تجاوز إلى المحتوى

من «المسالك والممالك» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

ذكر بلد نكور وحدّه

ينتهي من جانب الشرق إلى زواغة جراوة»

الحسن بن أبي العيش ومسافة ذلك نحو خمسة أيّام. ويجاورهم من هاهنا مطماطة وأهل كبدان ولمرنيسة الكدية البيضاء وغساسة أهل جبل هرك وقلوع جارة الّتي لبني ورتدى. وينتهي من جانب الغرب إلى قبيل من غمارة يعرفون ببني مروان وبني حميد إليهم تنسب الحميدية، وإلى مسطاسة وصنهاجة، ومن ورائهم أوربة حزب فرجون وبنو وليد وزناتة أهل تابريدا وبنو يرنيان وبنو مراسن حزب قاسم صاحب صاع والكدية المعروفة بتاوررت.

والمراسي المنسوبة إلى نكور مرسى ملوية وهرك وكرط ومرسى الدار وأوفتيس من مراسي تمسامان، وهو الجبل المعروف بأبي الحسن الّذي لجأ إليه بنو صالح. ووادي البقر والمزمّة، بينه وبين مدينة نكور خمسة أميال، والمزمّة في القبلة من المرسى. ويقابله من برّ الأندلس مدينة مالقة ويقطع الغدير بينهما في مجرى ونصف، ومرسى باديس ومرسى بقوية وبالش مرسى صنهاجة وغيرها.

ومدينة نكور بين رواب منها جبل يقابل المدينة يعرف بالمصلّى، وبها جامع على أعمدة من خشب العرعار، وهو والأرز أكثر خشبها. ولها أربعة أبواب: في القبلة باب سليمان وبين القبلة والجوف باب بني ورياغل وفي الغرب باب المصلّى وفي الجوف باب اليهود. وسورها من اللبن وبها حمّامات كثيرة وأسواق عامرة مفيدة. وهي بين نهرين أحدهما نكور ومخرجه من بلاد كزناية من جبل بني كوين، والثاني نهر غيس منبعثه من بلد بني ورياغل، ومسافة مجرى كلّ نهر منهما إلى مصبّه في البحر مسيرة يوم وبعض ثان. وعلى نهريها الأرحاء. ومن جبل كوين أيضا ينبعث النهر المعروف بنهر ورغة وهو (من مشهور أنهار أرض المغرب)، ويجتمع نهر نكور وغيس بموضع يقال له أكدال، ثمّ يتشعّب هناك جداول. وفي طرف هذا الموضع رباط نكور. وعلى نهر غيس بنى سعيد (بن صالح مسجدا على صفة مسجد الإسكندرية بمحارسه وجميع منافعه. وعدوة غيس هذه) يقال لها تاكراكرى وهي منيعة وفيها يتناتج كراع آل صالح. وبين مدينة نكور وبين البحر خمسة أميال وهو في جوفيّها- وهي كثيرة البساتين والفواكه لا سيّما الكمّثرى والرمّان. وقال أيّوب بن إبراهيم النكوري:

أيا أملي الّذي أبغي وسؤليودنياي الّذي أرجو ودين
أأحرم من يمينك ريّ نفسيورزق الخلق في تلك اليمين
ويحجب عن يمينك لحظ طرفيونور الأرض من ذلك الجبين
وقد جبت المهامة من نكورإليك بكلّ ناحية أمين

وكيل نكور يسمّونه الصحفة وهي خمسة وعشرون مدّا بمدّ النبي ﷺ، ويسمّون نصف الصحفة السدس، والرطل عندهم في جميع الأشياء اثنتان وعشرون أوقية، وقنطارهم مائة رطل، ودراهمهم عدد بلا وزن.

والّذي أسّسها وبناها سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور الحميري، وصالح بن منصور هو المعروف بالعبد الصالح وهو الّذي افتتحها زمان الوليد بن عبد الملك ودخل أرض المغرب في (الافتتاح الأوّل)، فنزل مرسى تمسامان على البحر بموضع يقال له بدكون (بوادي البقر، وبين مرسى تمسامان ومدينة نكور عشرون ميلا). وهو مرسى صيفي لا يكنّ، ويقابله من برّ الأندلس مدينة طونيانة. وعلى يديه أسلم بربرها وهم صنهاجة وغمارة، ثمّ ارتدّ أكثرهم لمّا ثقلت عليهم شرائع الإسلام وقدّموا على أنفسهم رجلا يسمّى داود ويعرف بالرندي وكان من نفزة، وأخرجوا صالحا من البلد. ثمّ (تلافاهم الله) بهداه وتابوا من شركهم وقتلوا الرندي واستردّوا صالحا، فبقي هناك إلى أن مات بتمسامان ودفن بقرية يقال لها الأقطى على شاطىء البحر وقبره بها يعرف إلى اليوم. وكان له من الولد المعتصم وإدريس أمّهما صنهاجية وعبد الصمد. فولّوا المعتصم ومكث فيهم يسيرا ومات فولي (سعيد بن إدريس) وهو الّذي بنى مدينة نكور على ما تقدّم.

وقد كان صالح بن منصور أنزل نفرا من البربر موضعا يحاذي مدينة نكور (في الضفّة الثانية من النهر، وكانوا يقيمون هناك سوقا، فنقلهم سعيد إلى المدينة الّتي أسّسها. وغزا المجوس- لعنهم الله- مدينة نكور) سنة أربع وأربعين ومائتين، فتغلّبوا عليها وانتهبوها وسبوا من فيها إلّا (من خلصه الله بالفرار). وكان فيمن سبوا أمة الرحمن وخنعولة ابنتا واقف بن المعتصم، ففداهما الإمام محمّد بن عبد الرحمن. وأقامت المجوس بمدينة نكور ثمانية أيّام.

وقامت البرانس على سعيد بن إدريس وقدّموا على أنفسهم رجلا يسمّى سكن وتألّبوا عليه من كلّ جهة وغزوه في عقر داره، فأظهره الله عليهم وهزمهم وقتل رئيسهم وافترق جمعهم ورجع من بقي منهم إلى الطاعة.

ومات سعيد بن إدريس بعد أن ملكهم سبعا وثلاثين سنة وولي ابنه صالح بن سعيد. وكان لسعيد من الولد منصور وحمود وصالح وزيادة الله والرشيد وعبد الرحمن الشهيد ومعاوية وعثمان وعبد الله وإدريس. وكان عبد الرحمن فقيها بمذهب مالك وحجّ أربعا وعبر إلى الأندلس للجهاد، فقطع عليه ابن حفصون الطريق فقتل من كان معه وتخلّص عبد الرحمن على فرسه وحضر غزوة أبي العبّاس القائد واستشهد فيها.

وقام على صالح أخوه إدريس في بني ورياغل وكزناية، فالتقوا بجبل كزناية المعروف بكوين، فانهزم صالح وانتهب إدريس معسكره واستمرّ إلى مدينة نكور ليدخلها، (فامتنعوا عليه ومنعه خليفة صالح عليها، فقال له):

إنّ صالحا قد قتل، فقال: إذا صحّ عندي ذلك لم أدافعك. فلمّا لم يجد عندهم ما يريد نزل الجبل المطلّ على المدينة، وأتى صالح في جوف الليل في (خاصّة من) أصحابه فدخل المدينة. فلمّا كان من الغد أقبل إدريس على فرسه وعليه درعه وهو لا يعلم بأمر أخيه، فأدخلوه المدينة فأرجله فتيان صالح عن دابّته وأتوا به صالحا أخاه. فأمر بحبسه في داره. ثم أشار عليه قاسم الوسناني صاحب صاع والكدية بقتله وألحّ عليه في ذلك، فأمر الموالي بقتله فامتنعوا، فأمر فتى من فتيانه يقال له عسلون فقتله.

وامتنعت مكناسة على صالح وحبسوا مغارمهم، فكتب إليهم يوعدهم فختم الكتاب وأدخله في مخلاة وشدّها على حماره وبعثه مع ثقة من ثقاته وقال له:

إذا توسّطت بلاد مكناسة فاترك الحمار بما عليه وانصرف. ففعل فأصابت مكناسة حمار صالح وكان معروفا بينهم وأخذوا المخلاة. فلمّا قرأوا الكتاب ائتمروا على عقر الحمار والتمادي على امتناعهم. ثمّ انصرف رأيهم إلى جمع ما كان عليهم لصالح، فجمعوه وجلّلوا الحمار بملحفة مروية وأتوا صالحا بالحمار مجلّلا ومغارمهم موفاة (واستعتبوه فأعتبهم). ومات صالح بن سعيد بعد أن ملك ثمانية وعشرين عاما.

فولوا ابنه سعيدا وكان أصغر ولده. فلمّا توطّد له الأمر واستوسق دخل عليه عبيدهم الصقالبة فسألوه العتق فقال لهم: أنتم جندنا وعبيدنا وأنتم كالأحرار، لا تدخلون في المواريث ولا تجري عليكم المقاسم فما طلبكم للعتق؟ فألحّوا عليه في ذلك فأبى، فناله منهم جفاء وغلظة وقدّموا أخاه عبيد الله وعمّه الرضى المكنّى بأبي علي وزحفوا بهما إلى القصر، فحاربهم سعيد من أعلى القصر بالفتيان والنساء حتّى انهزموا. وقامت عليهم العامّة فأخرجوهم إلى قرية فوق المدينة تعرف بقرية الصقالبة، فتحصّنوا بها سبعة أيّام، وحشر سعيد وخرج إليهم وظفر بهم بعد حرب شديدة. وكان الرضى عمّه وصهره كانت ابنته طالت تحته فحبسه مع أخيه عبيد الله وقتل من خرج معهما من بني عمّه، منهم الأغلب وأبو الأغلب. ثمّ وكل بأخيه عبيد الله من أوصله إلى مكّة فأقام بها حتّى مات.

فامتعض سعادة الله بن هارون، وهو ابن عمّ الأغلب، لقتل ابن عمّه وقال: قتل سعيد ابن عمّي وأبقى عمّه وأخاه وذنبهما واحد. فألّب عليه (بنو يصليتن) أصحاب جبل أبي الحسن، ثمّ عقد أمره معهم وسعادة الله مع سعيد بنكور وهو لا يعلم. فلمّا أعلن (بنو يصليتن) بالخلاف على سعيد جمع أصحابه وخرج إليهم ومعه سعادة الله. فلمّا التحمت الحرب تحيّز سعادة الله فيمن تبعه إلى بني يصليتن وخذل سعيدا، فانهزم سعيد وأخذت بنو يصليتن بنوده وطبوله وقتلوا من مواليه نحو ألف رجل وأتوا مع سعادة الله حتّى حاصروه بنكور. فكانت لسعيد الكرّة عليهم فهزمهم وأسر ميمون بن هارون أخا سعادة الله وقتله. وسار سعادة الله إلى تمسامان

وخرق سعيد دوره وخربها، ثمّ (صالح سعيدا)، فانصرف إلى نكور، وكان شجاعا بئيسا. فخرج سعادة الله بعد ذلك في خاصّته إلى بلاد بطوية وبني ورتدي، فأدخلوه قلوع جارة ونهد بهم إلى مرنيسة وزنانة، فقتل فاستملك له جميع ذلك البلد. وانصرف سعادة الله إلى مدينة نكور، فأقام بها مصافيا لسعيد.

وتزوّج أحمد بن إدريس بن محمّد بن سليمان بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضه أخت سعيد أمّ السعد بنت صالح وابتنى بها وسكن معها مدينة نكور إلى أن مات. ولمّا تغلّب عبيد الله الشيعي كتب إلى أهل المغرب يدعوهم إلى الدخول في طاعته والتديّن بإمامته وكتب بمثل ذلك إلى سعيد بن صالح وكتب بأسفل كتابه أبياتا كثيرة، منها:

فإن تستقيموا أستقم لصلاحكموإن تعدلوا عنّي أر قتلكم عدلا
وأعلو بسيفي قاهرا لسيوفكموأدخلها عفوا وأملؤها قتلا

فأجاب رجل من شعراء الأندلس من أهل طليطلة أمره يوسف بن صالح وتلقّب بالأحمس وكان شاعر آل صالح في ذلك العصر بأبيات كثيرة، منها:

كذبت وبيت الله لا تحسن العدلاولا علم الرحمن من قولك الفضلا
فما كنت إلّا جاهلا ومنافقاتمثّل للجهال في السنّة المثلا
وهمّتنا العليا لدين محمّدوقد جعل الرحمن همّتك السفلى

فكتب عبيد الله الشيعي إلى مصالة بن حبوس عامله على تيهرت يأمره بالمسير إلى بلد نكور ومحاربة سعيد بن صالح، فخرج مصالة لذلك من تيهرت غرّة ذي الحجّة سنة أربع وثلاثمائة فنزل من مدينة نكور على مسيرة يوم بموضع يقال له نسافت، فخرج إليه سعيد بن صالح فحاربه ثلاثة أيّام مكافيا له.

وكان مع سعيد رجل من شجعان البرابر وأعلامهم يقال له حمد بن العياش من بني يطوفت دعته نفسه إلى أن يقصد محلّة مصالة فيفتك به، فوافى المحلّة في سبعة فوارس واقتحم على مصالة، فتصايح الناس فكاثروهم، فأخذ حمد أسيرا ومن معه، فأمر مصالة بضرب أعناقهم فقال حمد: ليس مثلي يقتل. قال مصالة: ولم؟ قال: لأنّك لا تطمع في سعيد إلّا بي وعلى يدي. فاستبقاه وقرّبه وألطف مكانه حتّى أنس به. ثمّ أعطاه (قطعة من العسكر) فقصد بها من جانب كان يعلم الغرّة به حتّى دخل عسكر سعيد من المأمن ومن حيث لا يظنّ به، ففرق جمعه وغشي سعيدا ما لم يتأهّب له وتتابعت عليه العساكر، فنظر أمرا لا يستطيع المقام عليه، فبعث إلى مدينة نكور فأخرج كلّ ما كان في قصره وما معهم وصاروا بجزيرة في مرسى نكور ومعهم صالح بن سعيد وإدريس والمعتصم ابنا سعيد أخواه.

وظاهر سعيد بين درعين هو وفتيانه وخاصّته وقاتل حتّى قتل واستبيح عسكره. ودخل مصالة مدينة نكور (يوم الخميس لثلاث خلون من المحرّم سنة خمس وثلاثمائة وانتهب مدينة نكور) وسبى النساء والذرية وبعث بالفتح إلى عبيد الله وبعث برأس سعيد بن صالح ومنصور بن إدريس بن صالح وغيرهم من بني صالح بن منصور، فطيف بها في مدينة القيروان ونصبت بمدينة رقّادة. وفي ذلك يقول أبو جعفر أحمد بن المروذي في أرجوزة:

لمّا طغى الأرذل وابن الأرذلفي عصبة من الطغام الجهّل
قال نكور دون ربّي معقليأتاه مختوم القضاء الفيصل
من الإله كالحريق المشعلفحلّ أرضا طال ما لم تحلّل
حطّم أهل كفرها بالكلكلوجاء رأس رأسها المبذّل
على القنا من الرماح الذبّلذو لمّة شاعثة لم تغسل

ولحية غبراء لم ترجّل

وركب من نجا من ذرية سعيد بن صالح وأهله البحر من مرسى نكور ونزلوا مالقة وبجانة، فأمر عبد الرحمان بن محمّد الناصر لدين الله بإنزالهم والتوسّع لهم وحباهم بالكساء الرفيعة والصلات الجزلة وخيّرهم بين المقام بدار مملكته أو المقام بمالقة، فاختاروا المقام بمالقة لقربها من بلدهم ورجائهم

العودة إليه. وتكرّر مصالة في البلد نحو ستّة أشهر، ثمّ استخلف عليه رجلا من أصحابه (يقال له دلول) وانصرف إلى تيهرت، فافترق عن دلول من كان معه من المشارقة وبقي في قليل من أصحابه. فلمّا صحّت الأنباء بذلك عند بني سعيد أزمعوا الانصراف إلى بلدهم ثقة بمحبّة رعيتهم لهم وميلهم إليهم، فاتّفقوا على ركوب البحر (في مراكب مختلفة، فمن وصل منهم قبل صاحبيه فالولاية له، وهم إدريس والمعتصم وصالح. فركبوا البحر من مالقة في ليلة واحدة (ووقت واحد وريح واحدة)، فوصل أصغرهم سنّا صالح بن سعيد إلى مرسى نكور من ليلته وأصبح له بالمرسى المعروف بوادي البقر بتمسامان. فتسامع البربر بقدومه فتسارعوا إليه من كلّ جانب وأتوه من كلّ جهة وعقدوا له الأمرة ولقبوه باليتيم لصغره وزحفوا إلى دلول فأخذوه وجميع أصحابه فصلبوهم أجمعين على ضفّتي نهر نكور.

وكتب صالح بالفتح إلى عبد الرحمن بن محمّد، فقرئ كتابه بجامع قرطبة ونسخه في سائر بلاد الأندلس، وأمر بإمداد آل صالح بما يجلّ من الأخبية الشريفة والآلة العجيبة والكساء الرفيعة والسروج والحلى والبنود والطبول والدروع وجميع السلاح حتّى عوّضهم الله ﷿ أكثر ممّا زال عنهم. فتوطّد الملك لصالح بن سعيد واعتاق البحر أخويه شهرين يتردّدان فيه، ثمّ وصلا بعده إلى نكور سالمين، فسلّما له الأمر. ومات صالح بن سعيد بعد أن ملك عشرين سنة. ولم يزل آل صالح على السنّة والجماعة والتمسّك بمذهب مالك بن أنس رضه. وكان (صالح وابنه سعيد) يصلّيان بالناس ويخطبان ويحفظان القرآن.

فولي الأمر المؤيّد بن عبد البديع بن صالح بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور. فزحف إليه موسى بن أبي العافية فحاصره حتّى تغلّب عليه، فقتله واستباح المدينة وانتهبها وهدم أسوارها وخرب ديارها ونسف آثارها وتركها بلاقع تسفي عليها الرياح وتعاوى فيها الذئاب، وبلغ منها ما لم يبلغ بعضه مصالة بن حبوس، وذلك سنة سبع عشرة وثلاثمائة.

ثمّ ولي أبو أيّوب إسماعيل بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن سعيد بن إدريس بن صالح، فبنى المدينة القديمة الّتي أسّسها صالح بن منصور وعمّرها وأعاد السوق فيها وسكنها إلى سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. ففيها أخرج أبو القاسم الشيعي صاحب إفريقية صندلا الفتى الأسود إلى أرض المغرب مددا لميسور الفتى إذ أبطأ خبره عليه. فخرج صندل من المهدية في جمادي الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، فوصل إلى جراوة الحسن بن أبي العيش فاستراح فيها أيّاما، ثمّ سار إلى هراس وكتب إلى إسماعيل بن عبد الملك صاحب نكور يأمره بالقدوم عليه وقد كان خرج من نكور وصار بقلعة أكرى. فبعث إليه رسلا وكتب أنّه في الطاعة، فلم يرض منه صندل بذلك وبعث إليه رسلا يستحثّونه في المسير إليه، فقتلهم إسماعيل عن آخرهم. فلمّا أتى صندلا خبر قتلهم زحف إلى قلعة أكرى فنزل قريبا منها بموضع يقال له نسافت، وهو الموضع الّذي قتل فيه مصالة بن حبوس سعيد بن صالح. فغلب صندل على القلعة بعد قتال ثمانية أيّام ومعارك قتل في آخرها إسماعيل وأكثر أصحابه، وذلك يوم الجمعة في شوال من السنة

المذكورة. وغنم صندل كلّ من كان في القلعة من نساء إسماعيل وقرابته وأخذ له ولدين طفلين، وولّى على المدينة رجلا من كتامة اسمه مرمازو، وصار إلى صاحبه ميسور وهو على فاس يحاصرها.

وكان موسى بن المعتصم بن محمّد بن قرّة بن المعتصم بن صالح بن منصور- وموسى هو المعروف بابن رومي- بجبل أبي الحسن مع بني يصليتن. فلمّا زال صندل تراجع أهل نكور وقدّموا على أنفسهم ابن رومي وقتلوا مرمازو وجميع من كان معه وبعثوا برأس مرمازو وجميع أصحابه إلى أمير المؤمنين عبد الرحمان بن محمّد. وقام على موسى ابن رومي عبد السميع بن جرثم بن إدريس بن صالح (بن إدريس بن صالح بن منصور، فأخرجه من بلد نكور، وذلك سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. فصار موسى إلى الأندلس ونزل بجانة بأهله وولده ومعه أخوه هارون بن رومي، ونزل بمالقة ابنا عمّه جرثم بن أحمد ومنصور بن الفضل. ثمّ استدعى أهل نكور جرثم بن أحمد بن محمّد بن زيادة الله بن سعيد بن إدريس بن صالح)، فعبر البحر إليهم فولّوه على أنفسهم، وذلك سنة ستّ وثلاثين وثلاثمائة، وكان بها إلى ذي الحجّة سنة ستّين.

وتوالت الولاية هناك في بني جرثم إلى سنة عشر وأربعمائة، فغلبت عليهم أزداجة وانتقل بنو جرثم إلى مالقة. ثمّ انتقلت أزداجة إلى بلدهم بناحية وهران ورجع بنو جرثم إلى بلد نكور وهي مدينة المزمّة. ثمّ غلب على بلد

نكور يعلى بن الفتوح الأزداجي وأخرج بني جرثم من جميع بلاد نكور، وهي اليوم بأيدي ذرية يعلى بن الفتوح، وذلك سنة ستّين وأربعمائة.

ويلي مرسى تمسامان المذكور إلى الشرق مرسى كرط وهو غير مكنّ، وفيه آبار، بينهما خمسة عشر ميلا. ويقابله من برّ الأندلس مرسى قرية بلس ويقطع الغدير بينهما في يوم وليلة. ويليه إلى جانب الشرق طرف هرك بينهما عشرة أميال تشتي فيه المراكب الصغار، وله أحساء. ويقابله من برّ الأندلس مرسى شاط. ويقطع الغدير بينهما في مجرى ونصف. ويليه إلى الشرق جون بين طرف هرك ومدينة مليلة. ويقابل هذا الجون من برّ الأندلس مرسى المنكّب بينهما مجريان. ويليه إلى جانب الشرق مرسى مليلة، ونهرها يريق في البحر بينه وبين طرف هرك (مسيرة أميال). ويقابله من برّ الأندلس مرسى مدينة شلوبينية فأما الطريق من مدينة نكور إلى مدينة القيروان فمن نكور الى بني يصليتن على نهر تمسامان ومنها إلى نهر قرط مرحلة، ثمّ إلى قلوع جارة مرحلة، إلى وادي ملوية مرحلة، (إلى مدينة جراوة مرحلة). فذلك ستّ مراحل. ثمّ الطريق كما تقدّم.

ويجاور بلد نكور بلد غمارة فمنه مجكسة. وتنبّأ بذلك الصقع أبو محمّد حاميم بن منّ الله بن حريز بن عمرو بن وجفوال (بن وزروال) الملقّب بالمفتري.

وببلد مجكسة جبل حاميم المنسوب إليه، وهو على مقربة من مدينة تيطاوان.

وأجابه بشر كثير أقرّوا بنبوّته، وجعل لهم الصلاة صلاتين عند طلوع الشمس وعند غروبها يسجدون على بطون أكفّهم، ووضع لهم قرآنا بلسانهم، فممّا ترجم منه بعد تهليل يهلّلونه: حلّني من الذنوب يا من يحلّ البصر ينظر في الدنيا، حلّني من الذنوب يا من أخرج موسى من البحر. ومنه: آمنت بحاميم وبأبي خلف- يريدون أبا حاميم وكذلك كان يكنّى- وأمن رأسي وعقلي وما أكنّه صدري وما أحاط به دمي ولحمي، وآمنت بتانفيت، وهي عمة حاميم أخت أبي خلف (منّ الله) وكانت كاهنة ساحرة، (وكانت لحاميم أيضا أخت تسمّى دجّو وكانت ساحرة كاهنة) من أجمل الناس وكانوا يستغيثون إليها في كلّ حرب وضيق ويزعمون أنّهم يجدون نفعها. وفرض عليهم صوم (الخميس كلّه ويوم الأربعاء إلى الظهر، فمن أكل فيهما غرم خمسة أثوار لحاميم. ووضع لجميعهم صوم) سبعة وعشرين يوما من رمضان وأبقى فرض صوم ثلاثة أيّام ويوم الفطر الرابع وجعل عيدهم في الثاني من الفطر. وفرض زكاتهم العشر من كلّ شيء وأسقط عنهم الحجّ والطهر والوضوء وأحلّ لهم أكل أنثى الخنازير وقال إنّما حرم ذكورها، وذلك في قرآن محمّد ﷺ. وحرّم عليهم الحوت حتّى يذكّى وحرّم عليهم البيض من جميع الطير. وأنشد أبو العبّاس فضل بن مفضّل بن عمر المدحجي لعبد الله بن محمّد المكفوف الطنجي يهجو حاميم ويذكر فسقه:

وقالوا افتراء إنّ حاميم مرسلإليهم بدين واضح الحقّ باهر
فقلت كذبتم بدّد الله شملكمفما هو إلّا عاهر وابن عاهر
فإن كان حاميم رسولا فإنّنيبإرسال حاميم لأوّل كافر
رووا عن عجوز ذات أفك فهيمةتفاوق في أسحارها كلّ ساحر
أحاديث إفك حاك إبليس نسجهايسرّونها والله مبدي السرائر

وقتل حاميم المفتري بمصمودة الساحل من أحواز طنجة سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وكان له من البنين محمّد وبه كان يكنّى وعبد الله وعيسى. ودخل عيسى الأندلس زمان عبد الرحمان بن محمّد. ولعيسى في بلادهم قدر ويعرف بابن المفتري. وبنو وجفوال رهط حاميم ينزلون على نهر رأس، وهو على ثلاثة أميال من مدينة تيطاوان. وكان في بعض جبال مجكسة رجل من السحرة المهرة يعرف بأبي كسية، وكان أهل موضعه يسمعون منه ولا يعصونه طرفة عين، وإذا عصاه أحد أو خالفه حوّل كساه الّذي يلتحف فيه فتصيب ذلك الرجل عاهة لحينه أو جائحة، وإن كانوا جماعة أصابهم مثل ذلك. وكان يخيّل إليهم كأنّ برقة تلوح من تحت كسائه. ولبنيه وعقبه حتّى الآن مزية في تلك الناحية ومنزلة وحظوة على من سواهم.

ومن أعاجيب بلد غمارة امرؤ بوحلاوت وكان في بني شداد منهم، وكان معه عدل مملوء برءوس الحيوان وأنيابها من برّيها وبحريها قد نظّمها في حبل واتّخذها كالسبحة، فإذا سأله أحد عن (شيء من الحدثان) وما هو كائن علّق منه تلك السبحة وقلّده إيّاها، ثمّ (قلقلها عليه) وانتزعها

وجعل يشمّها قطعة قطعة إلى أن تمسك في يده ما أمسك منها، ثمّ طفق يخبره خبره وما الّذي سأله عنه وعمّا يدور له من مرض أو موت أو ربح أو خسارة أو إقبال أو إدبار (أو عبرة أو غير ذلك) فلا يكاد يخطئ.

ومن أعاجيب بلد غمارة أنّ عندهم قوما يعرفون بالرقّادة وهم في وادي لو عند بني سعيد وعند بني قطيطن وعند بني يروتن يغشى على الرجل منهم يومين وثلاثة فلا يتحرّك ولا يستيقظ، ولو بلغ به أقصى مبلغ من الأذى ولو قطع قطعا، فإذا كان بعد ثلاثة من غشيته استيقظ كالسكران ويكون يومه ذلك كالواله لا يتّجه لشيء (ولا يخبر بشيء). فإذا أصحّ في اليوم الثاني أتى بعجائب ممّا يكون في ذلك العام من خصب أو جدب أو حرب أو غير ذلك، وهذا أمر مستفيض لا يخفى.

وأخبرني غير واحد أنّه رأى بمرسى باديس رجلا قصير القامة مصفر اللّون يكرمه أهل ذلك الموضع ويقدّمونه ويذكرون أنّه ينبط المياه في المواضع الّتي لا يعهد فيها ماء عيونا وآبارا، وأنّه يخبر بقرب الماء وبعده، وأنّه إنّما يستدلّ على ذلك باستنشاف هواء ذلك الموضع لا غير.

والمواربة عند أهل غمارة كلّها كثيرة متعارفة يفخر بها نساؤهم، وذلك أنّ الرجل إذا دخل بامرأته البكر واربها شباب أهل ناحيتها فاحتملوها وأمسكوها عن زوجها شهرا أو أكثر، ثمّ يردّونها. وربّما فعل ذلك بها مرارا على قدر جمالها وبمقدار الرغبة فيها (تفضّل لذّاتها). ولا يتمّ إكرام الضيف عندهم إلّا بأن يؤنّسوه بنسائهم الأيامى منهنّ، يبيت الرجل مع ضيفه أخته الشيب أو بنته أو من لم تكن ذات زوج من نسائه. ولا يتركون ذا عاهة يستقرّ ببلدهم ويقولون إنّه يفسد النسل. وهم يرغبون في الرجل الجميل الشجاع، وهم مخصوصون بالجمال ولهم شعور يسدلونها كشعور النساء ويتّخذونها ضفائر ويطيبونها ويتعمّمون بها.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المسالك والممالك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.