من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
الجَعْفَرِيُّ
هذا اسم قصر بناه أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بالله قرب سامرّاء بموضع يسمّى الماحوزة فاستحدث عنده مدينة وانتقل إليها وأقطع القوّاد منها قطائع فصارت أكبر من سامرّاء، وشقّ إليها نهرا فوهته على عشرة فراسخ من الجعفريّ يعرف بجبّة دجلة، وفي هذا القصر قتل المتوكل في شوال سنة فعاد الناس إلى سامرّاء، وكانت النفقة عليه عشرة آلاف درهم كذا ذكر بعضهم في كتاب أبي عبد الله بن عبدوس، وفي سنة بنى المتوكل الجعفريّ وأنفق عليه ألفي ألف دينار، وكان المتولي لذلك دليل بن يعقوب النصراني كاتب بغا الشرابي قلت: وهذا الذي ذكره ابن عبدوس أضعاف ما تقدّم لأن الدراهم كانت في أيام المتوكل كل خمسة وعشرين درهما بدينار فيكون عن ألفي ألف دينار خمسون ألف ألف درهم، قال:
ولما عزم المتوكل على بناء الجعفري تقدّم إلى أحمد ابن إسرائيل باختيار رجل يتقلد المستغلات بالجعفري من قبل أن يبنى وإخراج فضول ما بناه الناس من المنازل، فسمّى له أبا الخطاب الحسن بن محمد الكاتب، فكتب الحسن بن محمد إلى أبي عون لما دعي إلى هذا العمل:
إني خرجت إليك من أعجوبةمما سمعت به، ولمّا تسمع
سميت للأسواق، قبل بنائها،ووليت فضل قطائع لم تقطع
ولما انتقل المتوكل من سامرّاء إلى الجعفري انتقل معه عامة أهل سامرّاء حتى كادت تخلو فقال في ذلك أبو عليّ البصير هذه الأبيات:
إن الحقيقة غير ما يتوهّم،فاختر لنفسك أي أمر تعزم
أتكون في القوم الذين تأخرواعن خطّهم أم في الذين تقدّموا
لا تقعدنّ تلوم نفسك، حين لايجدي عليك تلوّم وتندّم
أضحت قفارا سرّ من را ما بهاإلّا لمنقطع به متلوّم
تبكي بظاهر وحشة، وكأنهاإن لم تكن تبكي بعين تسجم
كانت تظلّم كلّ أرض مرّةمنهم، فصارت بعدهن تظلّم
رحل الإمام فأصبحت، وكأنهاعرصات مكة حين يمضي الموسم
وكأنما تلك الشوارع بعض ماأخلت إياد، من البلاد، وجرهم
كانت معادا للعيون، فأصبحتعظة ومعتبرا لمن يتوسّم
وكأن مسجدها، المشيد بناؤه،ربع أحال ومنزل مترسّم
وإذا مررت بسوقها لم تثن عنسنن الطريق، ولم تجد من يزحم
وترى الذراري والنساء، كأنهمخلق أقام وغاب عنه القيّم
فارحل إلى الأرض التي يحتلّهاخير البريّة، إن ذاك الأحزم
وانزل مجاوره بأكرم منزل،وتيمّم الجهة التي يتيمّم
أرض تسالم صيفها وشتاؤها،فالجسم بينهما يصحّ ويسلم
وصفت مشاربها وراق هواؤها،والتذّ برد نسيمها المتنسّم
سهليّة جبليّة، لا تحتويحرّا ولا قرّا، ولا تستوخم
وللشعراء في ذكر الجعفريّ أشعار كثيرة، ومن
أحسن ما قيل فيه قول البحتري:قد تمّ حسن الجعفريّ، ولم يكن
ليتمّ إلّا بالخليفة جعفرفي رأس مشرفة حصاها لؤلؤ،
وترابها مسك يشاب بعنبرمخضرّة، والغيث ليس بساكب،
ومضيئة، والليل ليس بمقمرملأت جوانبه الفضاء، وعانقت
شرفاته قطع السّحاب الممطرأزرى على همم الملوك، وغض عن
بنيان كسرى في الزمان وقيصرعال على لحظ العيون، كأنما
ينظرن منه إلى بياض المشتريوتسير دجلة تحته، ففناؤه
من لجّة غمر وروض أخضرشجر تلاعبه الرياح، فتنثني
أعطافه في سائح متفجرأعطيته محض الهوى، وخصصته
بصفاء ودّ منك غير مكدرواسم شققت له من اسمك، فاكتسى
شرف العلوّ به وفضل المفخر
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع