تجاوز إلى المحتوى

من «معجم البلدان» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

الجلس

د وقد ذبح له رجل من بني الامريّ بن مهرة ذبحا إذ سمعنا فيه كهمهمة الرعد، فأصغينا فإذا قائل يقول: شعار أهل عدم، انه قضاء حتم، ان بطش سهم فقد فاز سهم، فقلنا: ربنا وضاح وضاح! فأعاد الصوت وهو يقول: ناء نجم العراق، يا أخزر بن علاق، هل أحسست جمعا عما، وعددا جما، يهوي من يمن وشام، إلى ذات الآجام، نور أظلّ، وظلام أفلّ، وملك انتقل، من محل إلى محلّ. ثم سكت فلم ندر ما هو، فقلنا: هذا أمر كائن. فلما كان في العام المقبل وقد راث علينا ما كنا نسمع من كلام الصنم وساءت ظنوننا وقرّبنا قربانا ولطخنا بدمه وكذلك كنا نفعل، فإذا الصوت قد عاد علينا فتباشرنا وقلنا: عم صباحا ربّنا لا مصدّ عنك ولا محيد، تشاجرت الشئون، وساءت الظنون، فالعياذ من غضبك، والإياب إلى صفحك! فإذا النّداء من الصنم يقول: قلبت البنات، وعزّاها واللات، وعلياها ومناة، منعت الأفق فلا مصعد، وحرست فلا مقعد، وأبهمت فلا متلدد، وكان قد ناجم نجم، وهاجم هجم، وصامت زجم، وقابل رجم، وداع نطق، وحق بسق، وباطل زهق. ثم سكت. فتحدثت القبائل بهذا في مخاليف اليمن فأنا لعلى افان ذلك إذ أضل رجل من كندة إبلا فأقبل إلى الجلسد فنحر جزورا واستعار ثوبين من ثياب السدنة واكتراهما فلبسهما، وكذلك كانوا يفعلون، ثم قال: أنشدك يا رب أبكرا ضخما مدمومة دما مخلوقة بالأفخاذ مخبوطة بالحاذ أضللتها بين جماهير النخرة حيث الشقيقة والضفرة، فاهد ربّ وأرشد فلم يجب، قال الأخزر:

فانكسر لذلك، وقد كان فيما مضى يخبرنا بالأعاجيب، فلما جن علينا الليل بتّ مبيتي عنده فإذا هاتف يقول:

لا شأن للجلسد ولا رثي لهدد، استقام الأود وعبد الواحد الصمد، واكفى الحجر الأصلد، والرأس الأسود، قال: فنهضت مذعورا فأتيت الصنم فإذا هو منقلب على رأسه وكان لو اجتمع فئام من الناس ما حلحلوه، فو الذي نفسي بيده ما عرّجت على أهل ولا مال حتى أتيت راحلتي وخرجت حتى أتيت صنعاء فقلت: هل من خابئة خبر؟ فقيل لي: ظهر رجل بمكة يدعو إلى خلع الأوثان ويزعم أنه نبيّ، فلم أزل أطوف في مخاليف اليمن حتى ظهر الإسلام، فأتيت النبي، ﷺ، فأسلمت وفي أشعارهم:

... كمابيقر من يمشي إلى الجلسد

والبيقرة: مشية يطأطئ الرجل فيها رأسه.

جِلْسُ:

بالكسر، والسكون، والسين مهملة والجلس في اللغة والجليس واحد، وجلس والقنان:

جبلان مما يلي علياء أسد وعلياء غطفان ويروى قول العرجي بكسر الجيم:

بنفسي والنّوى أعدى عدوّ،لئن لم يبق لي بالجلس جارا
وماذا كثرة الجيران تغنيإذا ما بان من أهوى وسارا؟

الجَلْسُ:

بالفتح، وهو الغليظ من الأرض ومنه جمل جلس وناقة جلس أي وثيق جسيم. والجلس: علم لكل ما ارتفع من الغور في بلاد نجد، قال ابن السكيت:

جلس القوم إذا أتوا نجدا، وهو الجلس وأنشد:

شمال من غار به مفرعا،وعن يمين الجالس المنجد

وقال الهذلي:

إذا ما جلسنا لا تكاد تزورناسليم، لدى أبياتنا، وهوازن

أي إذا أتينا نجدا وورد الفرزدق المدينة مادحا لمروان بن الحكم فأنكر مروان منه شيئا فأمره بالخروج من المدينة عنفا بعد أن كتب له إلى بعض العمال بمال، فقال الفرزدق:

يا مرو إن مطيّتي محبوسة،ترجو الحباء، وربها لم ييأس

فالتقاه رجل فأنشده هذه الأبيات:

قل للفرزدق والسفاهة كاسمها:إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
وأتيتني بصحيفة مختومة،أخشى عليك بها حباء النّقرس
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «مروان إن مطيتي معكوسة»
الق الصحيفة، يا فرزدق! لا تكننكداء مثل صحيفة المتلمّس

قال الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا خالد بن النضر القرشي قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا كثير بن عبد الرحمن بن جعفر عن عبد الله ابن كثير بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جدّه بلال بن الحارث المزني قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، في بعض أسفاره فخرج لحاجته، وكان إذا خرج لحاجته يبعد، فأتيته بإداوة من ماء فانطلق، فسمعت عنده خصومة رجال ولغطا لم أسمع مثله فقال: بلال؟ فقلت: بلال! فقال:

أمعك ماء؟ قلت: نعم، قال: أصبت فأخذه مني وتوضأ، قلت: يا رسول الله سمعت عندك خصومة رجال ولغطا لم أسمع أحدا من ألسنتهم، قال: اختصم عندي الجن المسلمون والجن المشركون وسألوني أن أسكنهم فأسكنت المشركين الغور وأسكنت المسلمين الجلس قال عبد الله بن كثير:

قلت لكثير ما الجلس وما الغور؟ قال: الجلس القرى ما بين الجبال والبحر، قال كثير: ما رأينا أحدا أصيب بالجلس إلا سلم ولا أصيب أحد بالغور إلا ولم يكد يسلم وقال إبراهيم بن هرمة:

قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدّرس،ولا تستملا أن يطول به حبسي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدرس»
ولو أطمعتنا الدار، أو ساعفت بها،نصصنا ذوات النّصّ والعنق الملس
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدرس»
وحثّت إليها كلّ وجناء حرّةمن العيس، ينبي رحلها موضع الحلس
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدرس»
ليعلم أن البعد لم ينس ذكرها،وقد يذهل النّأي الطويل، وقد ينسي
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدرس»
فإن سكنت بالغور حنّ صبابةإلى الغور، أو بالجلس حنّ إلى الجلس
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدرس»
تبدّت، فقلت: الشمس عند طلوعها،بلون غنيّ الجلد عن أثر الورس
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدرس»
فلما ارتجعت الرّوح قلت لصاحبيعلى مرية: ما ههنا مطلع الشمس
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «قفا فهريقا الدمع بالمنزل الدرس»

وتقول: رأيت جلسا أي رجلا طويلا راكبا جلسا أي بعيرا عاليا قد علا جلسا: اسم جبل يأكل جلسا أي عسلا، ويشرب جلسا أي خمرا، يؤمّ جلسا أي نجدا وأنشد ابن الأعرابي:

وكنت امرأ بالغور مني زمانة،وبالجلس أخرى ما تعيد ولا تبدي
فطورا أكرّ الطرف نحو تهامة،وطورا أكرّ الطرف شوقا إلى نجد
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وكنت امرءا بالغور مني ضمانة»
وأبكي على هند إذا ما تباعدت،وأبكي إلى دعد إذا فارقت هند

أقول إلى بمعنى مع كأنه قال: أبكيهما معا.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الجيم واللام وما يليهما

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.