من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الباب الاول في صفة الأرض وما فيها من الجبال والبحار وغير ذلك
قال الله ﷿: ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا. وقال جل وعز: والذي جعل لكم الأرض قرارا والسّماء بناء. وقال سبحانه: والله جعل لكم الأرض بساطا.
قال المفسرون: البساط والمهاد: القرار والتّمكّن منها، والتصرف فيها.
واختلف القدماء في هيئة الأرض وشكلها، فذكر بعضهم أنها مبسوطة التسطيح في أربع جهات:
في المشرق والمغرب والجنوب والشمال، ومنهم من زعم أنها كهيئة التّرس، ومنهم من زعم أنها كهيئة المائدة، ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل، وزعم بعضهم أنها شبيهة بنصف الكرة كهيئة القبّة وأن السماء مركبة على أطرافها، وقال بعضهم: هي مستطيلة كالأسطوانة الحجرية او العمود، وقال قوم:
الأرض تهوي إلى ما لا نهاية له، والسماء ترتفع إلى ما لا نهاية له، وقال قوم: إن الذي يرى من دوران الكواكب إنما هو دور الأرض لا دور الفلك، وقال آخرون: إن بعض الأرض يمسك بعضا، وقال قوم: إنها في خلاء لا نهاية لذلك الخلاء.
وزعم أرسطاطاليس أن خارج العالم من الخلاء مقدار ما تنفس السماء فيه، وكثير منهم يزعم أن دوران الفلك عليها يمسكها في المركز من جميع نواحيها. وأما المتكلمون فمختلفون أيضا: زعم هشام ابن الحكم أن تحت الأرض جسما من شأنه الارتفاع والعلوّ، كالنار والريح، وأنه المانع للأرض من الانحدار، وهو نفسه غير محتاج إلى ما يعمد، لأنه ليس مما ينحدر بل يطلب الارتفاع. وزعم أبو الهذيل: أن الله وقفها بلا عمد ولا علاقة، وقال بعضهم: إن الأرض ممزوجة من جسمين: ثقيل وخفيف، فالخفيف شأنه الصّعود، والثقيل شأنه الهبوط، فيمنع كلّ واحد منهما صاحبه من الذّهاب في جهته لتكافؤ تدافعهما. والذي يعتمد عليه جماهيرهم، أن الأرض مدورة كتدوير الكرة، موضوعة في جوف الفلك كالمحّة في جوف البيضة، والنسيم حول الأرض جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك، وبينه الخلق على الأرض، وأن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفّة، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل، لأن الأرض بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد وما فيها من الحيوان، وغيره بمنزلة الحديد.
وقال آخرون من أعيانهم: الأرض في وسط الفلك يحيط بها الفرجار في الوسط على مقدار واحد،
من فوق وأسفل ومن كل جانب، وأجزاء الفلك تجذبها من كل وجه، فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون ناحية، لأن قوة الأجزاء متكافئة، ومثال ذلك: حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد لأن في طبع الفلك أن يجتذب الأرض.
وأصلح ما رأيت في ذلك وأسدّه في رأيي، ما حكاه محمد بن أحمد الخوارزمي، قال: الأرض في وسط السماء، والوسط هو السّفل بالحقيقة، والأرض مدوّرة بالكلية، مضرّسة بالجزئية من جهة الجبال البارزة والوهدات الغائرة، ولا يخرجها ذلك من الكريّة، إذا وقع الحسّ منها على الجملة، لأن مقادير الجبال، وإن شمخت، صغيرة بالقياس إلى كل الأرض، ألا ترى أن الكرة التي قطرها ذراع أو ذراعان إذا نتأ منها كالجاورسات وغار فيها أمثالها، لم يمنع ذلك من إجراء أحكام المدوّر عليها بالتقريب؟ ولولا هذا التّضريس، لأحاط بها الماء من جميع الجوانب وغمرها حتى لم يكن يظهر منها شيء، فإن الماء وإن شارك الأرض في الثّقل وفي الهويّ نحو السفل، فإن بينهما في ذلك تفاضلا يخف به الماء بالإضافة إلى الأرض، ولهذا ترسب الأرض في الماء وتنزل الكدورة إلى القرار، فأما الماء فإنه لا يغوص في نفس الأرض، بل يسوخ فيما تخلخل منها واختلط بالهواء، والماء إذا اعتمد على الهواء المائي للتخلخل نزل فيها وخرج الهواء منها، كما ينزل القطر من السحاب فيه، ولمّا برز من سطح الأرض ما برز، جاز الماء إلى الاعماق، فصار بحارا، وصار مجموع الماء والأرض كرة واحدة يحيط بها الهواء من جميع
جهاتها، ثم احتدم من الهواء ما مسّ فلك القمر بسبب الحركة وانسحاج المتماسين، فهو إذا النار المحيطة بالهواء متصاغرة القدر في الفلك الى القطبين لتباطؤ الحركة فيما قرب منهما، وصورة ذلك، الصورة الأولى التي في الصفحة السابقة.
وقال أبو الرّيحان: وسط معدّل النهار، يقطع الأرض بنصفين على دائرة تسمّى خطّ الاستواء، فيكون أحد نصفيها شماليّا والآخر جنوبيّا، فإذا توهّمت دائرة عظيمة على الأرض مارّة على قطب خط الاستواء، قسمت كل واحد من نصفي الأرض بنصفين، فانقسم جملتها أرباعا:
جنوبيّان وشماليّان على ما وجدها المعيّنون، لم يتجاوز حدّ أحد الرّبعين الشماليّين فيسمّى ربعا معمورا أو مسكونا كجزيرة بارزة تحيط بها البحار، وهذا الربع في نفسه مشتمل على ما يعرف ويسلك من الحبار والجزائر والجبال والأنهار والمفاوز المعروفة، ثم البلدان والقرى بينها، على انه بقي منها، نحو قطب الشمال، قطعة غير معمورة من افراط البرد وتراكم الثلوج. وقال مهندسوهم: لو حفر في الوهم وجه الأرض، لأدّي إلى الوجه الآخر، ولو ثقب مثلا بفوشنج لنفذ بأرض الصين. قالوا: والناس على الأرض كالنّمل على البيضة، واحتجوا لقولهم بحجاج كثيرة، منها إثباتيّ ومنها إقناعيّ، وليس ذلك ببعيد من الأرض، لأن البسيط يحتمل نشز الشيء، فالأرض على هذا لمن هي تحته بساط، ولمن هي فوقه غطاء.
واختلفوا في مساحة الأرض: فذكر محمد بن موسى الخوارزمي صاحب الزيج أن الأرض على القصد تسعة آلاف فرسخ، العمران من الأرض نصف سدسها، والباقي ليس فيه عمارة ولا نبات ولا حيوان، والبحار محسوبة من الغمران، والمفاوز التي بين العمران من العمران.
قال أبو الريحان: طول قطر الأرض بالفراسخ الفان ومائة وثلاثة وسنون فرسخا وثلثا فرسخ، ودورها بالفراسخ ستة آلاف وثمانمائة فرسخ.
وعلى هذا تكون مساحة سطحها الخارج متكسّرا أربعة عشر ألف ألف وسبعمائة وأربعة وأربعين ألفا ومائتين واثنين وأربعين فرسخا وخمس فرسخ. وكان عمر بن جيلان يزعم ان الدنيا كلها سبعة وعشرون ألف فرسخ، فبلد السودان اثنا عشر ألف فرسخ، وبلد الروم ثمانية آلاف فرسخ، وبلد فارس ثلاثة آلاف فرسخ، وأرض العرب أربعة آلاف فرسخ.
وحكي عن أزدشير أنه قال: الأرض أربعة أجزاء، فجزء منها أرض التّرك وهي ما بين مغارب الهند الى مشارق الروم، وجزء منها المغرب وهو ما بين مغارب الروم إلى القبط والبربر، وجزء منها أرض السودان وهي ما بين البربر إلى الهند، وجزء منها هذه الأرض التي تنسب إلى فارس ما بين نهر بلخ إلى منقطع اذربيجان وأرمينية الفارسية ثم الى الفرات، ثم بريّة العرب إلى عمان ومكران، ثم إلى كابل وطخارستان.
وقال دورينوس إن الأرض خمسة وعشرون ألف فرسخ، من ذلك: الترك والصين اثنا عشر
ألف فرسخ، والروم خمسة آلاف فرسخ، وبابل ألف فرسخ. وحكي أن بطليموس صاحب المجسطي قاس حرّان، وزعم أنّها أرفع الأرض، فوجد ارتفاعها ما عدّد، ثم قاس جبلا من جبال آمد ورجع فمسح من موضع قياسه الأول، إلى موضع قياسه الثاني، على مستو من الأرض، فوجده ستة وستين ميلا، فضربه في دور الفلك وهو ست وستون درجة فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف ميل، يكون ذلك ثمانية آلاف فرسخ، فزعم أن دور الأرض يحيط بثمانية آلاف فرسخ. وقال غير بطليموس ممن يرجع إلى رأيه، إن الأرض مقسومة بنصفين، بينهما خطّ الاستواء، وهو من المشرق إلى المغرب، وهو أطول خطّ في كرة الأرض، كما ان منطقة البروج أطول خطّ في الفلك، وعرض الأرض، من القطب الجنوبي الذي يدور حوله سهيل إلى الشمال الذي تدور حوله بنات نعش، فاستدارة الأرض، بموضع خطّ الاستواء، ثلاثمائة وستون درجة، الدرجة خمسة وعشرون فرسخا، فيكون ذلك تسعة آلاف فرسخ، وبين خط الاستواء وكلّ واحد من القطبين تسعون درجة، واستدارتها عرضا مثل ذلك، لأن العمارة في الأرض بين خطّ الاستواء وكل واحد أربع وعشرون درجة، ثم الباقي قد غمره ماء البحر، فالخلق في الرّبع الشمالي من الأرض والربع الجنوبي خراب، والنصف الذي تحتها لا ساكن فيه، والربعان الظاهران هما أربعة عشر إقليما، منها سبعة عامرة، وسبعة غامرة، لشدّة الحرّ بها.
وقال بعضهم: العمران في الجانب الشمالي من الأرض، أكثر منه في الجانب الجنوبي، ويقال إن في الشمالي أربعة آلاف مدينة، وإن كل نصف من الأرض ربعان، فالربعان الشماليان هما النصف المعمور، وهو من العراق إلى الجزيرة، والشام، ومصر، والروم، والفرنجة، ورومية، والسوس، وجزيرة السعادات، فهذا الربع غربي شمالي، ومن العراق إلى الأهواز، والجبال، وخراسان، وتبّت، إلى الصين، إلى واق واق، فهذا الربع شرقي شمالي، وكذلك النصف الجنوبي، فهو ربعان: شرقي جنوبي، فيه بلاد الحبشة والزنج، والنوبة، وربع غربي لم يطأه أحد ممن على وجه الأرض، وهو متاخم للسودان الذين يتاخمون البربر، مثل كوكو وأشباههم. وحكى آخرون أن بطليموس الملك اليوناني، وأحسبه غير صاحب المجسطي، لم يكن ملكا ولا في أيام الملوك البطالسة، إنما كان بعدهم، بعث إلى هذا الربع قوما حكماء منجمين، فبحثوا عن البلاد وألطفوا النظر والاستخبار من علماء تلك الأمم التي تقاربها ومن هو على تخومها، فانصرفوا إليه فأخبروه أنه خراب يباب ليس فيه ملك ولا مدينة ولا عمارة، وهذا الربع يسمّى المحترق، ويسمّى أيضا الربع الخراب، ثم إن بطليموس أراد أن يعرف عظم الأرض وعمرانها وخرابها، فبدأ فأخذ ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها من العدد، وذلك يوم وليلة، ثم قسم ذلك على أربعة وعشرين جزءا، الساعات المستوية خمسة عشر جزءا، وضرب أربعة وعشرين في خمسة عشر، فصار ثلاثمائة وستين جزءا، فأراد أن يعرف كم ميلا يكون الجزء، فأخذ ذلك من خسوف القمر وكسوف الشمس، فنظر كم ما بين مدينة الى مدينة من ساعة، وكم بين المدينة إلى الأخرى، فقسم الأميال على أجزاء الساعة، فوجد الجزء الواحد منها خمسة وسبعين ميلا، فضرب خمسة وسبعين في ثلاثمائة وستين جزءا من أجزاء البروج، فبلغ ذلك سبعة وعشرين ألف ميل،
فقال إن الأرض مدورة متعلّقة بالهواء، فيكون ما يدور بها من الأميال سبعة وعشرين ألف ميل.
ثم نظر في العمران فوجد من الجزيرة العامرة التي في المغرب إلى البحر الأخضر إلى أقصى عمران الصين، إذا طلعت الشمس في الجزائر التي سمّيناها، غابت بالصين، وإذا غابت في هذه الجزائر طلعت بالصين، فذلك نصف دوّارة الأرض، وذلك ثلاثة عشر ألف ميل وخمسمائة ميل طول العمران. ثم نظر أيضا في العمران فوجد عمران الأرض من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال: أعني من دوّارة الأرض حيث استوى الليل والنهار في الصيف إلى عشرين ساعة، والليل أربع ساعات، وفي الشتاء خلاف ذلك، الليل عشرون ساعة والنهار أربع ساعات، فقال إن استواء الليل والنهار في جزيرة بين الهند والحبشة من ناحية الجنوب التي من التيمن وهو ستّون جزءا، ما يكون له أربعة آلاف وخمسمائة ميل، فإذا ضربت السدس في النصف الذي هو نصف دوّارة الأرض من حيث استوى الليل والنهار، تجد العمران الذي يعرف، نصف سدس جميع الأرض.
واختلف آخرون في مبلغ الأرض وكميّتها، فروي عن مكحول أنه قال: مسيرة ما بين أدنى الأرض إلى أقصاها خمسمائة سنة، مائتان من ذلك قد غمرهما البحر، ومائتان ليس يسكنهما أحد، وثمانون يأجوج ومأجوج، وعشرون فيها سائر الخلق. وعن قتادة، قال: الدنية أربعة وعشرون ألف فرسخ، فملك السودان منها اثنا عشر ألف فرسخ، وملك العجم ثلاثة آلاف فرسخ، وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ، وملك العرب ألف فرسخ. ورواية أخرى عن بطليموس أنّه خرّج مقدار الدنيا واستدارتها من المجسطي بالتقريب، فقال: استدارة الأرض مائة ألف وثمانون ألف إسطاديون، والإسطاديون مساحة أربعمائة ذراع، وهي أربعة وعشرون ألف ميل، فيكون ثمانية آلاف فرسخ بما فيها من الجبال والبحار والفيافي والغياض. قال: وغلظ الأرض، وهو قطرها، سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلا، تكون ألفين وخمسمائة فرسخ وأربعين فرسخا وثلثي فرسخ. قال: فتكسير جميع بسيط الأرض مائة واثنان وثلاثون ألف ألف وستمائة ألف ميل، يكون مائتي ألف وثمانية وثمانين ألف فرسخ.
واختلفوا أيضا في كيفية عدد الأرضين، قال الله ﷿: «الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمن الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ». فاحتمل هذا أن يكون في العدد والاطباق فروي في بعض الأخبار أن بعضها فوق بعض، وغلظ كل أرض مسيرة خمسمائة عام، وقد عدّد بعضهم لكل أرض أهلا على صفة وهيئة عجيبة، وسمّى كل أرض باسم خاص كما سمّى كل سماء باسم خاصّ. وعن عطاء بن يسار في قول الله ﷿: «الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمن الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» قال: في كل أرض آدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كابراهيكم، والله أعلم.
وقالت القدماء إن الأرض سبع على المجاورة والملاصقة، فافتراق الأقاليم على المطابقة والمكابسة، والمعتزلة من المسلمين يميلون إلى هذا القول، ومنهم من يرى أن الأرض سبع على الارتفاع والانخفاض، كدرج المراقي.
واختلفوا في البحار والمياه والأنهار فروى المسلمون أن الله خلق البحر مرّا زعاقا، وأنزل من السماء الماء العذب كما قال الله تعالى: «وَأَنْزَلْنا من السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ في الْأَرْضِ». وكل ماء عذب من بئر أو نهر، من ذلك، فإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكا معه طشت، فجمع تلك المياه فردّها إلى الجنّة. ويزعم أهل الكتاب أن أربعة أنهار تخرج من الجنة: الفرات وسيحون وجيحون ودجلة، وذلك أنهم يزعمون أن الجنة في مشارق الأرض.
وأما كيفية وضع البحار في المعمورة، فأحسن ما بلغني فيه ما حكاه ابو الريحان البيروني، فقال أما البحر الذي في مغرب المعمورة وعلى ساحل بلاد طنجة والأندلس، فإنه سمّي البحر المحيط، وسمّاه اليونانيّون أوقيانوس، ولا يلجّج فيه، إنما يسلك بالقرب من ساحله، وهو يمتدّ من عند هذه البلاد نحو الشمال على محاذاة أرض الصقالبة، ويخرج منه خليج عظيم في شمال الصقالبة، ويمتدّ إلى قرب أرض بلغار بلاد المسلمين، ويعرفونه ببحر ورنك، وهم أمة على ساحله، ثم ينحرف وراءهم نحو المشرق، وبين ساحله وبين أقصى أرض التّرك أرضون وجبال مجهولة خربة غير مسلوكة. وأما امتداد البحر المحيط الغربي من أرض طنجة نحو الجنوب، فإنه ينحرف على جنوب أرض سودان المغرب وراء الجبال المعروفة بجبال القمر التي تنبع منها عيون نيل مصر، وفي سلوكه غزر لا تنجو منه سفينة.
وأما البحر المحيط من جهة الشرق وراء أقاصي أرض الصين، فإنه أيضا غير مسلوك ويتشعّب منه خليج يكون منه البحر الذي يسمّى في كل موضع من الأرض التي تحاذيه، فيكون ذلك أوّلا بحر الصين، ثم الهند، وخرج منه خلجان عظام يسمّى كل واحد منها بحرا على حدة، كبحر فارس والبصرة، الذي على شرقيّة تيز ومكران، وعلى غربيّه في حياله فرضة عمان، فإذا جاوزها بلغ بلاد الشّحر التي يجلب منها الكندر، ومرّ إلى عدن، وانشعب منه هناك خليجان عظيمان، أحدهما المعروف بالقلزم، وهو ينعطف فيحيط بأرض العرب حتى تصير به كجزيرة، ولأنّ الحبشة عليه بحذاء اليمن فإنه يسمّى بهما، فيقال لجنوبيّه بحر الحبشة، وللشمالي بحر اليمن، ولمجموعهما بحر القلزم، وإنما اشتهر بالقلزم لأن القلزم مدينة على منقطعه في أرض الشام حيث يستدقّ ويستدير عليه السائر على الساحل نحو أرض البجة. والخليج الآخر المقدّم ذكره، هو المعروف ببحر البربر، يمتدّ من عدن إلى سفالة الزنج، ولا يتجاوزها مركب لعظم المخاطرة فيه ويتّصل بعدها ببحر أوقيانوس المغربي، وفي هذا البحر من نواحي المشرق جزائر الرانج، ثم جزائر الديبجات، وقمير، ثم جزائر الزابج، ومن أعظم هذه الجزائر، الجزيرة المعروفة بسر نديب، ويقال لها بالهندية سنكاديب، ومنها تجلب أنواع اليواقيت جميعها، ومنها يجلب الرصاص القلعي، وسربزه ومنها يجلب الكافور. ثم في وسط المعمورة في أرض الصقالبة والروس، بحر يعرف ببنطس عند اليونانيين، وعندنا يعرف ببحر طرابزندة، لأنها فرضة عليه، ويخرج منه خليج يمرّ على سو مدينة القسطنطينية، ولا يزال يتضايق حتى يقع في بحر الشام الذي على جنوبيّه بلاد المغرب إلى الإسكندرية ومصر، وبجذائها في الشمال أرض الأندلس والروم، وينصبّ إلى البحر المحيط عند الأندلس في مضيق يذكر في الكتب بمعبرة هيرقلس،
ويعرف الآن بالزّقاق، يجري فيه ماؤه إلى البحر المحيط، وفيه من الجزائر المعروفة قبرس، وسامس، ورودس، وصقلية، وأمثالها. وبالقرب من طبرستان بحر فرضة جرجان، عليه مدينة آبسكون وبها يعرف، ثم يمتدّ إلى طبرستان، وأرض الديلم، وشروان، وباب الأبواب، وناحية اللّان، ثم الخزر، ثم نهر أتل الآتي إليه، ثم ديار الغزية، ثم يعود إلى آبسكون وقد سمّي باسم كل بقعة حاذاها، ولكن اشتهاره عندنا بالخزر، وعند الأوائل بجرجان، وسماه بطليموس بحر أرقانيا، وليس يتّصل ببحر آخر. فأما سائر المياه المجتمعة في مواضع من الأرض، فهي مستنقعات وبطائح، وربّما سمّيت بحيرات، كبحيرة أفامية، وطبرية، وزغر بأرض الشام، وكبحيرة خوارزم وآبسكون بالقرب من برسخان.
وسترى من هذه الدائرة في الصورة التالية ما يدل على صورة ما ذكرناه بالتقريب.
واختلفوا في سبب ملوحة ماء البحر، فزعم قوم أنه لما طال مكثه وألحّت الشمس عليه بالإحراق، صار مرّا ملحا، واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو بقيّة ما صفّته الأرض من الرطوبة فغلظ.
وزعم آخرون أن في البحر عروقا تغيّر ماء البحر، فلذلك صار مرّا زعاقا، وزعم بعضهم أن الماء من
الاستحالات، فطعم كل ماء على طعم تربته.
واختلفوا في الجبال، قال الله تعالى: وَأَلْقى في الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ، وقال: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً -. وحكي عن بعض اليونان أن الأرض كانت في الابتداء تكفأ لصغرها، وعلى طول الزمان تكاثفت وثبتت، وهذا القول يصدّقه القرآن لو أنه زاد فيه أنها تثبت بالجبال، ومنهم من زعم أن الجبال عظام الأرض وعروقها.
واختلفوا فيما تحت الأرض، فزعم بعض القدماء أن الأرض يحيط بها الماء، والماء يحيط به الهواء، والهواء يحيط به النار، والنار يحيط بها السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، ثم يحيط بها فلك الكواكب الثابتة، ثم فوق ذلك الفلك الأعظم المستقيم، ثم فوقه عالم النفس، وفوق عالم النفس عالم العقل، وفوق عالم العقل الباري، جلّت عظمته، ليس وراءه شيء.
فعل هذا الترتيب ان السماء تحت الأرض كما هي فوقها. وفي أخبار قصّاص المسلمين أشياء عجيبة تضيق بها صدور العقلاء، أنا أحكي بعضها غير معتقد لصحّتها: رووا أن الله تعالى خلق الأرض تكفأ كما تكفأ السفينة، فبعث الله ملكا حتى دخل تحت الأرض، فوضع الصخرة على عاتقه، ثم أخرج يديه:
إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها، فاستقرّت، ولم يكن لقدمه قرار، فأهبط الله ثورا من الجنّة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، فجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم تصل قدماه إليه، فبعث الله ياقوتة خضراء من الجنة، مسيرها كذا ألف عام، فوضعها على سنام الثور، فاستقرّت عليها قدماه، وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض، مشبّكة تحت العرش، ومنخر الثور في ثقبين من تلك الصخرة تحت البحر، فهو يتنفّس كل يوم نفسين، فإذا تنفّس مدّ البحر وإذا ردّه جزر، ولم يكن لقوائم الثور قرار، فخلق الله تعالى كمكما كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرّت عليها قوائم الثور، ثم لم يكن للكمكم مستقرّ فخلق الله تعالى حوتا يقال له: بلهوت، فوضع الكمكم على وبر ذلك الحوت، والوبر الجناح الذي يكون في وسط ظهر السمكة، وذلك الحوت على ظهر الريح العقيم، وهو مزموم بسلسلة، كغلظ السموات والأرضين، معقودة بالعرش. قالوا ثم إن إبليس انتهى إلى ذلك الحوت، فقال له: إن الله لم يخلق خلقا أعظم منك، فلم لا تزلزل الدنيا؟ فهمّ بشيء من ذلك، فسلّط الله عليه بقّة في عينيه فشغلته، وزعم بعضهم أن الله سلّط عليه سمكة كالشطبة، فهو مشغول بالنظر إليها ويهابها.
قالوا: وأنبت الله تعالى من تلك الياقوتة التي على سنام الثور، جبل قاف، فأحاط بالدنيا، فهو من ياقوتة خضراء، فيقال، والله أعلم، إن خضرة السماء منه، ويقال إن بينه وبين السماء قامة رجل، وله رأس ووجه ولسان، وأنبت الله تعالى من قاف الجبال، وجعلها أوتادا للأرض كالعروق للشجر، فإذا أراد الله، ﷿، أن يزلزل بلدا، أوحى الله إلى ذلك الملك: أن زلزل ببلد كذا، فيحرّك عرقا مما تحت ذلك البلد، فيتزلزل، وإذا أراد أن يخسف ببلد أوحى الله إليه: أن اقلب العرق الذي تحته، فيقلبه فيخسف البلد. وزعم وهب بن منبّه، أن الثور والحوت يبتلعان ما ينصبّ
من مياه الأرض، فإذا امتلأت أجوافهما قامت القيامة. وقال آخرون إن الأرض على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة على سنام الثور، والثور على كمكم من الرمل متلبّد، والكمكم على ظهر الحوت، والحوت على الريح العقيم، والريح على حجاب من الظّلمة، والظلمة على الثّرى، وإلى الثرى ينتهي علم الخلائق، ولا يعلم ما وراء ذلك إلا الله. قال الله تعالى: لَهُ ما في السَّماواتِ وَما في الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى.
قال عبيد الله الفقير إليه مؤلّف الكتاب: قد كتبنا قليلا من كثير مما حكي من هذا الباب، وههنا اختلاف وتخليط لا يقف عند حدّ غير ما ذكرنا لا يكاد ذو تحصيل يسكن إليه، ولا ذو رأي يعوّل عليه، وإنما هي أشياء تكلّم بها القصّاص للتهويل على العامّة، على حسب عقولهم، لا مستند لها من عقل ولا نقل، وليس في هذا ما يعتمد عليه إلا خبر رواه أبو هريرة عن النبي، ﷺ، وهو ما أخبرنا به حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة أبو علي المكبّر البغدادي، إذنا، قال: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحصين، قال: حدّثنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن المذهّب، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، قراءة عليه، فأقرأ به في سنة ست وستين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، ﵀، قال: حدّثنا أبي، حدثنا شريح، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: بينما نحن عند رسول الله، ﷺ، إذ مرّت سحابة، فقال: أتدرون ما هذه فوقكم؟ قلنا:
الله ورسوله أعلم. قال: هذه العنان، وروايا الأرض، يسوقه إلى من لا يشكره من عباده، ولا يدعونه ربّا. أتدرون ما هذه فوقكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: الرقيع موج مكفوف، وسقف محفوظ، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: مسيرة خمسمائة عام.
ثم قال: أتدرون ما الذي فوقها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: سماء أخرى، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: مسيرة خمسمائة عام، حتى عدّ سبع سموات، ثم قال:
أتدرون ما فوق ذلك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: العرش. ثم قال: أتدرون كم بينكم وبين السماء السابعة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: مسيرة خمسمائة عام. ثم قال: أتدرون ما هذه تحتكم؟
قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: الأرض، أتدرون ما تحتها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: أرض أخرى، أتدرون كم بينكم وبينها؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: مسيرة سبعمائة عام، حتى عدّ سبع أرضين. ثم قال: وايم الله لو دليّتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة السّفلى، لهبط بكم على الله. ثم قرأ: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ». قلت: وهذا حديث صحيح، أخرجه أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، عن عبد بن حميد، عن يونس، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة، ﵁، وفي لفظ الخبر اختلاف والمعنى واحد. انتهى.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع