من «البيان والتبيين» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
مقطعات وخطب قصيرة
قال أبو عثمان: قد ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ وخطبه صدرا، وذكرنا من خطب السلف ﵏ جملا، وسنذكر من مقطّعات الكلام، وتجاوب البلغاء، ومواعظ النساك، ونقصد من ذلك إلى القصار دون الطوال، ليكون ذلك أخفّ على القارىء، وأبعد من السآمة والملل. ثم نعود بعد ذلك إلى الخطب المنسوبة إلى أهلها إن شاء الله. ولا قوة إلا بالله.
قال ابو الحسن المدائني: قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي، على المهلّب بن ابي صفرة، في بعض أيامه مع الأزارقة، فرأى بنيه قد ركبوا عن آخرهم فقال: «شدّ الله الاسلام بتلاحقكم، فوالله لئن لم تكونوا أسباط نبوة إنكم لأسباط ملحمة».
وقال أبو الحسن: دخل الهذيل بن زفر الكلابي، على يزيد بن المهلب في حملات لزمته، ونوائب نابته، فقال له: «أصلحك الله، إنه قد عظم شأنك، وارتفع قدرك أن يستعان بك، أو يستعان عليك. ولست تفعل شيئا من المعروف إلا وأنت أكبر منه. وليس العجب من أن تفعل ولكن العجب من أن لا تفعل». قال يزيد: حاجتك. فذكرها، فأمر له بها، وأمر له بمائة ألف، فقال: أما الحمالات فقد قبلتها، وأما المال فليس هذا موضعه.
عيسى بن يزيد بن دأب، عمّن حدثه عن رجل كان يجالس ابن عباس قال: قال عثمان بن أبي العاصي الثقفي لبنيه: «يا بني، إني قد أمجدتكم في أمهاتكم، وأحسنت في مهنة أموالكم، وإني ما جلست في ظل رجل من ثقيف أشتم عرضه. والناكح مغترس، فلينظر امرؤ منكم حيث يضع غرسه. والعرق السوء قلما ينجب ولو بعد حين». قال: فقال ابن عباس: «يا غلام، أكتب لنا هذا الحديث».
قال: ولما همت ثقيف بالارتداد قال لهم عثمان: «معاشر ثقيف، لا تكونوا آخر العرب إسلاما، وأولهم إرتدادا».
قال: وسمعت إعرابيا ذكر يوما قريشا، فقال: «كفى بقريش شرفا إنهم أقرب الناس نسبا برسول الله ﷺ، وأقربهم بيتا من بيت الله».
الأصمعي قال: قيل لعقيل بن علّفة أتهجو قومك؟ قال: الغنم إذا لم يصفر بها لم تشرب.
قال: وقيل لعقيل: لم لا تطيل الهجاء؟ قال: «يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق».
قال: وسأل عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن معد يكرب، عن سعد قال: كيف أميركم؟ قال: «خير أمير. نبطي في حبوته، عربي في نمرته، أسد في تامورته، يعدل في القضية، ويقسم بالسوية، وينفر في
السرية، وينقل إلينا حقّنا كما تنقل الذّرّة». فقال عمر: لشد ما تقارضتما الثناء.
قال: ولما تورّد الحارث بن قيس الجهضمي بعبيد الله بن زياد، منزل مسعود بن عمرو العتكي، عن غير إذن، فأراد مسعود إخراجه من منزله، قال عبيد الله: قد أجارتني ابنة عمك عليك، وعقدها العقد الذي يلزمك، وهذا ثوبها عليّ وطعامها في مذاخيري، وقد التف علي منزلك. وشهد له الحارث بذلك.
قال: مرّ الشعبي بناس من الموالي يتذاكرون النحو فقال: لئن أصلحتموه إنكم لأول من أفسده.
قال: وتكلم عبد الملك بن عمير، وإعرابي حاضر، فقيل له: كيف ترى هذا الكلام؟ فقال: لو كان الكلام يؤتدم به لكان هذا الكلام مما يؤتدم به.
وقال جرير: «العذرة طرف من البخل».
وقال جرير: «الخرس خير من الخلابة».
وقال ابو عمر الضرير: «البكم خير من البذاء».
قال: وقدم الهيثم بن الأسود بن العريان على عبد الملك بن مروان فقال. كيف تجدك؟ قال: أجدني قد أبيض مني ما كنت أحب أن يسود، وأسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد. ثم أنشد:
اسمع أنبئك بآيات الكبرنوم العشاء وسعال بالسحر
وقلة النوم إذا الليل اعتكروقلة الطعم إذا الزاد حضر
وسرعة الطرف وتحميج النظروتركى الحسناء في قبل الطهر
وحذرا أزداده إلى حذروالناس يبلون كما يبلى الشجر
وقال أكثم بن صيفي: الكرم حسن الفطنة وحسن التغافل، واللؤم سوء الفطنة وسوء التغافل.
وقال أكثم بن صيفي: تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة.
وقال آخر لبنيه: تباذلوا تحابوا.
قال: ودخل عيسى بن طلحة بن عبيد الله، على عروة بن الزبير وقد قطعت رجله، فقال له عيسى: والله ما كنا نعدّك للصراع، ولقد أبقى الله لنا أكثرك: أبقى لنا سمعك وبصرك، ولسانك وعقلك، ويديك وإحدى رجليك.
فقال له عروة: والله يا عيسى ما عزّاني أحد بمثل ما عزّيتني به.
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز ﵀: «أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل».
قال: وقال عمر بن الخطاب ﵀: «إقرؤا القرآن تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، ولن يبلغ حق ذي حق أن يطاع في معصية الله، ولن يقرّب من أجل، ولن يباعد من رزق، أن يقوم رجل بحق، أو يذّكر بعظيم».
وقال إعرابي لهشام بن عبد الملك: أتت علينا ثلاثة أعوام. فعام أكل الشحم، وعام أكل اللحم، وعام انتقى العظم. وعندكم أموال، فإن كانت لله فادفعوها إلى عباد الله، وإن كانت لعباد الله فادفعوها إليهم، وإن كانت لكم فتصدقوا، فإن الله يجزي المتصدقين. قال: فهل من حاجة غير ذلك؟ قال: ما ضربت إليك أكباد الابل أدّرع الهجير، وأخوض الدجى لخاص دون عام.
قال شداد الحارثي، ويكنى أبا عبيد الله: قلت لأمة سوداء بالبادية: لمن أنت يا سوداء؟ قالت: لسيد الحضر يا أصلع. قال: قلت لها: أو لست بسوداء! قالت: أو لست بأصلع؟ قلت: ما أغضبك من الحق؟ قالت: الحق أغضبك! لا تسبب حتى ترهب، ولأن تتركه أمثل.
وقال الأصمعي: قال عيسى بن عمر: قال ذو الرمة: قاتل الله امة آل فلان ما كان أفصحها! سألتها كيف المطر عندكم؟ فقالت: غثنا ما شئنا.
وأنا رأيت عبدا أسود لبني أسيد، قدم عليهم من شقّ اليمامة، فبعثوه ناطورا، وكان وحشيا محرّما، لطول تعزّبه كان في الابل، وكان لا يلقى إلا الأكرة، فكان لا يفهم عنهم، ولا يستطيع إفهامهم، فلما رآني سكن اليّ، وسمعته يقول: لعن الله بلادا ليس فيها عرب. قاتل الشاعر حيث يقول:
حرّ الثرى مستعرب التراب
أبا عثمان، إن هذه العريب في جميع الناس كمقدار القرحة في جميع جلد الفرس، فلولا أن الله رق عليهم فجعلهم في حاشية لطمست هذه العجمان آثارهم، أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا، والله ما أمر الله نبيه بقتلهم إلا لضنه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلا تنزيها لهم.
وقال الأحنف بن قيس: أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار.
قال: ولما مات أسماء بن خارجة، فبلغ الحجاج موته، قال: هل سمعتم بالذي عاش ما شاء، ثم مات حين شاء.
وقال سلّم بن قتيبة: ربّ المعروف أشد من ابتدائه.
أبو هلال، عن قتادة قال: قال أبو الأسود: إذا أردت أن تكذب صاحبك فلقّنه.
وقال أبو الأسود: إذا أردت أن تعظّم فمت، وإذا أردت أن تفحم عالما فاحضره جاهلا.
وقال: وقيل لأعرابي: ما يدعوك إلى نومة الضحى؟ فقال: مبردة في الصيف، مسخنة في الشتاء.
وقال أعرابي: نومة الضحى مجعرة مجفرة مبخرة.
وجاء في الحديث: «الولد مبخلة مجبنة».
قال: ونظر أعرابي إلى قوم يلتمسون هلال رمضان، فقال أما والله لئن أثرتموه لتمسكنّ منه بذنابي عيس أغبر.
وقال أسماء بن خارجة: إذا قدمت المصيبة تركت التعزية.
وقال: إذا قدم الأخاء سمج الثناء.
وقال إسحاق بن حسان: لا تشمت الأمراء ولا الأصحاب القدماء.
وسئل أعرابي عن راع له فقال: هو السارح الآخر، والرائح الباكر، والحالب العاصر: والحاذف الكاسر.
قال: وقال عتبة بن أبي سفيان لعبد الصمد مؤدب ولده:
ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك بنيّ إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روّهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وعلمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء، وجنبهم محادثة النساء، وتهددهم بي وأدّبهم دوني،
وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتكل على عذري، فإني قد اتكلت على كفايتك، وزد في تأديبهم أزرك في بري إن شاء الله.
محمد بن حرب الهلالي قال: كتب إبراهيم بن أبي يحي الاسلمي، إلى المهدي يعزيه على ابنته: أما بعد فإن أحق من عرف حق الله عليه فيما أخذ منه، من عظّم حقّ الله عليه فيما أبقي له. واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك، وإن الباقي بعدك هو المأجور فيك، وإن أجر الصابرين فيما يصابون به، أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه.
قال: وقال سهل بن هارون: التهنئة على آجل الثواب أولى من التعزية على عاجل المصيبة.
وقال صالح بن عبد القدوس:
إن يكن ما به أصبت جليلافذهاب العزاء فيه أجلّ
كل آت لا شك آت وذو الجهل معنى والهم والحزن فضل
وقال لقمان لأبنه؛ يا بني إياك والكسل والضجر، فإنك إذا كسلت لم تؤدّ حقا، وإذا ضجرت لم تصبر على حق.
قال: وكان يقال: أربع لا ينبغي لأحد أن يأنف منهن وإن كان شريفا أو أميرا: قيامه عن محله لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه على فرسه، وخدمته للعالم.
وقال بعض الحكماء: إذا رغبت في المكارم، فاجتنب المحارم.
وكان يقال: لا تغتر بمودة الأمير، إذا غشك الوزير.
وكتب بعضهم: أما بعد فقد كنت لنا كلك، فاجعل لنا بعضك، ولا ترض إلا بالكل منا لك.
ووصف بعض البلغاء اللسان فقال: اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، وظاهر يخبر عن ضمير، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب وناطق يرد به الجواب، وشافع تدرك به الحاجة، وواصف تعرف به الحقائق، ومعزّ ينفى به الحزن، ومؤنس تذهب به الوحشة، وواعظ ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحاصد يستأصل الضغينة، ومله يونق الأسماع.
وقال بعض الأوائل: إنما الناس أحاديث، فإن استطعت أن تكون أحسنهم حديثا فافعل.
ولما وصل عبد العزيز بن زرارة إلى معاوية قال: يا أمير المؤمنين، لم أزل أستدل بالمعروف عليك، وأمتطي النهار إليك، فإذا ألوى بي الليل فقبض البصر وعفّي الأثر، أقام بدني وسافر أملي والنفس تلوّم، والاجتهاد يعذر فإذ قد بلغتك فقطني.
قال: قال لقمان لأبنه: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا في الحرب، ولا تعرف أخاك إلا عند الحاجة إليه.
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عن صاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليهساعة مجّك فوه
وقال علي بن الحسين لابنه: يا بني، اصبر على النائبة، ولا تتعرض للحقوق، ولا تجب أخاك إلى شيء مضرته عليك أعظم من منفعته له.
وقال الأحنف: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات.
وقال: رب غيظ تجرّعته مخافة ما هو أشد منه.
وقالوا: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن طال صمته كثرت سلامته.
قال: وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل.
محمد بن حرب الهلالي، عن أبي الوليد الليثي قال: خطب صعصعة بن معاوية إلى عامر بن الظرب العدواني ابنته «عمرة»، وهي أم عامر بن صعصعة فقال عامر بن الظّرب: يا صعصعة: إنك قد أتيتني تشتري مني كبدي، وأرحم ولدي عندي، غير أني، أطلبتك أو رددتك، فالحسيب كفء الحسيب، والزوج الصالح أب بعد أب، وقد انكحتك مخافة ألا أجد مثلك أفر من السر إلى العلانية. أنصح ابنا، وأدع ضعيفا قويا. يا معشر عدوان: خرجت من بين أظهركم كريمتكم من غير رغبة ولا رهبة. اقسم لولا قسم الحظوظ على قدر المجدود، لما ترك الأول للآخر شيئا يعيش به.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: «أوصيكم بأربع لو ضربتم إليها آباط الابل لكنّ لها أهلا: لا يرجونّ أحد منكم إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحي أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، ولا إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه. وإن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد، وكذلك إذا ذهب الايمان.
قال: ومدح علي بن أبي طالب رجل فأفرط فقال علي- وكان يتهمه-:
«أنا دون ما تقول، وفوق ما في نفسك».
وقال علي بن أبي طالب ﵁: قيمة كل امرىء ما يحسن.
وقال له مالك الأشتر: كيف وجد أمير المؤمنين أهله؟ فقال: كخير إمرأة، قبّاء جباء! قال: وهل يريد الرجال من النساء غير ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، حتى تدفىء الضجيع، وتروي الرضيع.
قال: ووقف رجل على عامر الشعبي فلم يدع قبيحا إلا رماه به، فقال له عامر: إن كنت كاذبا فغفر الله لك، وإن كنت صادقا فغفر الله لي.
وقال إبراهيم النخعي لسليمان الأعمش- وأراد أن يماشيه-: إن الناس إذا رأونا معا قالوا: أعمش وأعور! قال: وما عليك أن يأثموا ونؤجر؟ قال: وما علينا أن يسلموا ونسلّم! قال أبو الحسن: كان هشام بن حسان إذا ذكر يزيد بن المهلب، قال:
إن كانت السفن لتجري في جوده.
وقال: مكتوب في الحكمة: التوفيق خير قائد، وحسن الخلق خير قرين، والوحدة خير من جليس السوء.
وقال: وكان مالك بن دينار يقول: ما أشد فطام الكبير. وكان ينشد قول الشاعر:
وتروض عرسك بعد ما هرمتومن العناء رياضة الهرم
وقال صالح المري: كن إلى الاستماع أسرع منك إلى القول، ومن خطاء الكلام أشدّ حذرا من خطاء السكوت.
وقال الحسن بن هانيء:
خلّ جنبيك لراموامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خيرلك من داء الكلام
إنما السالم من ألجمفاه بلجام
ربما استفتحت بالمزح مغاليق الحمام
أبو عبيدة وأبو الحسن: تكلم جماعة من الخطباء عند مسلمة بن عبد الملك، فأسهبوا في القول، ثم اقترح المنطق منهم رجل من أخريات الناس،
فجعل لا يخرج من حسن إلا إلى أحسن منه. فقال مسلمة: ما شبهت كلام هذا بعقب كلام هؤلاء إلا بسحابة لبّدت عجاجة.
وقال أبو الحسن: علم أعرابي بنيه الخراءة فقال: ابتغوا الخلا، وابعدوا عن الملا، واعلوا الضّرا، واستقبلوا الريح، وأفجّوا إفجاج النعامة، وامتسحوا بأشملكم.
وروي عن الحسن أنه قال: لما حضرت قيس بن عاصم الوفاة دعا بنيه فقال: يا بني احفظوا عني، فلا أحد أنصح لكم مني. إذا مت فسوّدوا كباركم، ولا تسوّدوا صغاركم فيسفّه الناس كباركم وتهونوا عليهم، وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهة للكريم، ويستغنى به عن اللئيم. وإياكم ومسألة الناس، فإنها شر كسب المرء.
سئل دغفل النسّابة عن بني عامر بن صعصعة، فقال: أعناق ظباء، وأعجاز نساء. قيل: فتميم؟ قال: حجر أخشن، أن دنوت منه آذاك، وإن تركته خلاك. قيل: فاليمن؟ قال: سيد وأنوك.
وكانوا يقولون: لا تستشيروا معلما، ولا راعي غنم، ولا كثير القعود مع النساء.
عقال بن شبة قال: كنت رديفا لأبي، فلقيه جرير على بغل، فحياه أبي وألطفه، فقلت له: أبعد ما قال؟ قال: يا بني أفأوسّع جرحي؟
قال: ودعا جرير رجلا من شعراء بني كلاب إلى مهاجاته، فقال الكلابي أن نسائي بأمتهنّ، ولم تدع الشعراء في نسائك مترّقعا.
وقال جرير: أنا لا أبتدي ولكن أعتدي.
وكان الحسن في جنازة فيها نوائح ومعه رجل، فهم الرجل بالرجوع فقال الحسن: إن كنت كلما رأيت قبيحا تركت له حسنا، أسرع ذلك في دينك.
قال أبو عبيدة: لقي القريعيّ الزبرقان بن بدر فقال: كيف كنت بعدي أبا شذرة؟ فقال: كما يسرك محيلا مجربا.
قال: وكان عبد الملك بن مروان يقول: جمع أبو زرعة- يعني روح بن زنباع- طاعة أهل الشام، ودهاء أهل العراق، وفقه أهل الحجاز.
وذكر لعمر بن الخطاب إتلاف شباب من قريش أموالهم فقال: حرفة أحدهم أشد عليّ من عيلته.
وقال عمر بن الخطاب: حرفة يعاش بها، خير من مسألة الناس.
وقال زياد: لو أن لي ألف درهم ولي بعير أجرب لقمت عليه قيام من لا يملك غيره. ولو أن عندي عشرة دراهم لا أملك غيرها ولزمني حق لوضعتها فيه.
وقال عمرو بن العاص: البطنة تذهب الفطنة.
وقال معاوية: ما رأيت رجلا يستهتر بالباءة إلا تبينت ذلك في منته.
قال: الأصمعي: وقال أبو سليمان الفقعسي لأعرابي من طييء:
أبإمرأتك حمل. قال: لا وذو بيته في السماء، ما أدري، والله ما لها ذئب تشتال به، وما آتيها إلا وهي ضبعة (شديدة الشهوة).
قال أبو الحسن المدائني: اتخذ يزيد بن المهلب بستانا في داره بخراسان، فلما ولي قتيبة بن مسلم خراسان جعل ذلك لابله، فقال له مرزبان
مروان: هذا كان بستانا ليزيد، اتخذته لابلك! فقال قتيبة، إن أبي كان أشتربان (يريد جمالا)، وأبو يزيد كان بستان بان.
وقال الحجاج بن يوسف لعبد الملك بن مروان: لو كان رجل من ذهب لكنته. قال: وكيف ذلك؟ قال؟ لم تلدني أمة بيني وبين آدم ما خلا هاجر.
قال: لولا هاجر لكنت كلبا من الكلاب.
قال: ومات ابن لعبيد الله بن الحسن، فعزّاه صالح المريّ فقال: إن كانت مصيبتك في ابنك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن أحدثت لك عظة في نفسك فمصيبتك في نفسك أعظم من مصيبتك في ابنك.
قال: وعزى عمرو بن عبيد أخاه في ابن مات له، فقال: ذهب ابوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه.
قال: وكان يزيد بن عمر بن هبيرة يقول: احذفوا الحديث كما يحذفه سلم بن قتيبة.
قال: وقال رجل من بني تميم لصاحب له: اصحب من يتناسى معروفه عندك، ويتذكر إحسانك إليه، وحقوقك عليه.
وعذل عاذل شعيب بن زياد على شرب النبيذ، فقال: لا أتركه حتى يكون شرّ عملي.
وقال المأمون: اشربه ما استبشعته، فإذا سهل عليك فاتركه.
وقال رسول الله ﷺ: «إذا كتب أحدهم كتابا فليترّبه. فإن التراب مبارك، وهو أنجح للحاجة».
ونظر ﷺ إلى رجل في الشمس، فقال: «تحول إلى الظل فإنه مبارك».
وقال المغيرة بن شعبة: لا يزال الناس بخير ما تعجبوا من العجب.
وكان يقال: ترك الضحك من العجب، أعجب من الضحك بغير عجب.
قال: قدم سعيد بن العاصي على معاوية فقال: كيف تركت أبا عبد الملك؟ فقال: منفذا لأمرك، ضابطا لعملك. فقال له معاوية: إنما هو كصاحب الخبزة كفى إنضاجها فأكلها. فقال سعيد: كلا إنه بين قوم يتهادون فيما بينهم كلاما كوقع النبل، سهما لك وسهما عليك. قال: فما باعد بينه وبينك؟
فقال: خفته على شرفي، وخافني على مثله. قال: فأي شيء كان له عندك في ذلك؟ فقال: أسوءه حاضرا وأسره غائبا.
قال: يا أبا عثمان، تركتنا في هذه الحروب. قال: نعم: تحملت الثقل وكفيت الحزم، وكنت قريبا لو دعيت لأجبت، ولو أمرت لأطعت. قال معاوية: يا أهل الشام: هؤلاء قومي وهذا كلامهم.
قال: وكان الحجاج يستثقل زياد بن عمرو العتكيّ، فلما أثنى الوفد على الحجاج عند عبد الملك، والحجاج حاضر، قال زياد: «يا أمير المؤمنين، إن الحجاج سيفك الذي لا ينبو، وسهمك الذي لا يطيش، وخادمك الذي لا تأخذه فيك لومة لائم». فلم يكن بعد ذلك أحد أخف على قلبه منه.
وقال شبيب بن شيبة لسلم بن قتيبة: والله ما أدري أي يوميك أشرف:
أيوم ظفرك أم يوم عفوك.
قال: وقال غلام لأبيه- وقد قال له: لست لي ابنا-: والله لأنا أشبه بك منك بأبيك، ولأنت أشد تحصينا لأمي من أبيك لأمك.
وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين إلى رجل من إخوانه:
«أما بعد فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك. إبتدأتني بلطف عن غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء عن غير ذنب، فأطمعني أولك في
أخائك، وأيأسني آخرك من وفائك، فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحا، ولا أنا في غد وانتظاره منك على ثقة. فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك فيك، فأقمنا على إئتلاف، أو افترقنا على اختلاف.
والسلام.
وكتب إلى أبي مسلم صاحب الدعوة أيضا، من الحبس:
«من الأسير في يديه، بلا ذنب إليه، ولا خلاف عليه. أما بعد فآتاك الله حفظ الوصية، ومنحك نصيحة الرعية، وألهمك عدل القضية، فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع، فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك، فالودائع عارية والصنائع مرعية، وما النعم عليك وعلينا فيك بمنزور نداها، ولا بمبلوغ مداها. فنبه للتفكر قلبك، واتق الله ربك، وأعط من نفسك لمن هو تحتك ما تحبّ أن يعطيك من هو فوقك: من العدل والرآفة، والأمن من المخافة، فقد أنعم الله عليك بأن فوض أمرنا إليك. فاعرف لنا لين شكر المودة، واغتفار مس الشدة، والرضا بما رضيت، والقناعة بما هويت، فإن علينا من سهك الحديد وثقله أذى شديدا، مع معالجة الأغلال، وقلة رحمة العمال، الذين تسهيلهم الغلظة، وتيسيرهم الفظاظة، وإيرادهم علينا الغموم، وتوجيههم إلينا الهموم، زيارتهم الحراسة، وبشارتهم الأياسة. فإليك بعد الله نرفع كربة الشكوى، ونشكو شدة البلوى، فمتى تمل إلينا طرفا، وتولنا منك عطفا، تجد عندنا نصحا صريحا، وودا صحيحا، لا يضيع مثلك مثله، ولا ينفي مثلك أهله، فارع حرمة من أدركت بحرمته، واعرف حجة من فلجت بحجته، فإن الناس من حوضك رواء، ونحن منه ظماء، يمشون في الابراد، ونحن نرسف في الأقياد، بعد الخير والسعة، والخفض والدعة. والله المستعان، وعليه التكلان، صريخ الأخيار، ومنجي الأبرار. الناس من دولتك في رخاء،
ونحن منها في بلاء، حين أمن الخائفون، ورجع الهاربون. رزقنا الله منك التحنن، وظاهر علينا منك التمنن، فإنك أمين مستودع، ورائد مصطنع.
والسلام ورحمة الله.
قال هشام بن الكلبي، قال: حدثني خالد بن سعيد، عن أبيه قال:
شكت بنو تغلب السنة إلى معاوية، فقال: كيف تشكون الحاجة مع ارتجاع البكارة، واجتلاب المهارة؟! ابن الكلبي قال: كتب معاوية إلى قيس بن سعد، وهو والي مصر لعلي ابن أبي طالب ﵁:
أما بعد فإنما أنت يهوديّ بن يهودي. إن ظفر أحبّ الفريقين إليك عزلك واستبدل بك، وإن ظفر أبغضهما إليك قتلك ونكل بك. وقد كان أبوك وتر قوسه ورمى غير غرضه، فأكثر الحزّ وأخطأ المفصل، فخذله قومه، وأدركه يومه، ثم مات طريدا بحوران. والسلام.
فكتب إليه قيس بن سعد:
أما بعد فإنك وثن بن وثن، دخلت في الاسلام كرها، وخرجت منه طوعا، لم يقدم إيمانك ولم يحدث نفاقك. وقد كان أبي ﵀ وتر قوسه ورمى غرضه، فشغب عليه، من لم يبلغ كعبه، ولم يشق غباره. ونحن بحمد الله أنصار الدين الذي خرجت منه، وأعداء الدين الذي دخلت فيه. والسلام.
وقال أبو عبيدة، وأبو اليقظان، وأبو الحسن: قدم وفد العراق على معاوية، وفيهم الأحنف، فخرج الاذن فقال: إن أمير المؤمنين يعزم عليكم ألا يتكلم أحد إلا لنفسه. فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزيمة أمير المؤمنين
لأخبرته أن دافة دفّت، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، ونابتة نبتت، كلهم به حاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره.
قال: حسبك يا أبا بحر، قد كفيت الشاهد والغائب.
وقال غيلان بن خرشة للأحنف: ما بقاء ما فيه العرب؟ قال: إذا تقلدوا السيوف، وشدوا العمائم، وركبوا الخيل، ولم تأخذهم حمية الأوغاد. قال غيلان: وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يعدوا التواهب فيما بينهم ضيما.
وقال عمر: العمائم تيجان العرب.
وقال: وقيل لأعرابي: ما لك لا تضع العمامة على رأسك؟ قال: إن شيئا فيه السمع والبصر لحقيق بالصون.
وقال علي بن ابي طالب ﵁: جمال الرجل في عمّته، وجمال المرأة في حقّها.
وقال الأحنف: استجيدوا النعال فإنها خلاخيل الرجال.
قال: وقد جرى ذكر رجل عند الأحنف فاغتابوه فقال: ما لكم وما له؟
يأكل رزقه، ويكفي قرنه، وتحمل الأرض ثقله.
مسلمة بن محارب قال: قال زياد لحرقة بنت النعمان: ما كانت لذة أبيك؟ قالت: أدمان الشراب، ومحادثة الرجال.
قال: وقال سليمان بن عبد الملك: قد ركبنا الفاره، وتبطنا الحسناء، ولبسنا اللين حتى استخشناه، وأكلنا الطيب حتى أجمناه. فما اليوم إلى شيء أحوج مني إلى جليس يضع عني مؤونة التحفظ.
وأشاروا على عبيد الله بن زياد بالحقنة، فتفحشها، فقالوا: إنما يتولاها منك الطبيب. فقال: أنا بالصاحب آنس.
وقال معاوية بن أبي سفيان للنخّار بن أوس العذريّ: ابغني محدثا.
فقال أو معي يا أمير المؤمنين؟!! قال: نعم استريح منك إليه، ومنه إليك.
وقال عمر بن الخطاب ﵀ لأبي مريم الحنفي: والله لا احبك حتى تحبّ الأرض الدم المسفوح: قال: فتمنعني لذلك حقا؟ قال: لا. قال: فلا ضير، إنما يأسف على الحب النساء.
وقال عمر لرجل هم بطلاق إمرأته، فقال له: لم تطلقها؟ قال: لا أحبها. فقال عمرو: أو كل البيوت بنيت على الحب؟ فأين الرعاية والتذمم.
قال: وأتى عبد الملك بن مروان برجل فقال: زبيري عميري، والله لا يحبك قلبي أبدا. قال: يا أمير المؤمنين، إنما يبكي على الحب المرأة، ولكن عدل وانصاف.
عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، قال: نازع مروان، ابن الزبير عند معاوية، فرأى ابن الزبير أن ضلع معاوية مع مروان، فقال ابن الزبير: يا امير المؤمنين: إن لك علينا حقا وطاعة، وإن لك سطة وحرمة فينا، فأطع الله نطعك، فإنه لا طاعة لك علينا إلا في حق الله. ولا تطرق إطراق الأفعوان في أصول السّخبر.
أبو عبيدة، قال: قيل لشيخ مرة: ما بقي منك؟ قال: يسبقني من بين يدي، ويلحقني من خلفي، وأنسى الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملاء وأسهر في الخلاء، وإذا قمت قربت الأرض مني، وإذا قعدت تباعدت عني.
الأصمعي قال: قلت لأعرابي معه ضاجعة من شاء: لمن هذه؟
قال: هي لله عندي.
ولما قتل عبد الملك بن مروان مصعبا ودخل الكوفة، قال للهيثم بن الأسود النخعي: كيف رأيت الله صنع؟ قال: قد صنع خيرا، فخفف الوطأة، وأقل التثريب.
وقال ابن عباس: إذا ترك العالم قول لا أدري فقد أصيبت مقاتله.
قال: وكانوا يستحبون ألا يجيبوا في كل ما سئلوا عنه.
قال: وقال عمر بن عبد العزيز: من قال عندما لا يدري لا يدري فقد أحرز نصف العلم.
وقال ابن عباس: إن لكل داخل دهشة، فآنسوه بالتحية.
قالوا: واعتذر رجل إلى سلم بن قتيبة فقال سلم: لا يدعونك أمر قد تخلصت منه، إلى الدخول في أمر لعلك لا تخلص منه.
قال: وكان يقال: دعوا المعاذر فإن أكثرها مفاجر.
وقال: وقال ابراهيم النخعي لعبد الله بن عون: تجنب الاعتذار، فإن الاعتذار يخالطه الكذب.
واعتذر رجل إلى احمد بن أبي خالد فقال لأبي عباد: ما تقول في هذا؟
قال: يوهب له جرمه، ويضرب لعذره أربعمائة.
وقد قال الأول: عذره أعظم من ذنبه.
قال: وقيل لابن عباس: ولد عمر بن أبي ربيعة في الليلة التي مات فيها
عمر بن الخطاب ﵀ فسمي باسمه. فقال ابن عباس: أيّ حق رفع، وأيّ باطل وضع!.
وقال عبد الله بن جعفر لابنته: يا بنية، إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك والمعاتبة فإنها تورث البغضة وعليك بالزينة والطيب، واعلمي أن أزين الزينة الكحل، وأطيب الطيب الماء.
قال: ولما نازع ابن الزبير مروان عند معاوية قال ابن الزبير: يا معاوية:
لا تدع مروان يرمي جماهير قريش بمشاقصه، ويضرب صفاتهم بمعاوله، فلولا مكانك لكان أخف على رقابنا من فراشة، وأقل في أنفسنا من خشاشة. ولئن ملك أعنة خيل تنقاد له ليركبن منك طبقا تخافه. قال معاوية: أن يطلب هذا الأمر فقد يطمع فيه من هو دونه، وأن يتركه فإنما يتركه لمن هو فوقه. وما أراكم بمنتهين حتى يبعث الله إليكم من لا يعطف عليكم بقرابة، ولا يذكركم عند ملمة، يسومكم خسفا، ويوردكم تلفا! فقال ابن الزبير: إذا والله نطلق عقال الحرب بكتائب تمور كرجل الجراد، حافتها الأسل، لها دوي كدوي الريح، تتبع غطريفا من قريش لم تكن أمه براعية ثلة. فقال معاوية: أنا ابن هند، إن أطلقت عقال الحرب أكلت ذروة السنام، وشربت عنفوان المكرع، وليس للآكل إلا الفلذة، ولا للشارب إلا لرنق.
بكر بن الأسود قال: قال الحسن بن علي لحبيب ابن مسلمة رب مسير لك في غير طاعة الله. فقال: أما مسيري إلى أبيك فلا. قال: بلى، ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة، فلعمري لئن قام بك في دنياك، لقد قعد بك في دينك. ولو أنك إذ فعلت شرا قلت خيرا، كنت كما قال الله تبارك
وتعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً
.، ولكنك كما قال جل وعز:
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ.
قال ابو الحسن: سمعت أعرابيا في المسجد الجامع بالبصرة بعد العصر سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو يقول: أما بعد فإنّا أبناء سبيل، والضاء طريق، وفلّ سنة، فتصدقوا علينا، فإنه لا قليل من الأجر، ولا غنى عن الله، ولا عمل بعد الموت. أما والله إنّا لنقوم هذا المقام وفي الصدر حزازة، وفي القلب غصة.
وقال الأحنف بخراسان: يا بني تميم، تحابوا تجتمع كلمتكم، وتباذلوا تعتدل أموالكم، وابدأوا بجهاد بطونكم وفروجكم يصلح لكم دينكم، ولا تغلوا يسلم لكم جهادكم.
ومن كلام الأحنف السائر في أيدي الناس: الزم الصحّة يلزمك العمل.
وسئل خالد بن صفوان عن الكوفة والبصرة فقال: «نحن منابتنا قصب، وأنهارنا عجب، وسماؤنا رطب، وأرضنا ذهب». وقال الأحنف: «نحن أبعد منكم سريّة، وأعظم منكم بحرية، وأكثر منكم ذرّية، وأعذى منكم برية».
وقال أبو بكر الهذلي: «نحن أكثر منكم ساجا وعاجا، وديباجا وخراجا، ونهرا عجاجا».
وكتب صاحب لأبي بكر الهذلي إلى رجل يعزيه عن أخيه: «أوصيك بتقوى الله وحده، فإنه خلقك وحده، ويبعثك يوم القيامة وحده. والعجب كيف يعزي ميت عن ميتا. والسلام».
وقال رجل لأبن عياش ﵀: أيما أحب إليك: رجل قليل الذنوب قليل العمل، أو رجل كثير الذنوب كثير العمل؟ فقال: ما أعدل بالسلامة شيئا.
وقال آخر: حماقة صاحبي أشد ضررا علي منها عليه.
شعبة أبو بسطام قال: قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لا أماري أخي، فأما أن أكذبه، وإما أن أغضبه.
وقالوا: أخذ رجل على ابن أبي ليلى كلمة، فقال له ابن أبي ليلى: أهد إلينا من هذا ما شئت.
لما مات ابن أبي ليلى، وعمرو بن عبيد، رحمهما الله تعالى، قال أبو جعفر المنصور: ما بقي أحد يستحى منه.
ولما مات عبد الله بن عامر قال معاوية: رحم الله أبا عبد الرحمن، بمن نفاخر؟.
مسلمة بن محارب قال: قال زياد: ما قرأت كتاب رجل قط إلا عرفت فيه عقله.
أبو معشر قال: لما بلغ عبد الله بن الزبير قتل عبد الملك بن مروان عمرو ابن سعيد الأشدق، قام خطيبا. فقال: إن أبا الذّبّان قتل لطيم الشيطان، كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
. ولما جاءه قتل أخيه مصعب، قام خطيبا بعد خطبته الأولى. فقال: إن مصعبا قدّم أيره وأخر خيره، وتشاغل بنكاح فلانة وفلانة، وترك حلبة أهل الشام حتى غشيته في داره. ولئن هلك مصعب إن في آل الزبير منه خلفا.
قالوا: ولما قدم ابن الزبير بفتح أفريقية، أمره عثمان فقام خطيبا، فلما فرغ من كلامه قال عثمان: أيها الناس انكحوا النساء على آبائهن واخوتهن، فإني لم أر في ولد أبي بكر الصديق أشبه به من هذا.
وسمع عمر بن الخطاب ﵀ أعرابيا يقول: اللهم اغفر لأم أوفى.
قال: ومن أمّ أوفى؟ قال: إمرأتي، وإنها لحمقاء مرغامة، أكول قامّة، لا تبقى لها خامّة، غير أنها حسناء فلا تفرك، وأم غلمان فلا تترك.
قالوا: ودفعوا إلى أعرابية علكا لتمضغه، فلم تفعل، فقيل لها في ذلك فقالت: ما فيه إلا تعب الأضراس، وخيبة الحنجرة.
وكان أبو مسلم استشار مالك بن الهيثم، حين ورد عليه كتاب المصنور في القدوم عليه، فلم يشر عليه في ذلك، فلما قتل أبو مسلم أذكره ذلك، فقال ابن الهيثم: إن أخاك إبراهيم الامام حدّث عن ابيه محمد بن علي أنه قال: لا يزال الرجل يزاد في رأيه ما نصح لمن استشاره، فكنت له يومئذ كذلك، وأنا لك اليوم كذلك..
وقال الحسن: التقدير نصف الكسب، والتودد نصف العقل، وحسن طلب الحاجة نصف العلم.
قال: وقال رجل لعمرو بن عبيد: إني لأرحمك مما يقول الناس فيك.
قال: اسمعتني أذكر فيهم شيئا؟ قال: لا، قال: إياهم فارحم.
ومدح نصيب أبو الحجناء عبد الله بن جعفر، فأجزل له من كل صنف، فقيل له: أتصنع هذا بمثل هذا العبد الأسود؟ قال: أما والله لئن كان جلده أسود أن تناءه لأبيض، وإن شعره لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وإنما أخذ رواحل تنصى، وثيابا تبلى، وما لا يفنى، واعطى مديحا يروى، وثناء يبقى.
ووقف أعرابي في بعض المواسم، فقال: اللهم إن لك علي حقوقا فتصدق بها عليّ، وللناس تبعات فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ضعيف قرى وأنا ضيفك، فاجعل قراي في هذه الليلة الجنة.
ووقف أعرابي يسأل قوما فقالوا له: عليك بالصيارفة. فقال هناك والله قرارة اللؤم.
وقال مسلمة: ثلاثة لا أعذرهم: رجل أحفى شاربه ثم أعفاه، ورجل قصّر ثيابه ثم أطالها، ورجل كان عنده سراري فتزوج حرة.
أبو اسحق قال: قال حذيفة: كن في الفتنة كإبن لبون، لا ظهر فيركب، ولا لبن فيحلب.
وقال الشاعر وليس هذا الباب في الخبر الذي قبل هذا:
ألم تر أن الناب تحلب علبةويترك ثلب لا ضراب ولا ظهر
عتبة بن هارون قال: قلت لرؤبة: كيف خلفت ما وراءك؟ قال: التراب يابس، والمرعى عابس.
وقال معاوية لعبد الله بن عباس: إني لأعلم إنك واعظ نفسه، ولكن المصدور إذا لم ينفث جوي.
وقيل لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أتقول الشعر مع النّسك والفضل والفقه؟ فقال: «لا بد للمصدور من أن ينفث».
قال أبو الديال شويس: «أنا والله العربي، لا أرقع الجّرّبّان، ولا البس التبان، ولا أحسن الرطانة، ولأنا أرسى من حجر، وما قرقمني إلا الكرم».
أبو الحسن وغيره قال: قال عمرو بن عتبة بن أبي سفيان، للوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو بالبخراء من أرض حمص: يا أمير المؤمنين، إنك لتستنطقني بالأنس بك، وأكف عن ذلك بالهيبة لك، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك، أفأسكت مصيعا، أم أقول مشفقا؟ قال: كل ذلك مقبول منك، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه، وتعود فتقول. قال: فقتل بعد أيام.
وكان أيوب السختياني يقول: لا يعرف الرجل خطأ معلمه حتى يسمع الاختلاف.
وقال بعضهم: كنت أجالس ابن صعير في النسب، فجلست إليه يوما فسألته عن شيء من الفقه، فقال: ألك بهذا من حاجة؟ عليك بذاك- وأشار
إلى سعيد بن المسيّب- فجلست إليه لا أظن أن عالما غيره، ثم تحولت إلى عروة، ففتقت به ثبج بحر.
قال: وقلت لعثمان البّري: دلني على باب الفقه. قال: اسمع الاختلاف.
وقيل لأعرابي عند من تحب أن يكون طعامك؟ قال: عند أم صبي راضع، أو ابن سبيل شاسع، أو كبير جائع، أو ذي رحم قاطع.
وقال بعضهم: إذا اتسعت المقدرة نقصت الشهوة. قال: قلت له: فمن أسوأ الناس حالا؟ قال: من اتسعت معرفته، وبعدت همته، وقويت شهوته، وضاقت مقدرته.
وذكر عند عائشة رحمها الله فقالت: كل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به، وكل لؤم دونه شرف فالشرف أولى به.
ودخل رجل على أبي جعفر، فقال له: اتق الله. فأنكر وجهه. فقال: يا أمير المؤمنين، عليكم نزلت، ولكم قيلت، وإليكم ردّت.
وقال رجل عند مسلمة: ما استرحنا من حائك كندة حتى جاءنا هذا المزوني! فقال له مسلمة: أتقول هذا لرجل سار إليه قريعا قريش؟ يعني نفسه والعباس بن الوليد. إن يزيد بن المهلب حاول عظيما، ومات كريما.
عبد الله بن الحسن قال: قال علي بن ابي طالب ﵀: خصّصنا بخمس: فصاحة، وصباحة، وسماحة، ونجدة، وحظوة- يعني عند النساء.
علي بن مجاهد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
جبلت القلوب قلوب الناس على حبّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.
وقال الأصمعي: كتب كتاب حكمة فبقيت منه بقية فقالوا: ما نكتب؟
قالوا: أكتبوا: «يسأل عن كل صناعة أهلها».
وقال شبيب بن شيبة للمهدي: إن الله لم يرض أن يجعلك دون أحد من خلقه، فلا ترض لنفسك أن يكون أحد أخوف لله منك.
وقال يحيى بن أكثم: «سياسة القضاء أشد من القضاء». وقال: «إن من أهانة العلم أن تجاري فيه كل من جاراك».
قال: حمّل رقبة بن مصقلة من خراسان رجلا إلى امه خمسمائة درهم، فأبى الرجل أن يدفعها إليها حتى تكون معها البينة على أنها أمه، فقالت لخادم لها: إذهبي حتى تأتينا ببعض من يعرفنا، فلما أتاها الرجل برزت فقالت: الحمد لله، وأشكو إلى الله الذي أبرزني وشهر بالفاقة أهلي. فلما سمع الرجل كلامها قال: أشهد إنك أمه، فردي الخادم ولا حاجة بنا إلى أن تجيئي بالبيّنة.
قال: وكان الحسن يقول في خطبة النكاح، بعد حمد الله والثناء عليه:
«أما بعد فإن الله جمع بهذا النكاح الأرحام المنقطعة، والأنساب المتفرّقة، وجعل ذلك في سنّة من دينه، ومنهاج واضح من أمره، وقد خطب إليكم فلان، وعليه من الله نعمة».
عامر بن سعد قال: سمعت الزّبير يعزي عبد الرحمن على بعض نسائه، فقال وهو قائم على قبرها: لا يصفر ربعك، ولا يوحش بيتك، ولا يضع أجرك. رحم الله متوفاك، وأحسن الخلافة عليك.
وقال عمر بن الخطاب ﵀: خير صناعات العرب أبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته، يستميل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم.
وقال: وليم مصعب بن الزبير على طول خطبته عشية عرفة فقال: أنا قائم وهم جلوس، وأتكلم وهم سكوت، ويضجرون! وقال موسى بن يحي: كان يحي بن خالد يقول: ثلاثة أشياء تدل على
عقول أربابها: الكتاب يدل على مقدار عقل كاتبه، والرسول على مقدار عقل مرسله، والهدية على مقدار عقل مهديها.
وذكر أعرابي أميرا فقال: يقضي بالعشوة، ويطيل النشوة، ويقبل الرشوة.
وقال يزيد بن الوليد: إن النّشوة تحلّ العقدة، وتطلق الحبوة. وقال:
إياكم والغناء، فإنه مفتاح الزناء.
وقال عمر بن الخطاب ﵀: إذا توجه أحدكم في وجه ثلاث مرات فلم يصب خيرا فليدعه.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: لا تكوننّ كمن يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة فيما بقي، ينهي ولا ينتهي، ويأمر الناس بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ولا يدعها في طول حياته.
وقال أعرابي: خرجت حين انحدرت أيدي النجوم وشالت أرجلها، فلم أزل أصدع الليل حتى أنصدع الفجر.
قال: وسألت أعرابيا عن مسافة ما بين بلدين فقال: عمر ليلة، وأديم يوم. وقال آخر: سواد ليلة، وبياض يوم.
وقال بعض الحكماء: لا يضرّك حب إمرأة لا تعرفها.
وقال رجل لأبي الدرداء: فلان يقرئك السلام. فقال: هدية حسنة، ومحمل خفيف.
وسرق مزبّد نافجة مسك فقيل له: إن كل من غلّ يأتي يوم القيامة بما غل، يحمله في عنقه، فقال: إذا والله أحملها طيبة الريح، خفيفة المحمل
قيل: ومن ابخل البخل ترك رد السلام.
قال ابن عمر: لعمري إني لأرى حق رجع جواب الكتاب كرد السلام.
وجاء رجل إلى سلمان فقال: يا أبا عبد الله، فلان يقرئك السلام.
فقال: أما إنك لو لم تفعل لكانت أمانة في عنقك.
وقال مثني بن زهير لرجل: احتفظ بكتابي هذا حتى توصله إلى أهلي، فمن العجب أن الكتاب ملقّى، وإن السكران موفّى.
وكان عبد الملك بن الحجاج يقول: لأنا للعاقل المدبر أرجى من الأحمق المقبل.
وقال: إياك ومصاحبة الأحمق، فإنه ربما أراد أن ينفعك فضرّك.
وكتب الحجاج إلى عامل له بفارس: «ابعث إلي بعسل من عسل خلار من النحل الأبكار، من الدستفشار، الذي لم تمسه النار».
وقال الشاعر:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسهففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
قال: ونظر أبو الحارث جمّين، إلى برذون يستقي عليه الماء فقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو أن هذا البرذون هملج ما صنع به هذا.
عمرو بن هدّاب قال: قال سلم بن قتيبة: ربّ المعروف أشدّ من ابتدائه.
وقال محمد بن واسع: «الإبقاء على العمل أشد من العمل».
وقال يحي بن أكثم: «سياسة القضاء أشد من القضاء».
وقال محمد بن محمد الحمراني: «من التوقّي ترك الإفراط في التوقي».
وقال أبو قرة: «الجوع للحمية أشد من العلة».
وقال الجمّان: «الحمية إحدى العلتين». وقال العميّ: «من احتمى فهو على يقين من تعجيل المكروه، وفي شك مما يأمل من دوام الصحة».
وذكر أعرابي رجلا فقال: حمّى المعافى، حنوط المبتلى.
وقال عمر اعتبر عزمه بحميته، وحزمه بمتاع بيته.
وقالوا: أمران لا ينفكّان من الكذب: كثرة المواعيد، وشدة الإعتذار.
وقيل لرجل من الحكماء: ما جماع البلاغة؟ قال: معرفة السليم من المعتل، وفصل ما بين المضمّن والمطلق، وفرق ما بين المشترك والمفرد. وما يحتمل التأويل من المنصوص المقيد.
وقال سهل بن هارون في صدر كتاب له: «وجب على كل ذي مقالة أن يبتدىء بالحمد لله قبل استفتاحها، كما بدىء بالنعمة قبل استحقاقها».
وقال أبو البلاد:
وانّا وجدنا الناس عودين طيباوعودا خبيثا لا يبضّ على العّصر
تزين الفتى أخلاقه وتشينهوتذكر أخلاق الفتى وهو لا يدري
وقال آخر في هذا المعنى:
سابق إلى الخيرات أهل العلافإنما الناس أحاديث
كل امرىء في شأنه كادحفوارث منهم وموروث
ولما قال حمل بن بدر، لبني عبس، والأسنة في ظهورهم، والبوارق فوق رؤوسهم: «نؤدي السبق، وندي الصبيان وتخلون سربنا، وتسودون العرب»، انتهره حذيفة فقال: إياك والكلام المأثور! وقال الشاعر:
اليوم خمر ويبدو في غد خبروالدهر من بين إنعام واباس
قال: وقال أعرابي: «إن المسافر ومتاعه لعلى قلت إلا ما وقى الله».
وقالوا: السفر قطعة من العذاب، وصاحب السّوء قطعة من النار.
قال: وجلس معاوية بالكوفة يبايع الناس على البراءة من علي ﵀، فجاءه رجل من بني تميم، فأراده على ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، نطيع أحياءكم ولا نبرأ من مرتاكم. فالتفت إلى المغيرة فقال: إن هذا رجل، فاستوص به خيرا.
وقال الشاعر:
قالت أمامة يوم برقة واصليا ابن الغدير لقد جعلت تغير
أصبحت بعد زمانك الماضي الذيذهبت شبيبته وغصنك أخضر
شيخا دعامتك العصا ومشيّعالا تبتغي خبرا ولا تستخبر
قالوا: وكان شريح في الفتنة يستخبر ولا يخبر، وكان الربيع بن خثيم لا يخبر ولا يستخبر، وكان مطرّف بن عبد الله يستخبر ويخبر. قالوا: فينبغي أن يكون أعقلهم.
قال أبو عبيدة: كان ابن سيرين لا يستخبر ولا يخبر، وأنا أخبر وأستخبر.
وقال أبو عمرو بن العلاء لأهل الكوفة: لكم حذلقة النّبط وصلفهم، ولنا دهاء فارس وأحلامها.
وأنشد للحارث بن حلزة اليشكري:
لا أعرفنك إن أرسلت قافيةتلقي المعاذير إن لم تنفع العذر
إن السعيد له في غيره عظةوفي التجارب تحكيم ومعتبر
ومعنى المعاذير هنا على غير معنى قول الله ﵎ في القرآن:
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
. والمعاذير هاهنا:
الستور.
وقال: أراد رجل الحج فسلم شعبة بن الحجاج فقال له: أما إنك إن لم تعدّ الحلم ذلا، ولا ألسفه أنفا، سلم لك حجك.
وقالوا: وكان علي ﵁ بالكوفة قد منع الناس من القعود على ظهر الطريق، فكلموه في ذلك فقال: أدعكم على شريطة. قالوا: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال غضّ الأبصار، وردّ السلام، وإرشاد الضال. قالوا: قد قبلنا. فتركهم.
وكان نوفل بن أبي عقرب، لا يقعد على باب داره، وكان عامرا بالمارة فقيل له: إن في ذلك نشرة، وصرف النفوس عن الأماني، واعتبارا لمن اعتبر، وعظة لمن فكر. فقال: إن لذلك حقوقا يعجز عنها ابن خيشمة.
قالوا: وما هي؟ قالوا: غض البصر، ورد التحية، وإرشاد الضال، وضم اللقطة، والتعرض لطلاب الحوائج، والنهي عن المنكر. والشغل بفضول النظر، الداعية إلى فضول القول والعمل، عادة إن قطعتها اشتدت وحشتك لها، وإن وصلتها قطعتك عن أمور هي أولى بك منها.
وقال الفضيل بن عياض، لسفيان الثوري دلّني على جليس أجلس إليه.
فقال هيهات، تلك ضالة لا توجد.
وقيل لبعض العلماء: أيّ الأمور أمتع: فقال: مجالسة الحكماء ومذاكرة العلماء.
وقيل لعبد الرحمن بن أبي بكرة: أي الأمور أمتع؟ فقال: الأماني.
وقال رجاء بن حيوة، لعبد الملك بن مروان، في أسارى ابن الأشعث:
إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله ما يحب من العفو.
وقال هريم بن عدي بن أبي طحمة، ليزيد بن عبد الملك بعد ظفره بيزيد ابن المهلب: ما رأينا أحدا ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك، ولا عفا عفوك.
وذمّ رجل رجلا فقال: سيىء الروية، قليل التقية كثير السعاية، قليل النكاية.
قال: وقال معاوية لمعاوية بن حديج الكندي: ما جرأك على قتل قريش؟ قال: ما أنصفتمونا، تقتلون حلماءنا وتلوموننا على قتل سفهائكم.
وهو الذي قال لأمّ الحكم بنت أبي سفيان: والله لقد نكحت فما استكرمت، وولدت فما أنجبت.
أبو بكر بن مسلمة، عن أبي إسحاق القيسي قال: لما قدم قتيبة بن مسلم خراسان قال: «من كان في يديه شيء من مال عبد الله بن خازم فلينبذّه، وإن كان في فيه فليلفظه، وإن كان في صدره فلينفثه». فعجب الناس من حسن ما قسّم وفصّل. قال: ثم غبر بعد ذلك عيال عبد الله بن خازم وما بخراسان أحسن حالا منهم.
عنبسة القطان قال: شهدت الحسن وقال له رجل: بلغنا إنك تقول: لو كان علي بالمدينة يأكل من حشفها لكان خيرا له مما صنع. فقال له الحسن:
يا لكع، أما والله لقد فقدتموه سهما من مرامي الله، غير سؤوم لأمر الله، ولا سروقة لمال الله، أعطي القرآن عزائمه فيما عليه وله، فأحلّ حلاله، وحرّم حرامه، حتى أورده ذلك رياضا مونقه، وحدائق مغدقة. ذلك علي بن أبي طالب يا لكع.
يزيد بن عقال: قال سمعت عبد الملك بن صالح يوصي ابنه وهو أمير سرية ونحن ببلاد الروم، فقال له: أنت تاجر الله لعباده، فكن كالمضارب الكيّس، الذي إن وجد ربحا تجر، وإلا احتفظ برأس المال. ولا تطلب
الغنيمة حتى تحرز السلامة. وكن من إحتيالك على عدوك أشدّ خوفا من إحتيال عدوك عليك.
وقال بعض الحكماء: لا تصطنعوا إلى ثلاثة معروفا: اللئيم فإنه بمنزلة الأرض السبخة، والفاحش فإنه يرى أن الذي صنعت إليه إنما هو لمخافة فحشه، والأحمق فإنه لا يعرف قدر ما أسديت إليه. وإذا اصطنعت إلى الكرام فازدرع المعروف واحصد الشكر.
قال: وواضع المعروف في غير أهله كالمسرج في الشمس، والزارع في السبخ.
ومثله البيت السائر في الناس:
ومن يصنع المعروف في غير أهلهيلاق الذي لاقى مجير أمّ عامر
وقالوا: من لم يعرف سوء ما يولي لم يعرف حسن ما يولي.
وقال الأبادي صاحب الصرح، الذي إتخذ سلما لمناجاة الرب، وهو الذي كان يقول: «مرضعة وفاطمة. القطيعة والفجيعة، وصلة الرحم وحسن الكلم.
زعم ربكم ليجزين بالخير ثوابا، وبالشر عقابا. وإن من في الأرض عبيد لمن في السماء. هلكت جرهم وربلت أياد، وكذلك الصلاح والفساد. من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه. كل شاة برجلها معلقة».
وإياه يعني الشاعر بقوله:
ونحن أياد عبيد الالهورهط مناجيه في السلم
ونحن ولاة حجاب العتيقزمان الرعاف على جرهم
تعزية إمرأة للمنصور على أبي العباس مقدمه من مكة. قالت: أعظم الله أجرك، فلا مصيبة أجل من مصيبتك، ولا عوض أعظم من خلافتك.
وقال عثمان بن خريم للمنصور، حين عفا عن أهل الشام في أجلابهم مع عبد الله بن علي عمه: يا أمير المؤمنين: لقد أعطيت فشكرت، وابتليت فصبرت، وقدرت فغفرت.
وقال آخر: يا أمير المؤمنين، الإنتقام عدل، والتجاوز فضل، والمتفضل قد تجاوز حد المنصف. فنحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، دون أن يبلغ أرفع الدرجتين.
وقال آخر: من انتقم فقد شفي غيظ نفسه، وأخذ أقصى حقه. وإذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تطوّلت. ومن أخذ حقه وشفي غيظه لم يجب شكره، ولم يذكر في العالمين فضله. وكظم الغيظ حلم، والحلم صبر، والتشفي طرف من العجز، ومن رضي ألا يكون بين حاله وبين حال الظالم إلا ستر رقيق، وحجاب ضعيف، فلم يجزم في تفضيل الحلم، وفي الإستيثاق من ترك دواعي الظلم. ولم تر أهل النهي والمنسوبين إلى الحجا والتقى. مدحوا الحلماء بشدة العقاب، وقد ذكروهم بحسن الصفح، وبكثرة الإغتفار، وشدة التغافل. وبعد فالمعاقب مستعد لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم، آمن من مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثنى عليك بإتساع الصدر خير من أن يثنى عليك بضيق الصدر. على أن إقالتك عثرة عباد الله موجب لإقالتك عثرتك من رب عباد الله، وعفوك عنهم موصول بعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله لك.
وقالوا: الموت الفادح، خير من اليأس الفاضح.
وقال آخر: لا أقل من الرجاء. فقال آخر: بل اليأس المريح.
وقال عبد الله بن وهب الراسبي: إزدحام الجواب مضلة للصواب، وليس الرأي بالإرتحال، ولا الحزم بالإقتضاب، فلا تدعونك السلامة من خطأ موبق، أو غنيمة نلتها من صواب نادر، إلى معاودته، وإلتماس الأرباح من قبله. إن
الرأي ليس بنهبى، وخمير الرأي خير من فطيره. ورب شيء غابّه خير من طريه، وتأخيره خير من تقديمه.
ولما قدم بعبد الجبار بن عبد الرحمن، إلى المنصور، قال: يا أمير المؤمنين، قتلة كريمة. قال: وراءك تركتها، يا ابن اللخناء.
ولما احتال أبو الأزهر المهلب بن عبيثر المهري، لعبد الحميد بن ربعي ابن معدان، وأسلمه إلى حميد بن قحطبة، وأسلمه حميد إلى المنصور، فلما صار إلى المنصور قال: لا عذر فأعتذر وقد أحاط بي الذنب، وأنت أولى بما ترى. قال: لست أقتل أحدا من آل قحطبة، بل أهب مسيئهم لمحسنهم، وغادرهم لوفيّهم. قال: إن لم يكن فيّ مصطنع فلا حاجة بي إلى الجاه.
ولست أرضى أن أكون طليق شفيع وعتيق ابن عم. قال: أخرج، فإنك جاهل، أنت عتيقهم ما حييت.
قال زياد بن ظبيان التيمي، لأبنه عبيد الله بن زياد، وزياد يومئذ يكيد بنفسه وعبيد الله غلام: ألا أوصى بك الأمير زيادا؟ قال: لا. قال: ولم؟
قال: إذا لم تكن للحي إلا وصية الميّت فالحي هو الميت.
ودخل عمرو بن سعيد الأشدق بعد موت أبيه على معاوية، وعمرو يومئذ غلام، فقال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك يا غلام؟ قال: إن أبي أوصى إليّ ولم يوصى بي. قال:
وبأي شيء أوصاك؟ قال: أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه. قال معاوية لأصحابه: إن ابن سعيد هذا لأشدق.
ولما داهن سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب، في شأن إبراهيم بن عبد الله وصار سفيان إلى المنصور، أمر الربيع فخلع سواده. ووقف به على رؤوس اليمانية في المقصورة يوم الجمعة، ثم قال: يقول لكم أمير المؤمنين: قد عرفتم ما كان من إحساني إليه، وحسن بلائي عنده، والذي حاول من الفتنة والغدر، والبغي وشقّ العصا، ومعاونة الأعداء، وقد رأى أمير المؤمنين أن يهب مسيئكم لمحسنكم، وغادركم لوفيكم.
وقال يونس بن حبيب: المفحم يأتيه دون ما يرضى، ويطلب فوق ما يقوى.
وذكر بعض الحكماء أعاجيب البحر وتزيد البحرين، فقال: البحر كثير العجائب، وأهله أصحاب زوائد، فأفسدوا بقليل الكذب كثير الصدق، وأدخلوا ما لا يكون في باب ما قد يكاد يكون، فجعلوا تصديق الناس لهم في غرائب الأحاديث سلّما إلى إدعاء المحال.
وقال بعض العرب: «حدث عن البحر ولا حرج، وحدث عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدث عن معن ولا حرج».
وجاء في الحديث: «كفى بالمرء حرصا ركوبه البحر».
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، يصف له البحر فقال:
«يا أمير المؤمنين، البحر خلق عظيم، يركبه خلق صغير، دود على عود».
وقال الحسن ﵀: «إملاء الخير خير من الصمت، والصمت خير من إملاء الشر».
وقال بعضهم: مروا الأحداث بالمراء، والكهول بالفكر، والشيوخ بالصمت.
عبد الله بن شداد قال: «أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع. لا تزهدنّ في معروف، فإن الدهر ذو صروف. وكم من راغب قد كان مرغوبا إليه، وطالب أصبح مطلوبا إليه. والزمان ذو الوان، ومن يصحب الزمان يرى الهوان. وإن غلبت يوما على المال فلا تغلبن على الحيلة على حال. وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا، أقل ما تكون في الباطن مالا».
وقيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ قال: ببذل الندى، وكفّ الأذى، ونصر المولى.
وقيل لشيخ: أين شبابك؟ قال: من طال أمده، وكثر ولده، وقل عدده، وذهب جلده، ذهب شبابه.
وقال زياد: لا يعد منك من الجاهل كثرة الإلتفات، وسرعة الجواب.
وقال عبد الرحمن بن أمّ الحكم: لولا ثلاث ما باليت متى مت: تزاحف الأحرار إلى طعامي، وبذل الأشراف وجوههم إلي في أمر أجد السبيل إليه، وقول المنادي الصلاة أيها الأمير.
وقال ابن الأشعث: لولا أربع خصال ما أعطيت بشريا طاعة: لو ماتت أم عمران- يعني امه- ولو شاب رأسي، ولو قرأت القرآن، ولو لم يكن رأسي صغيرا.
وقال معاوية: أعنت على علي بثلاث خصال: كان رجلا يظهر سره، وكنت كتوما لسري. وكان في أخبث جند وأشده خلافا، وكنت في أطوع جند وأقله خلافا. وخلا بأصحاب الجمل فقلت إن ظفر بهم اعتددت بهم عليه وهنا في دينه، وإن ظفروا به كانوا أهون علي شوكة منه. وكنت أحبّ إلى قريش منه. فكم شئت من جامع إلي ومفرق عنه.
جهم بن حسان السليطي قال: قال رجل للأحنف: دلني على حمد بلا مرزئة. قال: الخلق السّجيح، والكف عن القبيح. ثم اعلموا إن أدوى الداء اللسان البذيء، والخلق الرديء.
وقال محمد بن حرب الهلالي: قال بعض الحكماء: لا يكوننّ منكم المحدث لا ينصت له، ولا الداخل في سر اثنين لم يدخلاه فيه، ولا الآتي الدعوة لم يدع إليها، ولا الجالس المجلس لا يستحقه. ولا الطالب الفضل من أيدي اللئام، ولا المتعرّض للخير من عند عدوه، ولا المتحمق في الدالة.
قالوا: قل النبي ﷺ في معاوية: «للهم علّمه الكتاب والحساب، وقه العذاب».
وقال رجل من بني أسد: مات لشيخ منا ابن، فاشتدّ جزعه عليه، فقام إليه شيخ منا فقال: اصبر أبا إمامه، فإنه فرط افترطته، وخير قدمته، وذخر أحرزته. فقال مجيبا له ولد دفنته، وثكل تعجلته، وغيب وعدته. والله لئن لم أجزع من النقص لا أفرح بالمزيد.
الأصمعي قال: قال ابن أقيصر: خير الخيل الذي إذا استدبرته جنا، وإذا استقبلته أقعى، وإذا استعرضته استوى وإذا مشى ردى، وإذا ردى دحا.
ونظر ابن أقيصر إلى خيل عبد الرحمن بن أم الحكم، فأشار إلى فرس منها فقال: تجيء هذا سابقة، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: رأيتها مشت فكتفت، وخبت فوجفت، وعدت فنسفت.
وذكرت أعرابية زوجها فقالت: ذهب ذفره، وأقبل بخره، وفتر ذكره.
وكان مالك بن الأخطل قد بعثه أبوه ليسمع شعر جرير والفرزدق، فسأله أبوه عنهما فقال: جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت من صخر. فقال:
الذي يغرف من بحر أشعرهما.
قد ذكرنا من مقطعات الكلام وقصار الأحاديث، بقدر ما اسقطنا به مؤونة الخطب الطوال. وسنذكر من الخطب المسندة إلى أربابها مقدارا لا يستفرغ مجهود من قرأها، ثم نعود بعد ذلك إلى ما قصر منها وخف، وإلى أبواب قد تدخل في هذه الجملة وإن لم تكن مثل هذه بأعيانها. والله الموفق.
أبو الحسن، عن يحيى بن سعيد، عن ابن خرّبوذ البكري، عن خالد ابن صفوان، قال: دخل عبد الله بن عبد الله بن الأهتم، على عمر بن عبد العزيز مع العامة، فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه يتكلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد فإن الله خلق الخلق غنيا عن طاعتهم، آمنا لمعصيتهم، والناس يومئذ
في المنازل والرأي مختلفون، والعرب بشرّ تلك المنازل، أهل الوبر وأهل المدر، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاغة عيشها: ميتهم في النار وحيهم أعمى. مع ما لا يحصى من المرغوب عنه، والمزهود فيه. فلما أراد الله أن ينشر فيهم رحمته، ويسبغ عليهم نعمته، بعث إليهم رسولا منهم عزيزا عليه ما عنتوا، حريصا عليهم، بالمؤمنين رؤوفا رحيما، فلم يمنعهم ذلك من أن جرحوه في جسمه، ولقبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق، وبرهان من الله صادق، لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه. واضطروه إلى بطن غار، فلما أمر بالعزم أسفر لأمر الله لونه، فأفلج الله حجته، وأعلى كلمته وأظهر دعوته، ففارق الدنيا نقيا تقيا، مباركا مرضيا. ﷺ.
ثم قام بعده أبو بكر ﵀، فسلك سنته، وأخذ بسبيله، وأرتدّت العرب، فلم يقبل منهم بعد رسول الله إلا الذي كان قابلا منهم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران من شعلها، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم، ويسقي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الذي خرجوا عنه، وقررهم بالذي نفروا منه. وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدا له، فرأى ذلك غصة عند موته في حلقه، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وبرىء إليهم منه، وفارق الدنيا نقيا تقيا، على منهاج صاحبه، ﵀.
ثم قام من بعده عمر بن الخطاب ﵀، فمصّر الأمصار، وخلط الشدة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه، وأعدّ للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فلما أصابه فتى المغيرة بن شعبة، أمر ابن عباس أن يسأل الناس هل يثبتون قاتله، فلما قيل له: فتى المغيرة، استهل بحمد الله ألا يكون اصابه ذو حق في الفيء فيستحل دمه بما استحل من حقه. وقد كان أصاب من مال الله بضعا وثمانين ألفا، فكسر رباعه، وكره بها كفالة أهله
وولده، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده، وفارق الدنيا تقيا نقيا، على منهاج صاحبيه، ﵀.
ثم أنّا والله ما أجتمعنا بعدهما إلا على ظلّع، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، والقمتك ثديها، وليتك وضعتها حيث وضعها الله.
فالحمد لله الذي جلا بك حوبتها، وكشف بك كربتها. امض ولا تلتفت فإنه لا يغني من الحق شيئا. أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وللمؤمنين والمؤمنات.
قال: ولما أن قال: «ثم أنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلّع».
سكت الناس كلهم إلا هشاما، فإنه قال له: كذبت.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع