتسعون ألف ألف إنسان. ثم أضفنا إليهم مثلهم في وقت من الزمان من المستجيرين بهم من أهل البصرة والأبلة وكور دجلة وسوار الأهواز والنهروانات والزوابي وسقي جوخا وكثير من أودية الفرات، اجتمع من ذلك قريبا مائة واثنان وتسعون ألف ألف إنسان. ثم وصل بنا إلى ابان الأعناب في أوسط أوقاتها وأعدل أسعارها. وأقوات الناس من

الأعناب بمقادير مختلفة جدا، تنقص وتزيد. إلّا أنني أرى أن الكبير والصغير والغني والفقير متكافئون في أكل الأعناب حتى لا يتعذر على أحد أن يروح في أوان كثرتها واعتدال أسعارها دون أكله رطلا من العنب العام. ثم ضربنا بعضا ببعض وجعلنا قدر ما يأكله كل إنسان منهم من العنب رطلا واحدا في يوم واحد، رجالا ونساء، صغارا وكبارا، فقراء وأغنياء. فكان مبلغ ذلك من أرطال العنب في يوم واحد مائة واثنين وتسعين ألف ألف رطل. فكان مبلغ ما اجتمع من هذه الأرطال على أقرب الأسعار المعتدلة في الأعناب العامة حساب اثني عشر رطلا بدرهم، ستة عشر ألف ألف درهم. وفي الشهر الواحد أربعمائة وثمانين ألف ألف درهم. ثم استظهرنا بإسقاط الأطفال والأمراض ومن لا يأكل العنب بتة، فسقط لهم من عدد الأرطال ستة ألف ألف رطل. فحصل من بعد ذلك عدد الأرطال تسعون ألف ألف رطل عنب.

أفحسبت أيها المعتصم بالعدل والمتفرد بصحة العقل، ان في البعض من ساعات اليوم الواحد والليلة الواحدة ما يتسع لمن ترى من قاطفي الأعناب ومعبئيها ووزّانيها وهم الذين تراهم وترى أن يضعوا من ذلك ما لا بقي به إلّا من هو في حكم القياس أضعافهم عددا. ولكن لله نعم ينعم بها، ورحمة يلطف مقدارها عن مقادير عقول المربوبين وتدبير المدبرين، هو الإقرار له بطوله فيها وقدر على ما بسط علينا منها.

وستعترضك الشكوك فتستريب باليقين الباهر والبرهان المتظاهر. حتى إذا شئت أن لا تنظر بإحدى عينيك وتسمع بالواحدة من أذنيك. علمت أنك إذا رأيت خليفة الله أمير المؤمنين وإمام المسلمين، قد حلّ بمحل من الأرض كحلوله بمدينة السلام. ومن أطاف بأمير المؤمنين من ولاة العهود والأمراء وسائر الولد والوزراء والمتلاحقين بهذه المراتب من الوجوه والرؤساء وأرباب السيوف ووجوه الكتاب وكتابهم وخواص من حولهم وبهم من أرباب النعم والنماء وأرباب الضياع

الموسرين منهم دون المقترين من أفنائهم. ثم وجوه التجار وملوك الصيارف والبزازين والعطارين وأرباب الجواهر النفيسة وأهل الصناعات الشريفة والأغنياء جميعا من الجماعة دون الفقراء. والموسرين دون المقترين وغير المتجملين المستورين، ومن لا يشبع يده بغير الميسور من الأمر والقصد من الشأن.

وقد قلنا إن ما ببغداد من المنازل اثنا عشر ألف ألف منزل. فاجعل الآن حاجزا بين منازل الملوك والأغنياء وسائر الوجوه والكبراء من المتسعين بالنعم المعتصمين بالسعة ومن هو دونهم من الضعفاء والمتجملين أهل القناعة والمستورين لتحسن به ظنوننا ويتمكن عياره في أوهامنا وعقولنا. وهو أن نفرض لكل عشرة منازل من الطبقات الصغيرات منزلا واحدا من الطبقات العاليات.

فيكون عدد منازل الملوك والرؤساء والوزراء وسائر المتقدمين من الأغنياء العشرين جماعة منازل الناس.

فإن أتيت دون الذي جرت عادتك في الأمر وأقمت عليه من حطيطة الأضعاف وانتحلت الاستظهار ملة ودينا ومكّنت لنفسك بالظاهر يقينا، مددنا بذلك إليك يدا طالما ناولتك البعيد وسهلت لديك الصغير. وجعلنا عدة منازل الضعفاء والخاملين وأهل التجمل والمقتصد أضعاف أضعاف منازل الملوك والأشراف، فيكون إذ ذاك عدد منازل المتقدمين من عدة منازل المتأخرين كنسبة شيء إلى مثله عشرين مرة فيحصل لنا عدد هو نصف العشر من الجميع. وقد قلنا إن عدد المنازل ببغداد اثنا عشر ألف ألف منزل. يكون نصف عشرها ستمائة ألف منزل.

وقد يجوز أن يتفق في الأعياد العظام والأفضل من الأيام في بلاد الإسلام يوم النحر أو يوم الفطر في أوان من الزمان لا تتوالد فيه الأغنام بالعراق بحيث يلابس مدينة السلام إلّا غريبا خاصا وعشيرا شاذا كشهر خرداد ماه وشهر مرداد ماه. وقد امتنع علينا أن نقول إن مائدة واحدة من المقسومين على أرفع

الدرجات وأعظم الطبقات من الملوك والرؤساء وسائر الوجوه والأغنياء خلو من جدي واحد في ذلك اليوم الواحد الذي قلنا إنه الأعياد الشريفة والأيام السعيدة، ظنا قريبا وحكما مصيبا. فيكون إذا قدر ما يباع في أسواق بغداد من الجداء في الفطر وفي النحر ستمائة ألف جدي.

أفظننت أيها البحّاث المتذكر والنظّار المتفكر، أن الله لا يلطف لإيجاد ما شاء من خلقه على أجنحة الملائكة المقربين وعلى رؤوس الجن والشياطين. بل لا نظن أن وكيلا من وكلاء الوظائف وأمينا من أمناء المطابخ رجع منصرفا من أخسّ الأسواق وما لا يناسب منها باب الكرخ وباب الطاق في وقت واحد من الزمان وساعة، واحدة من النهار، فاستحلّ أن يقول لعدم الجداء بالربيع ببغداد، واننى طلبت جديا رضيعا فتعذر عليّ، والتمست مخاليف الدرّاج في غير أوانها وصغار الفراريج في دون أبانها والقبج والشفانين والصلاصل والوراشين والسمان والكراكي والطيهوج والقماري والعصافير والدباسي والغربان والعقبان أو الثعالب والذئاب والضباب والدباب أو الفيل والسمور والأرنب والخنزير، وما لا يحصى عدده ولا يحصل مدده من أنواع ما في البر والخراب وما في البحر من السلاحف والسرطانات والسقنقور والسور ما هي والصير والمارماهي والجري والزامور وكلب الماء والجرجور.

وقد تعرضنا من ذلك لما لا سبيل إلى إحصائه ولا حيلة لنا في عدّة واستيفائه.

ومتى تظن أو ظننت أن عليلا مات أو يموت بمدينة السلام بفقدان دواء معروف، أو بحسرة غذاء لطيف وكثيف، فقد ظننت محالا وأدرت في خلدك باطلا.

وكذلك أيضا لا يستطيع أحد أن يقول إن عليلا أو صحيحا تاق إلى الأرطاب في الثاني من الكوانين أو إلى الكمأة في الأول من التشارين، وإلى الخلال في أيلول، وإلى البسر في القرّ والطلع في الحر، وإلى النرجس في حزيران والقثاء والخيار في آذار، فتعذر وجود ذلك عليه.

أو عساك ظننت أن وجود هذا هو شيء للخاص دون العام والغني دون الفقير والكبير دون الصغير، وان بلدا لا يمتنع فيه وجود غذاء في كل زمان وكل دواء في كل أبان، مجمّع لك الأنواع مع تفرّق الزمان، حتى يناسب بين المتضادات في أزمانها. ويؤلّف بين المتنافيات في أبانها لبلد عزيز الشأن عند الله، عظيم النصيب من لطف الله.

زعم لنا جامع بن وهب وهو أحد وجوه المجهزين من الصيادلة ان قدر ما كان فقد بمدينة السلام من أنواع الصيدلة مما كان يأتي من نواحي البحر خاصة عند خراب البصرة وانقطاع سبلها ألف نوع وأربعمائة نوع وثلاثة وسبعين نوعا معدودة محصلة مبينة مفصّلة. قال: فقلنا ذلك مع أنواع العطر؟ فقال نعم مع بعض العطر.

فلما رأى تعجبنا من ذلك واستفظاعنا له التفت إلينا فقال: من يذكر منكم أنه ابتاع آسا رطبا في مدة حياته؟ فقلنا جميعا بلسان واحد: ما نذكر ذلك. فقال:

فاعلموا أنه يباع في دار البطيخ في كل يوم من أيام الشتاء والصيف من الآس الرطب بخمسة وعشرين ألف درهم. يكون قدر ذلك في الشهر الواحد ورقا سبعمائة ألف وخمسين ألف درهم. وفي العام الواحد تسعة ألف ألف. فإذا كانت هذه الآية في الآس بها وحده، فما ظنّك بغيره من سائر الأجناس؟

ثم رجع بنا النظر بعد ذكر الدواء والغذاء إلى شبيه بما كنا فيه من ذكر الجداء وقلنا: إنّا إذا كنّا قد فرضنا لكل مائدة جديا، فوصلنا من عدد الجداء إلى ما ذكرنا وهو ستمائة ألف ألف جدي في يوم واحد. فلنفرض الآن استظهارا لكل ذي مائدة جديا وأربع دجاجات وأربعة فراخ، فيكون عدد الدجاج والفراخ المستعملة في اليوم الواحد من أيام الأعياد العظام أربعة ألف ألف وثمانمائة فرخ ودجاجة. يكون ثمن كل دجاجة استظهارا درهما واحدا وثمن الفرخين درهما واحدا. فيكون ثمن الجميع من الدجاج والفراخ في اليوم الواحد أيضا، ثلاثمائة ألف ألف وستمائة ألف درهم.

وقد وجدتني على كل حال حليف الاستظهار فيما ادعيت ومسامحا لك في

اعتبار ما نحوت. فظنّ ان شئت مكذّبا للعيان وطاعنا على فصول البرهان. إن الأمر الذي ذكرناه، وقمنا بحقه وفصّلناه. هو بخلاف ما أصّلناه. فاعقد الآن من جمل ذلك على أنصافها وأثلاثها وأرباعها وأسداسها. أفحسبت أنك اعتقدت من ستين ألف حمّام على عشرة ألف حمام ليعقد من ستمائة ألف جدي على مائة ألف جدي. ومن كذا على كذا ان الباقي بعد ذلك لا تراه عجبا عجيبا وشأنا غريبا.

فكيف والأمر في الأصول كما نقول بكل برهان وبكل دليل.

وسنذهب في نوع آخر من الكلام، فإنك والحق لتشهدان. وإنك لترى في ظاهر العيان، وعلى حكم الأيام والزمان. إن وكيلا من وكلاء الوظائف لو اعترض جميع ما في باب الطاق وسوق باب الكرخ وسائر الأسواق في غذائه من الغدوات معترضا بعشرين ألف درهم لابتياع جميع ما فيها، لما ترك بها مذبوحا بريّا ولا حيوانا بحريا، كما لا يدع فيها تفاحا ولا ريحانا ولا أترجا ولا رمانا. وإذا شئت مع ذلك من القول أن تعلم الحق عليك وتتناول الصدق إليك فألطف الاشراف على المطابخ للملك الأعظم وعلى ما استودعت من ذلك مجالسه ومواضع مواقده، فإنك تعاينها مشحونة بما لا تصل إلى معاينة مثله إلّا في الأسواق، ولا كصغير ما هنالك بباب الكرخ والطاق. فإن أنت أمددت الحق حقا وأضفت إلى الصدق صدقا وجمعت بين ما تراه في المساكن الملك الأعظم ببغداد وبين ما في منازل البطانة وسائر الأهل والولد والحشم وولاة العهود الوزراء وكبار الأمراء وسائر الوجوه والرؤساء وكبار التجار والأغنياء دون المقتصدين والفقراء، وصلت من معاينة ما ترى ان مادبة (؟) إنما هي من باب الكرخ والطاق وسائر الشوارع والأسواق في اليوم الواحد ما لا سبيل إلى معاينة مثله في باب الطاق ولا في شارع وزقاق. وأرى أن الظلم جميعا مجموع في ذلك، يدفعك من ذلك ما لا يندفع وفي منعك منه ما لا تمتنع.

وسأريك بعين عقلك مثالا عجيبا. أنت تعبد الله بتكذيبه لولا امتحانه وأسرع مما هو أعجب مما تعجبت منه وستدين الله بالجحود به لولا برهانه وبيانه. فإنّا متى دعوناك إلى الإقرار بجملة تتباعد عن الإدراك والعقول وتنسب في الظاهر إلى

التمويه والأباطيل فيما استبشعته ثم استيقنته، هو الحكم فيما استبعدته.

والدليل على ذلك، إذا وجدت بيوت الشطرنج أربعة وستين بيتا ثم جعلت في أول بيت منها حبة من الحنطة وفي الثاني حبتين وأضعفت ذلك على نظام التضاعيف حتى تأتي على آخرها بيتا، كنت مستدركا ظنا وترجيحا وحذرا وتوهما في ظاهر الحس وباطن النفس أن المجتمع لك من تضاعيف الحبة الواحدة من الحنطة في أبيات الشطرنج [لا] يكون إلّا قفيزا أو بعض القفيز الواحد. فإن ظننت الآن أن المجتمع لك من عدد الحب في ظاهر الحس ظنا وترجيحا هو قفيز أو عشرة أقفزة فأظننه أكثر. وإن ظننته كرّا أو كرّين أو عشرة أكرار أو عشرين كرا فأظننه أكثر. وإن ظننته مائة كرّ أو خمسمائة كر فأظننه أكثر. وإن ظننته ألف كرّ فهو أكثر. وإن توهمته عشرة ألف كرّ فهو أكثر. وإن قلت إنه مائة ألف ومائتي ألف كر، فهو أكثر. وإن قلت إنه مائتا ألف ألف ألف كرّ كان أكثر. وإن قلت إنه ثلاثمائة ألف ألف ألف كر كان أكثر وأكثر حتى تصل من أعداد الحنطة إلى عدد هو في ظاهر الحكم أن صاحب هذا العلم لو عدم البرهان عليه لاستحق من كثير من الناس الرجم. أفليس إذا دللنا على صحة ذلك وفصلناه وأشرنا إلى استدراك حقيقته وحصلناه، كان الحكم فيما دعونا إلى تصديقه وأشرنا إلى تحقيقه في أمر بغداد، فاستصعب عليك عياره بأكثر مما ذكرنا كان حقا؟

والدليل على ذلك أن حبة من حنطة إذا جعلت في بيت من بيوت الشطرنج ثم أضعفت ذلك إلى آخرها بيتا. ان المجتمع من ذلك الحب الحنطة شيء يفي بقوت ستين ألف ألف إنسان لخمسين ألف سنة، إذا كان المبتاع منه في كل يوم دائما بخمسمائة ألف دينار بأعدل الأسعار وأقربها من الرخص. وهو حساب الكرّ بثلاثين دينارا. ويكون تقدير ما يقرن في كل يوم من الحنطة من جملة ما يجتمع من الحب فوجدنا مبلغه ثماني عشر ألف ألف ألف ألف ألف ألف وأربعمائة وست وأربعين ألف ألف ألف ألف ألف وسبعمائة وأربع وأربعين ألف ألف ألف ألف وثلاثا وسبعين ألف ألف ألف وسبعمائة ألف ألف وتسع ألف ألف وخمسمائة وواحدة وخمسين ألفا وستمائة وخمس عشرة حبة.

ثم أردنا أن نعلم كيل هذا العدد من حب الحنطة بالكر المعدل، كيل مدينة السلام. فقلنا إن تقدير وزن القفيز الواحد من الحنطة وهو مائة وعشرون رطلا. ووزن الرطل مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهو تسعون مثقالا. فعلمنا على أن وزن الدرهم الواحد من الحب الفحل الممتلئ ثلاث وستون حبة استظهارا. ووزن المثقال درهم وثلاثة أسباع درهم. فيكون وزنه من الحب تسعين حبة. والرطل تسعون مثقالا. فضربنا تسعين في تسعين فكان مبلغه ثماني ألف ومائة حبة. وهو وزن الرطل الواحد. ثم ضربنا ذلك في عدد الأرطال التي هي وزن القفيز وهو مائة وعشرون رطلا. فكان مبلغ ذلك تسعمائة ألف واثنين وسبعين ألفا وهو عدد مبلغ ما يكون في القفيز الواحد من الحنطة. فجبرنا ذلك وجعلناه ألف ألف حبة استظهارا وتقريبا. ثم ضربنا ذلك في عدد قفيزات الكرّ وهو ستون قفيزا. فكان مبلغ ذلك ستين ألف ألف حبة. وهو مبلغ كيل الكر الواحد. ثم ضربنا ذلك في ألف. فكان مبلغه ستين ألف ألف ألف. ومبلغ كيله ألف كر. ثم ضربنا ذلك أيضا في ألف فكان مبلغه ستين ألف ألف ألف ألف ألف. ومبلغ كيله ألف ألف ألف كر. ثم ضربنا ذلك في ثلاثمائة. فكان مبلغ ما قدّمنا ذكره.

وهو مبلغ ما ارتفع به العدد من جملة حساب تضاعيف الشطرنج بالأمر المشهور عند أرباب الحساب. فبلغ ذلك بالكر المعدل ثلاثمائة ألف ألف ألف كرّ، دون الذي هو سبعة ألف ألف ألف كرّ وما زاد. ثم قيمنا الكر بأعدل بأعدل القيم ثلاثين دينارا. فكان مبلغ ذلك تسعة ألف ألف ألف ألف دينار. فمن هاهنا قلنا إن الله ﷿ لو خلق هذا المقدار من الحنطة دفعة، وجعل الدنيا باقية بأهلها خمسين ألف سنة، ثم بيعت الحنطة بسعر الزمان الذي فرضناه في كل يوم بخمسمائة دينار بيعا دائما متتابعا على اتصال الأيام، والشهور والسنين. إن ذلك لم يكن يستغرق بيع جميع ما اجتمع من تضاعيف حبات الحنطة إلّا في خمسين ألف سنة.

والدليل على بيان ذلك أن السنة ثلاثمائة وستون يوما. فإذا ضربناها في خمسين ألف سنة، كان مبلغها ثمانية عشر ألف ألف يوم وهو مبلغ أيام خمسين ألف سنة. ثم أردنا أن نضرب عدد هذه الأيام التي هي ثمانية عشر ألف ألف يوم في الخمسمائة دينار التي ذكرنا البيع بها في كل يوم. فبسطنا غزبها ليكون أظهر عند السامعين. فضربناها في خمسة أصلا، فكان مبلغه تسعين ألف ألف. ثم ضربنا ذلك في مائة. فكان مبلغه تسعة ألف ألف ألف. ثم ضربنا ذلك في ألف فكان مبلغه تسعة ألف ألف ألف ألف. فهو مبلغ ما ذكرنا من جملة ثمن ما اجتمع لنا من تضاعيف حبات الحنطة بالسعر المفروض وهو ثلاثمائة ألف ألف ألف كرّ، غير ما استبطنّا من الزيادة وهو سبعة ألف ألف ألف كرّ وما زاد.

فإن الذي بلغك الإقرار بأن الحبة الواحدة من الحنطة تبلغ بتضاعيفها في أعداد بيوت الشطرنج حتى يكون مبلغها ثلاثمائة ألف ألف ألف كرّ وسبعة ألف ألف ألف وما زاد، وإنها قوت لستين ألف ألف إنسان خمسين ألف سنة بعد الإنكار هو الذي يبلغك الإقرار بغرائب بغداد وبدائع مدينة السلام. وإنما تجشمنا ذكر ذلك لتعلموا أن كثيرا من الأمور تستبعد في الظنون وتستنكر في الأوهام والعقول لولا الاعتداد بأصولها والاتكال على تفصيلها.

وقال أبو بكر بن عياش وذكر بغداد: هي اليوم مصر العرب.

وكان بعضهم يقول: بغداد دار دنيا وآخرة.

وتقدير الجوالي ببغداد مائة ألف وثلاثون ألف. وتقدير الادخار. ودور الضرب في كل سنة من الورق ألف ألف وخمسمائة ألف درهم.

قال: ومن عجائب بغداد الدارش واللكا. فالدارش يتخذ من جانب

واللكا من جانب. فمتى عدل بأحدهما عن جانبه الذي يعمل فيه، لم يكن فيه شيء. وقد امتحن هذا غير مرة فما استوى إلّا في الموضع الذي رسم فيه. وان في هذا لعبرة وأعجوبة. فتبارك الله رب العالمين.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البلدان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.