من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الباب الرابع في أقوال الفقهاء في أحكام أراضي الفيء والغنيمة وكيف قسمة ذلك
قال مسلمة بن محارب: حدّثني قحذم قال: جهد زياد في سلطانه، أن يخلّص الصّلح من العنوة، فما قدر، مع قرب العهد ووجود من حضر الفتوح، فأما الحكم في ذلك، فهو أن تخمّس الغنيمة، ثم تقسم أربعة الأخماس بين الذين افتتحوها، وقال بعضهم: ذلك إلى الإمام، إن رأى أن يجعلها غنيمة فيخمّسها ويقسم الباقي كما فعله رسول الله، ﷺ، بخيبر فذلك إليه، وإن رأى أن يجعلها فيئا، فلا يخمسها ولا يقسمها، بل تكون مقسومة على المسلمين كافّة، كما فعل عمر بن الخطاب، ﵁، بمشورة عليّ بن أبي طالب، ﵁، ومعاذ بن جبل، وأعيان الصحابة، بأرض السواد، وأرض مصر، وغيرهما مما فتحه عنوة. أخذ رسول الله، ﷺ، بقوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ من شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ»، وبذلك أشار الزبير في مصر، وبلال في الشام، وهو مذهب مالك بن أنس، فالغنيمة، على رأيهم، لأهلها دون الناس. واعتمد عمر بن الخطاب، ﵁، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، ﵄، في قوله ﷿: «ما أَفاءَ الله عَلى رَسُولِهِ من أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ»، إلى قوله تعالى: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا من دِيارِهِمْ ... وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ من قَبْلِهِمْ ... وَالَّذِينَ جاؤُ من بَعْدِهِمْ» وبذا أخذ سفيان الثوري. فإن قسّم الأرض بين من غلب عليها، كما فعل رسول الله، ﷺ، بأراضي خيبر، صارت عشريّة وأهلها رقيقا، فإن لم يقسمها وتركها للمسلمين كافّة، فعلى رقاب أهلها الجزية، وقد عتقوا بها، وعلى الأرض الخراج، وهي لأهلها، وهو قول أبي حنيفة، ﵁، وإذا أسلم الرجل من أهل العنوة وأقرّت أرضه في يده يعمرها، فيؤدّي الخراج عنها، ولا اختلاف في ذلك لقوم، بل يكون الخراج عليه، ويزكي بقية ما تخرجه الأرض، بعد إخراج الخراج، إذا بلغ الحبّ خمسة أوسق. وروي عن عليّ، ﵁، أنه قال: لا يؤخذ من أرض الخراج إلا الخراج وحده، يقول: لا يجمع على المسلم الخراج والزكاة جميعا، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال: أبو يوسف وشريك بن عبد الله في آخرين: إذا استأجر المسلم أرضا خراجيّة، فعلى صاحب الأرض الخراج، وعلى المسلم أن يزكي أرضه إذا بلغ ما يخرج منها خمسة أوسق، وكان
الحسن رأى الخراج على ربّ الأرض، ولم ير على المستأجر شيئا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف:
أجرة من يقسم غلّة العشر والخراج، من أصل الكيل. وكان سفيان يرى أن أجور الخراج على السلطان وأجور العشر على أهل الأرض. وقال مالك بن أنس: أجور العشر على صاحب الأرض وأجور الخراج على الوسط. وقال مالك وأبو حنيفة وعامّة الفقهاء: إذا عطّل رجل من أهل العنوة أرضه أمر بزراعتها وأداء خراجها، فإن لم يفعل أمر أن يدفعها إلى غيره، وأما أرض العشر فلا يقال له فيها شيء إن زرعت أخذت منه الصدقة وإن أبى فهو أعلم. وقالوا: إذا بني في أرض العشر بناء من حوانيت وغيرها، فلا شيء عليه، وإن جعلها بستانا لزمه الخراج. وقال مالك بن أنس وابن أبي ذؤيب وأبو عمرو الأوزاعي: إذا أصابت الغلّات آفة، سقط الخراج عن صاحبها، وإذا كانت أرض من أراضي الخراج لعبد أو مكاتب أو امرأة، فإن أبا حنيفة قال: عليها الخراج فقط. وقال سفيان وابن أبي ذؤيب ومالك: عليها الخراج وفيما بقي من الغلّة العشر. وقال أبو يوسف في أرض موات من أرض العنوة، يحييها المسلم، إنها له، وهي أرض خراج إن كانت تشرب من ماء الخراج، وإن استنبط لها عينا، أو سقاها ماء السماء، فهي أرض عشر. وقال بشر: هي أرض عشر شربت من ماء الخراج أو غيره. وقال أبو يوسف: إن كان للبلاد سنّة أعجمية قديمة لم يغيّرها الإسلام ولم يبطلها، ثم شكاها قوم إلى الإمام، وسألوه إزالة معرّتها، فليس له أن يغيرها. وقال مالك والشافعي:
يغيّرها وإن قدمت، لأن عليه إزالة كل سنّة جائزة سنّها أحد من المسلمين، فضلا عمّا سنّ أهل الكفر. فهذا كاف في حكم أراضي الخراج.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع