من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الإِيْوَانُ
آخره نون: وهو إيوان كسرى، قال النحويون: الهمزة في إيوان أصل غير زائدة ولو كانت زائدة لوجب إدغام الياء في الواو وقلبها إلى الياء كما في أيّام، فلما ظهرت الياء ولم تدغم دل على أن الياء عين وإن الفاء همزة وقلبت ياء لكسرة الفاء وكراهية التضعيف، كما قلبت في ديوان وقيراط، وكما أن الدال والقاف فاءان والياءين عينان كذلك التي في إيوان.
وإيوان كسرى الذي بالمدائن، مدائن كسرى:
زعموا أنه تعاون على بنائه عدة ملوك، وهو من أعظم الأبنية وأعلاها، رأيته وقد بقي منه طاق الإيوان حسب، وهو مبنيّ بآجرّ طول كل آجرّة نحو ذراع في عرض أقلّ من شبر وهو عظيم جدا، قال حمزة بن الحسن: قرأت في الكتاب الذي نقله ابن المقفع أن الإيوان الباقي بالمدائن هو من بناء سابور ابن أردشير، فقال لي الموبذان، موبذان أميد ابن أشوهست: ليس الأمر كما زعم ابن المقفّع، فان ذلك الإيوان خرّبه المنصور أبو جعفر وهذا الباقي هو من بناء كسرى أبرويز. وقد حكي أن المنصور لما أراد بناء بغداد استشار خالد بن برمك في هدم الإيوان وإدخال آلته في عمارة بغداد، فقال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فقال: أبيت إلا التّعصّب للفرس! فقال: ما الأمر كما ظن أمير المؤمنين ولكنه أثر عظيم يدلّ على أنّ ملّة ودينا وقوما أذهبوا ملك بانيه لدين وملك عظيم، فلم يصغ إلى رأيه وأمر بهدمه فوجد النفقة عليه أكثر من الفائدة بنقضه فتركه، فقال خالد: الآن أرى يا أمير المؤمنين أن تهدمه لئلا يقال إنك عجزت عن خراب ما عمره غيرك ومعلوم ما بين الخراب والعمارة، فعلى قول الموبذان: إنه خرّب إيوان سابور بن أردشير، وعلى قول غيره: إنه خرّب إيوان سابور بن أردشير، وعلى قول غيره: إنه لم يلتفت إلى قوله أيضا وتركه.
وما زلت أسمع أن كسرى لما أراد بناء إيوانه هذا أمر بشراء ما حوله من مساكن الناس وإرغابهم بالثمن الوافر وإدخاله في الإيوان، وأنه كان في جواره عجوز لها دويرة صغيرة فأرادوها
على بيعها فامتنعت وقالت: ما كنت لأبيع جوار الملك بالدنيا جميعها، فاستحسن منها هذا الكلام وأمر ببناء الإيوان وترك دارها في موضعها منه وإحكام عمارتها، ولما رأيت الإيوان رأيت في جانب منه قبّة صغيرة محكمة العمارة يعرفها أهل تلك الناحية بقبّة العجوز، فعجبت من قوم كان هذا مذهبهم في العدل والرفق بالرعية كيف ذهبت دولتهم لولا النبوّة التي شرّفها الله تعالى وشرف بها عباده، وقال ابن الحاجب يذكر الإيوان:
يا من بناه بشاهق البنيان!أنسيت صنع الدهر بالإيوان؟
هذي المصانع والدساكر والبناوقصور كسرانا أنو شروان
كتب الليالي، في ذراها، أسطرابيد البلى وأنامل الحدثان
إنّ الحوادث والخطوب، إذا سطتأودت بكل موثّق الأركان
قلت: ومن أحسن ما قيل في الإيوان قول أبي عبادة البحتري:
حضرت رحلي الهموم، فوجّهتإلى أبيض المدائن عنسي
أتسلّى عن الحظوظ، وآسىلمحلّ، من آل ساسان درس
ذكّرتنيهم الخطوب التّوالي،ولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظلّ عالمشرف، يحسر العيون ويخسي
مغلق بابه، على جبل القبق،إلى دارتي خلاط ومكس
حلل، لم تكن كأطلال سعدى،في قفار من البسابس ملس
ومساع، لولا المحاباة منّي،لم تطقها مسعاة عنس وعبس
نقل الدّهر عهد هنّ عن الجدّة،حتّى غدون أنضاء لبس
فكأنّ الجرماز، من عدم الأنسوإخلاقه، بنيّة رمس
لو تراه، علمت أنّ اللّياليجعلت فيه مأتما، بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوم،لا يشاب البيان فيهم بلبس
فإذا ما رأيت صورة أنطاكيّة ارتعت بين روم وفرس
وقد كان في الإيوان صورة كسرى أنوشروان وقيصر ملك أنطاكية وهو يحاصرها ويحارب أهلها:
والمنايا مواثل، وأنوشروان يزجي الصّفوف تحت الدّرفس
في اخضرار من اللّباس، على أصفريختال في صبيغة ورس
وعراك الرّجال، بين يديه،في خفوت منهم وإغماض جرس
من مشيح، يهوي بعامل رمح،ومليح من السّنان، بترس
تصف العين أنّهم جدّ أحياء،لهم، بينهم، إشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي، حتّىتتقرّاهم يداي بلمس
قد سقاني، ولم يصرّد، أبو الغوث،على العسكرين، شربة خلس
من مدام، تقولها هي نجمأضوأ اللّيل، أو مجاجة شمس
وتراها، إذا أجدّت سروراوارتياحا للشّارب المتحسّي
أفرغت في الزّجاج، من كلّ قلب،فهي محبوبة إلى كلّ نفس
وتوهّمت أنّ كسرى أبرويزمعاطيّ، والبلهبذ أنسي
حلم مطبق على الشّكّ عيني،أم أمان غيّرن ظنّي وحدسي؟
وكأنّ الإيوان من عجب الصّنعةجوب، في جنب أرعن جلس
يتظنّى، من الكآبة، أن يبدولعيني مصبّح أو ممسّ
مزعجا بالفراق عن أنس إلف،عزّ، أو مرهقا بتطليق عرس
عكست حظّه اللّيالي، وبات المشتري فيه، وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلّدا، وعليهكلكل من كلاكل الدّهر مرس
لم يعبه أن بزّ من بسط الدّيباج، واستلّ من ستور الدّمقس
مشمخرّ، تعلو له شرفات،رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لابسات من البياض، فما تبصرمنها إلّا فلائل برس
ليس يدرى: أصنع إنس لجنّسكنوه، أم صنع جنّ لإنس؟
غير أنّي أراه يشهد أن لميك بانيه، في الملوك، بنكس
فكأنّي أرى المراتب والقوم، إذا ما بلغت آخر حسّي
وكأنّ الوفود ضاحين حسرى،من وقوف خلف الزّحام، وخنس
وكأنّ القيان، وسط المقاصير،يرجّحن بين حوّ ولعس
وكأنّ اللّقاء أوّل من أمسووشك الفراق أوّل أمس
وكأنّ الّذي يريد اتّباعا،طامع في لحوقهم صبح خمس
عمرت للسّرور دهرا، فصارتللتّعزّي، رباعهم، والتّأسّي
فلها أن أعينها بدموعموقفات على الصّبابة حبس
ذاك عندي، وليست الدّار داري،باقتراب منها، ولا الجنس جنسي
غير نعمى لأهلها عند أهلي،غرسوا من ذكائها خير غرس
أيّدوا ملكنا وشدّوا قواهبكماة، تحت السّنوّر، حمس
وأعانوا على كتائب أرياط بطعن على النّحور، ودعس
وأراني، من بعد، أكلف بالأشرافطرّا، من كلّ سنخ واسّ
واجتاز الملك العزيز جلال الدولة البويهي على إيوان كسرى فكتب عليه بخطه من شعره:
يا
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع