من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الباب الثاني في ذكر الأقاليم السبعة واشتقاقها والاختلاف في كيفيتها
نبدأ، أولا، فنورد عنهم قولا مجملا، يكون عمادا وبيانا لما نأتي به بعد، وهو أشدّ ما سمعت في معناه وألخصه، قالوا: جميع مسافة دوران الأرض، بالقياس المصطلح عليه، مائة ألف ألف وستمائة ألف ميل، كل ميل أربعة آلاف ذراع، الذراع أربعة وعشرون إصبعا، كل ثلاثة أميال منها فرسخ، والأرض التي هي المساحة مقدار دورها، ثلاثة أرباعها مغمورة بالماء، والربع الباقي مكشوف، والمعمورة هي المسكون من هذا الربع المكشوف ثلثه وثلث عشره، والباقي خراب، وهذا المقدار من الربع المسكون مساحته ثلاثة وثلاثون ألف ألف ومائة وخمسون ألف ميل، وهذا العمران هو ما بين خطّ الاستواء إلى القطب الشمالي، وينقسم إلى سبعة أقاليم، واختلفوا في كيفيتها على ما نبيّنه.
واختلف قوم في هذه الأقاليم السبعة: في شمالي الأرض وجنوبيّها، أم في الشمال دون الجنوب، فذهب هرمس إلى أن في الجنوب سبعة أقاليم كما في الشمال. قالوا وهذا لا يعوّل عليه لعدم البرهان، وذهب الأكثرون إلى أن الأقاليم السبعة في الشمال دون الجنوب، لكثرة العمارة في الشمال وقلّتها في الجنوب، ولذلك قسموها في الشمال دون الجنوب. وأما اشتقاق الأقاليم فذهبوا إلى أنها كلمة عربية، واحدها إقليم، وجمعها أقاليم، مثل إخريط وأخاريط، وهو نبت، فكأنه إنما سمّي إقليما، لأنه مقلوم من الأرض التي تتاخمه، أي مقطوع، والقلم في أصل اللغة القطع، ومنه قلمت ظفري، وبه سمي القلم لأنه مقلوم، أي مقطوع مرّة بعد مرّة، وكلما قطعت شيئا بعد شيء فقد قلمته.
وقال محمد بن أحمد أبو الرّيحان البيروني: الإقليم على ما ذكر أبو الفضل الهروي في المدخل الصاحبي هو الميل، فكأنهم يريدون بها المساكن المائلة عن معدّل النهار. قال: وأما على ما ذكر حمزة بن الحسن الأصفهاني، وهو صاحب لغة ومعنيّ بها، فهو الرستاق، بلغة الجرامقة سكّان الشام والجزيرة، يقسمون بها المملكة، كما يقسم أهل اليمن بالمخاليف، وغيرهم بالكور والطساسيج وأمثالها. قال:
وعلى ما ذكر أبو حاتم الرازي في كتاب الزينة، هو النصيب، مشتقّ من القلم بإفعيل، إذ كانت مقاسمة الأنصباء بالمساهمة بالأقلام مكتوبا عليها أسماء السهام كما قال الله تعالى: إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ».
وقال حمزة الأصفهاني: الأرض مستديرة الشكل، المسكون منها دون الربع، وهذا الربع ينقسم
قسمين: برا وبحرا، ثم ينقسم هذا الربع سبعة اقسام، يسمّى كل قسم منها بلغة الفرس كشخر، وقد استعارت العرب من السّريانيين للكشخر اسما، وهو الإقليم، والإقليم اسم للرستاق، فهذا في اشتقاق الإقليم ومعناه كاف شاف إن شاء الله تعالى.
ثم للأمم في هيئة الأقاليم وصفاتها اصطلاحات أربعة:
الاصطلاح الأول: اصطلاح العامة وجمهور الأمّة، وهو جار على ألسنة الناس دائما، وهو أن يسمّوا كل ناحية مشتملة على عدّة مدن وقرى إقليما، نحو الصين، وخراسان، والعراق، والشام، ومصر، وإفريقية، ونحو ذلك. فالأقاليم، على هذا، كثيرة لا تحصى.
الاصطلاح الثاني: لأهل الأندلس خاصّة، فإنهم يسمّون كل قرية كبيرة جامعة إقليما، وربما لا يعرف هذا الاصطلاح إلا خواصّهم، وهذا قريب مما قدّمنا حكايته عن حمزة الأصفهاني، فإذا قال الأندلسي: أنا من إقليم كذا، فإنما يعني بلدة، أو رستاقا بعينه.
الاصطلاح الثالث: للفرس قديما، وأكثر ما يعتمد عليه الكتّاب، قال أبو الريحان: قسم الفرس الممالك المطيفة بايرانشهر، في سبع كشورات، وخطّوا حول كل مملكة دائرة، وسمّوها كشورا وكشخرا، اشتقاقهما على ما قيل من كشسته، وهو اسم الخطّ في لغتهم، ومعلوم أن الدوائر المتساوية لا تحيط بواحدة منها متماسّة إلا إذا كانت سبعا تحيط ستّ منها بواحدة فقسموا إيرانشهر إلى كشورات ستّ، والمعمورة بأسرها إلى سبع، والأصل في هذه القسمة ما أخبر به زرادشت، صاحب ملّتهم، من حال الأرض، وأنها مقسومة بسبعة أقسام، كهيئة ما ذكرنا، أوسطها هنيرة، وهو الذي نحن فيه، ويحيط بها ستة. قال أبو الريحان: وأما الحقيقة لم جعلوها سبعا، فما أجدني واجده بالطريق البرهاني، فإن الكافّة لم يتسارعوا إلا إلى عدد الكواكب السيّارة، مستدلّين عليه بأيام الأسبوع التي لا يختلف فيها، ولا في المبدإ الموضوع لها من يوم الأحد، مختلفو الأمم. وصورة الكشورات الداخلة في كشخر هنيرة على ما نقلته من كتاب أبي الريحان وخطّ يده، الصورة على الصفحة المقابلة. قال أبو الريحان: وبهذه القسمة قال هرمس ما أسند إليه محمد بن ابراهيم الفزاري في زيجه، إذ كان هرمس من القدماء، فكأنه لم يستعمل في زمانه غيرها، وإلا فالأمور الرياضية النجومية بهرمس أولى. قال: وزاد الفزاري أن كل كشور سبعمائة فرسخ في مثلها. وقرأت في غير كتاب أبي الريحان أن كل إقليم من هذه السبعة التي قدّمنا وصفها، طول أرضه سبعمائة فرسخ، إلا السابع، فإنه مائتان وعشرون فرسخا، والله أعلم.
الاصطلاح الرابع: وعليه اعتماد أهل الرياضة والحكمة والتنجيم، وهو عندهم يمتدّ طولا من المشرق إلى المغرب على الشكل الذي نصوّره بعد قال أبو الريحان: عقيب ما ذكره من اصطلاح أهل فارس ومن خطّه نقلته: وأما من زاول صناعة التنجيم وكلف بعلم هيئة العالم، فإنه أتى هذه القسمة من مأتى آخر، لأنه لما نظر إلى الأولى ولم يجد لها نظاما تطرّد عليه من الأسباب الطبيعية دون الوضعيّة التي بحسبها تختلف المساكن في الكرة من الحرّ والبرد وسائر الكيفيات، أعرض عن تلك
القسمة ولم يلتفت إليها. ثم قال: نحن إذا تأمّلنا الاختلافات التي تلحق الليل والنهار من ولوج أحدهما على الآخر، على طرفي الصيف والشتاء، فالذي يحدث في الهواء من احتدام الحرّ وكلب البرد وما يتبع ذلك من تأثير الأرض والماء بهما، وجدناها بحسب الإمعان، في جهتي الشمال والجنوب فقط، وإننا متى لزمنا نحو المشرق والمغرب مدارا واحدا لا يقرّبنا سلوكه من شمال أو جنوب، لم يختلف علينا شيء مما وجوده بالإضافة إلى الآفاق بتّة، اللهم إلا الانتقال من صرود إلى جروم، أو عكسه مما لا يوجبه ذلك السّمت، إنما يتّفق من جهة الأنجاد والأغوار، وأوضاع أحدهما من الآخر فيه وتقدّم الطلوع والغروب وتأخّرهما، إلا أنه ليس بمعلوم بالاحساس وإنما يتوصّل إليه بالنظر والقياس، فإذا قسمنا المعمورة عرضا بحسب الاختلاف والتغاير، على أقسام متوازية في طول الأرض، ليتّفق كل قسم في المشارق والمغارب على حال واحدة بالتقريب، كان أصوب من أن نقسمهما بغير ذلك من الخطوط. ثم تأمل النهار الأطول والأقصر، فإن النظر فيهما، لتكافئهما، واحد.
فوجده من جهة الشمال حيث الناس متمدّنون، وعلى قضايا الاعتدال خلقا وخلقا مجتمعون، دون
المتوحشين المختفين في الغياض والقفار، الذين يفترسون من وجدوه من الناس، ويأكلونه ثلاث عشرة ساعة، فجعل الحدّ الجنوبي وسط الإقليم الأول، ثم الحدّ الشمالي وسط الإقليم السابع، وسائر الأقاليم تتزايد نصف ساعة في النهار الأطول في أوساط الإقليم. وأما ما وراء الإقليم السابع منها، فأرضون يعرض البرد في قيظها، ويهلك من شتائها الذي هو أطول فصول السنة فيها، فيقلّ قاطنوها، وتنزر عقولهم، حتى ربما اجتووا ببهيميّتهم مخالطة الناس، كما يراها من وراء الإقليم السابع بسبعيتهم.
فإذا قسمت المعمور بالأقاليم، على هذه الجهة، فصورتها تكون قريبا من الصورة التالية:
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع