من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر الملعب الذي كان بالإسكندرية وغيره من العجائب
قال القضاعيّ: ومن عجائب مصر: الإسكندرية وما بها من العجائب، فمن عجائبها:
المنارة، والسواري، والملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السنة، ثم يرمون بأكرة، فلا تقع في حجر أحد إلا ملك مصر، وحضر عيدا من أعيادهم، عمرو بن العاص، فوقعت الأكرة في حجره، فملك البلد بعد ذلك في الإسلام، ثم حضر هذا الملعب ألف ألف من الناس، فلا يكون فيهم أحد إلا وهو ينظر في وجه صاحبه، ثم إن قرئ كتاب سمعوه جميعا، أو لعب لون من اللعب رأوه عن آخرهم لا يتظالمون فيه بأكثر من مراتب العلية والسفلية.
وقال ابن عبد الحكم: فلما كانت سنة ثمان عشرة من الهجرة، وقدم عمر بن الخطاب، ﵁، الجابية، خلا به عمرو بن العاص، واستأذنه في المسير إلى مصر، وكان عمرو قد دخل في الجاهلية مصر، وعرف طرقها، ورأى كثرة ما فيها، وكان سبب دخوله إياها أنه قدم إلى بيت المقدس لتجارة في نفر من قريش، فإذا هم بشماس من شمامسة الروم من أهل الإسكندرية، قدم للصلاة في بيت المقدس، فخرج في بعض جبالها يسيح، وكان عمرو يرعى إبله وإبل أصحابه، وكانت رعية الإبل نوبا بينهم، فبينا عمرو يرعى إبله، إذ مرّ به ذلك الشماس، وقد أصابه عطش شديد في يوم شديد الحرّ، فوقف على عمرو، فاستسقاه، فسقاه عمرو من قربة له، فشرب حتى روي، ونام الشماس مكانه، وكانت إلى جنب الشماس حيث نام حفرة، فخرجت منها حية عظيمة، فبصر بها عمرو، فنزع لها بسهم فقتلها، فلما استيقظ الشماس نظر إلى حية عظيمة قد أنجاه اللّه منها، فقال لعمرو: ما هذه؟ فأخبره عمرو أنه رماها، فقتلها، فأقبل إلى عمرو، فقبّل رأسه، وقال: قد أحياني اللّه بك مرّتين: مرّة من شدّة العطش، ومرّة من هذه الحية، فما أقدمك هذه البلاد؟ قال: قدمت مع أصحاب لي نطلب الفضل في تجارتنا، فقال له الشماس: وكم تراك ترجو أن تصيب في تجارتك؟ قال: رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا، فإني لا أملك إلا بعيرين، فآمل أن أصيب بعيرا آخر فتكون ثلاثة أبعرة، فقال له الشماس: أرأيت دية أحدكم بينكم كم هي؟ قال: مائة من الإبل، فقال له الشماس: لسنا أصحاب إبل إنما نحن أصحاب دنانير، قال: تكون ألف دينار، فقال له الشماس: إني رجل غريب في هذه البلاد، وإنما قدمت أصلي في كنيسة بيت المقدس، وأسيح في هذه الجبال شهرا جعلت ذلك نذرا على نفسي، وقد قضيت ذلك، وأنا أريد الرجوع إلى بلادي، فهل لك أن تتبعني إلى بلادي،
ولك عليّ عهد اللّه وميثاقه أن أعطيك ديتين، لأنّ اللّه ﷿ أحياني بك مرّتين، فقال له عمرو: أين بلادك؟ قال: مصر في مدينة يقال لها: الإسكندرية، فقال له عمرو: لا أعرفها، ولم أدخلها قط، فقال له الشماس: لو دخلتها لعلمت أنك لم تدخل قط مثلها! فقال له عمرو: تفي لي بما تقول، ولي عليك بذلك العهد والميثاق، فقال له الشماس: نعم لك واللّه عليّ العهد والميثاق أن أفي لك، وأن أردّك إلى أصحابك، فقال له عمرو: كم يكون مكثي في ذلك؟ قال: شهرا تنطلق معي ذاهبا عشرا، وتقيم عندنا عشرا، وترجع في عشر، ولك عليّ أن أحفظك ذاهبا وأن أبعث معك من يحفظك راجعا، فقال له عمرو: انظرني حتى أشاور أصحابي في ذلك، فانطلق عمرو إلى أصحابه، فأخبرهم بما عاهد عليه الشماس، وقال لهم: تقيمون عليّ حتى أرجع إليكم ولكم عليّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك على أن يصحبني رجل منكم آنس به، فقالوا: نعم، وبعثوا معه رجلا منهم، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشماس، حتى انتهوا إلى مصر فرأى عمرو من عمارتها، وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه! فقال عمرو للشماس: ما رأيت مثل ذلك، ومضى إلى الإسكندرية، فنظر عمرو إلى كثرة ما فيها من الأموال والعمارة، وجودة بنائها، وكثرة أهلها، فازداد عجبا، ووافق دخول عمرو الإسكندرية عيدا فيها عظيما يجتمع فيه ملوكهم وأشرافهم، ولهم كرة من ذهب مكالة يترامى بها ملوكهم، وهم يتلقونها بأكمامهم، وفيما اختبروا من تلك الكرة على ما وصفها من مضى منهم، أنها من وقعت الكرة في كمه واستقرّت فيه لم يمت حتى يملكهم.
فلما قدم عمرو الإسكندرية أكرمه الشماس الإكرام كله، وكساه ثوب ديباج ألبسه إياه، وجلس عمرو والشماس مع الناس في ذلك المجلس، حيث يترامون بالكرة وهم يتلقونها بأكمامهم، فرمى بها رجل منهم، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كم عمرو، فعجبوا من ذلك، وقالوا: ما كذبتنا هذه الكرة قط إلا هذه المرّة! أترى هذا الأعرابيّ يملكنا؟ هذا ما لا يكون أبدا، وإنّ ذلك الشماس مشى في أهل الإسكندرية، وأعلمهم أنّ عمرا أحياه مرّتين، وأنه قد ضمن له ألفي دينار، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم، ففعلوا، ودفعوها إلى عمرو، فانطلق عمرو وصاحبه، وبعث معهما الشماس دليلا ورسولا، وزوّدهما وأكرمهما، حتى رجع هو وصاحبه إلى أصحابهما، فبذلك عرف عمرو مدخل مصر ومخرجها، ورأى منها ما علم أنها أفضل البلاد، وأكثرها أموالا، فلما رجع عمرو إلى أصحابه، دفع إليهم بيما بينهم ألف دينار، وأمسك لنفسه ألفا، قال عمرو: وكان أوّل مال اعتقدته وتأثلته.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع