تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر عمود السواري

هذا العمود حجر أحمر منقط، وهو من الصوّان الماتع كان حوله، نحو أربعمائة عمود كسرها قراجا والي الإسكندرية في أيام السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب،

ورماها بشاطئ البحر ليوعر على العدوّ سلوكه إذا قدموا، ويذكر أن هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذي كان يدرس به الحكمة، وأنه كان دار علم، وفيه خزانة كتب أحرقها عمرو بن العاص بإشارة عمر بن الخطاب ﵁، ويقال: إنّ ارتفاع هذا العمود سبعون ذراعا وقطره خمسة أذرع، وذكر بعضهم: أنّ طوله بقاعدتيه: اثنان وستون ذراعا وسدس ذراع، وهو على نشز طوله ثلاثة وعشرون ذراعا ونصف ذراع، فجملة ذلك خمسة وثمانون ذراعا وثلثا ذراع، وطول قاعدته السفلي اثنا عشر ذراعا، وطول القاعدة العليا سبعة أذرع ونصف.

قال المسعوديّ: وفي الجانب الغربيّ من صعيد مصر، جبل رخام عظيم، كانت الأوائل تقطع منه العمد وغيرها، وكانوا يحملون ما عملوا بعد النقر، فأما العمد والقواعد والرءوس التي يسميها أهل مصر الأسوانية، ومنها حجارة الطواحين، فتلك نقرها الأوّلون قبل حدوث النصرانية بمئين من السنين، ومنها العمد التي بالإسكندرية، والعمود بها الضخم الكبير لا يعلم بالعالم عمود مثله، وقد رأيت في جبل أسوان، أخا هذا العمود، وقد هندس ونقر ولم يصل من الجبل، ولم يحمل ما ظهر منه، وإنما كانوا ينتظرون به أن يفصل من الجبل، ثم يحمل إلى حيث يريد القوم، انتهى.

وكان بالإسكندرية من العمد العظام، وأنواع الحجارة والرخام الذي لا تقلّ القطعة منه، إلا بألوف من الناس، وقد علقت بين السماء والأرض على فوق المائة ذراع، وفوق رؤوس أساطين دائر الأسطوانة ما بين الخمسة عشر ذراعا إلى العشرين ذراعا، والحجر فوقه عشرة أذرع في عشرة أذرع، في سمك عشرة أذرع بغرائب الألوان.

وكان بالإسكندرية قصر عظيم لا نظير له في معمور الأرض على ربوة عظيمة، بإزاء باب البلد طوله خمسمائة ذراع، وعرضه على النصف من ذلك، وبابه من أعظم بناء وأتقنه، كل عضادة منه حجر واحد، وعتبته حجر واحد، وكان فيه نحو مائة أسطوانة وبإزائه أسطوانة عظيمة لم يسمع بمثلها، غلظها ستة وثلاثون شبرا، وعلوها بحيث لا يدرك أعلاها قاذف حجر، وعليها رأس محكم الصناعة يدل على أنه كان فوق ذلك بناء، وتحتها قاعدة حجر أحمر محكم الصناعة، عرض كل ضلع منه عشرون شبرا في ارتفاع ثمانية أشبار، والأسطوانة منزلة في عمود من حديد قد خرقت به الأرض، فإذا اشتدّت الرياح رأيتها تتحرّك، وربما وضع تحتها الحجارة، فطحنتها لشدّة حركتها، وكانت هذه الأسطوانة إحدى عجائب الدنيا، وقد زعم قوم أنها مما عمله الجنّ لسليمان بن داود ﵉، كما هي عادتهم في نسبة كل ما يستعظمون عمله إلى أنه من صنيع الجنّ، وليس كذلك، بل كانت مما عمله القدماء من أهل مصر.

وكان في وسطه، قبة ومن حولها أساطين، وعلى الجميع قبة من حجر واحد رخام

أبيض كأحسن ما أنت راء من الصنائع.

ويقال: إن بعض ملوك مصر دخل الإسكندرية، فأعجبه هذا القصر، وأراد أن يبني مثله، فجمع الصناع والمهندسين ليقيموا له قصرا عظيما على هيئته، فما منهم إلا من اعترف بعجزه عن مثله، إلاّ شيخا منهم، فإنه التزم أن يصنع مثله، فسرّ الملك ذلك، وأذن له في طلب ما يحتاج إليه من المؤن والآلات والرجال، فقال: ائتوني بثورين مطيقين وعجلة كبيرة، فللحال أتي بذلك فمضى إلى المقابر القديمة، وحفر منها قبرا أخرج منه: جمجمة عظيمة، رفعها عدّة من الرجال على العجلة، فما جرّها الثوران مع قوّتهما إلاّ بعد جهد وعناء، فلما وقف بها بين يدي الملك، قال: أصلح اللّه سيدنا! إن أتيتني بقوم رؤوسهم مثل هذا الرأس عملت لك مثل هذا القصر؟ فتيقن الملك عند ذلك عجز أهل زمانه عن إقامة مثل ذلك القصر.

وقد ذكر: أنه كان بالإسكندرية ضرس إنسان عند قصاب، يزن به اللحم، زنته ثمانية أرطال.

ويقال: إنّ عمود السواري الموجود الآن خارج مدينة الإسكندرية، أحد سبعة أعمدة، أتي بأحدها، البتون بن مرّة العادي، وهو يحمله تحت إبطه من جبل بريم الأحمر قبليّ أسوان إلى الإسكندرية، فانكسر ضلعه، لأنه كان ضعيف القوى في قومه، فشق ذلك على يعمر بن شدّاد بن عاد، وقال: ليتني فديته بنصف ملكي، وجاء بعمود آخر، جحدر بن سنان الثموديّ، وكان قويا، فحمله من أسوان تحت إبطه، وجاء بقية رجالهم كل رجل بعمود، فأقام العمد السبعة، الجارود بن قطن المؤتفكي، وكان بناءها بعد أن اختاروا لها طالعا سعيدا، كما هي عادتهم في عامّة أعمالهم، وقد ذكر غير واحد، أن الصخور في القديم من الدهر كانت تلين، فعمل منها أعمدة، ناعط ومارب وبينون وماثر اليمن، وأعمدة دمشق ومصر ومدين وتدمر، وإنّ كل شيء كان يتكلم، قال أمية بن أبي الصلت:

وإذ هم لا لبوس لهم عراةوإذ صخر السلام لهم رطاب

وقال قوم: عمود السواري من جملة أعمدة كانت تحمل رواقا، يقال له: بيت الحكمة، وذلك حيث انتهت علوم أهل الغرب إلى خمس فرق، وهم: أصحاب الرواق هذا، وأصحاب الأسطوانة وكانوا ببعلبك، وأصحاب المظال وهم بأنطاكية، وأصحاب البرابي وكانوا بصعيد مصر، والمشاؤون وكانوا بمقدونية، وكأني بمن قلّ علمه ينكر عليّ إيراد هذا الفصل، ويراه من قبيل المحال، ومما وضعه القصاص، ويجزم بكذبه، فلا يوحشنك حكايتي له، واسمع قول اللّه تعالى عن عاد قوم هود: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي اَلْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف/] أي طولا وعظم جسم.

قال عبد اللّه بن عباس ﵄: كان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين

ذراعا، وهذه الزيادة كانت على خلق آبائهم، وقيل: على خلق قوم نوح، وقال وهب بن منبه: كان رأس أحدهم مثل قبة عظيمة، وكانت عين الرجل منهم تفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم.

وروى شهر بن حوشب عن أبي هريرة ﵁: إنه قال: إن كان الرجل من قوم عاد ليحمل المصراعين لو اجتمع عليه خمسمائة من هذه الأمة لم يطيقوه، وإن كان أحدهم ليغمز بقدمه الأرض فيدخل فيها.

وروى عبد اللّه بن لهيعة، عن يزيد بن عمرو المعافريّ، عن ابن بجرة، قال: استظل سبعون رجلا من قوم موسى ﵇، في قحف رجل من العماليق. وعن زيد بن أسلم:

بلغني أنّ الضبعة وأولادها ربين في حجاج عين رجل من العماليق، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي اَلْبِلادِ﴾ [الفجر/].

قال المبرّد: وقولها يعني الخنساء: رفيع العماد إنما تريد الطول، يقال: رجل معمد:

يريد طولا ومنه قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ﴾ أي: الطوال.

وقال البغويّ: سموا ذات العماد لأنهم كانوا أهل عمدة سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبيّ، ورواية عطاء عن ابن عباس، وقال بعضهم: سموا ذات العماد لطول قاماتهم، قال ابن عباس: يعني طولهم مثل العماد، قال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا.

وفي كشاف الزمخشريّ: لم يخلق مثلها، مثل عاد في البلاد عظم أجرام وقوّة، كان طول الرجل منهم أربعمائة ذراع، وكان يأتي الصخرة العظيمة فيحملها، فيلقيها على الحيّ فيهلكهم، وقد ذكر غير واحد أنه وجد في خلافة المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد، كنز بمصر فيه ضلم إنسان طوله أربعة عشر شبرا في عرض ثلاثة أشبار.

واعلم أن أعين بني آدم ضيقة وقد نشأت نفوسهم في محل صغير، فإذا حدّث القوم بما يتجاوز مقدار عقولهم أو مبلغ أجسامهم مما ليس له عندهم أصل يقيسونه على إلا ما يشاهدونه، أو يألفونه عجلوا إلى الارتياب فيه، وسارعوا إلى الشك في الخبر عنه، إلاّ من كان معه علم وفهم، فإنه يفحص عما يبلغه من ذلك حتى يجد دليلا على قبوله، أو ردّه، وكيف يردّ مثل هذه الأخبار. وفي الصحيح: أن رسول اللّه ﷺ قال: «حلق اللّه آدم طوله ستون ذراعا في السماء» ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن.

وذكر محمد بن عبد الرحيم بن سليمان بن ربيع القيسيّ الغرناطيّ في كتاب تحفة

الألباب قال: نقل الشعبيّ في كتاب سير الملوك: أن الضحاك بن علوان، لما هرب منه لام بن عاد إلى ناحية الشمال أرسل في طلبه أميرين مع كل أمير طائفة من الجبارين خرج أحدهما قاصدا إلى بلغار، والآخر إلى باشقرد، فأقام أولئك الجبارون في أرض بلغار، وفي باشقرد. قال الإقليشيّ: وقد رأيت صورهم في باشقرد، ورأيت قبورهم بها، فكان مما رأيته، ثنية أحدهم طولها: أربعة أشبار، وعرضها شبران، وقد كان عندي في باشقرد نصف أصل الثنية أخرجت لي من فكه الأسفل، فكان عرضها شبرا، ووزنها ألف مثقال، ومائتا مثقال، أنا وزنتها بيدي، وهي الآن في داري في باشقرد، وكان دور فلك ذلك العاديّ سبعة عشر ذراعا، وفي بيت بعض أصحابي في باشقرد، عضد أحدهم طوله ثمانية وعشرون ذراعا، وأضلاعه كل ضلع عرضه ثلاثة أشبار، وأكثر كاللوح الرخام، وأخرج إليّ نصف رسغ يد أحدهم، فكنت لا أقدر أن أرفعه بيد واحدة حتى أرفعه بيديّ جميعا، قال: ولقد رأيت في بلد بلغار سنة ثلاثين وخمسمائة من نسل العاديين رجلا طوالا كان طوله أكثر من سبعة أذرع، وكان يسمى: دنقي وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الإنسان الطفل الصغير، وكان إذا وقع القتال بتلك الناحية، يقاتل بشجرة من شجر البلوط، يمسكها كالعصا في يده لو ضرب بها الفيل قتله، وكان خيّرا متواضعا، كلما التقاني سلم عليّ، ورحب بي وأكرمني، وكان رأسي لا يصل إلى حقوه، وكان له أخت على طوله رأيتها في بلغار مرارا عدّة.

قال لي القاضي يعقوب بن النعمان، يعني قاضي بلغار: إن هذه المرأة الطويلة العادية قتلت زوجها، وكان اسمه آدم، وكان من أقوى أهل بلغار ضمته إلى صدرها، فكسرت أضلاعه، فمات من ساعته. قال: ولم يكن في بلغار حمّام تسعهم، إلا حمّام واحدة واسعة الأبواب، انتهى.

وقد حدّثني الحافظ أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن محمد الفريابي عن أبيه: أنه شاهد قبرا احتفر بمدينة قرطاجنة من إفريقية، فإذا جثة رجل قدر عظيم رأسه كثورين عظيمين، ووجد معه لوح مكتوب بالقلم المسند، وهو قلم عاد، وحروفه مقطعة، ما نصه:

أنا كوش بن كنعان ابن الملوك من آل عاد، ملكت بهذه الأرض ألف مدينة، وبنيت بها على ألف بكر، وركبت من الخيل العتاق سبعة آلاف، حمر وصفر وشهب وبيض ودهم، ثم لم يغن عني ذلك شيئا، أو جاءني صائح، فصاح بي صيحة أخرجتني من الدنيا، فمن كان عاقلا ممن جاء بعده فليعتبر بي وأنشد:

يا واقفا يرعى السهىبرسم ربع قد وهى
قف واستمع ثم اعتبرإن كنت من أهل النهي
بالأمس كنا فوقهاواليوم صرنا تحتها
لكل حدّ غايةلكل أمر منتهى

قال: فأمر السلطان أبو بكر بن يحيى الحفصيّ، صاحب تونس بطمه، فطم القبر.

قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: وأنا أدركت شيئا من ذلك، وهو أنه ترافع في بعض الأيام طائفة من الحجارين إلى السلطان الملك الظاهر برقوق أعوام، بضع وتسعين وسبعمائة، وقد اختلفوا على مال وجدوه بجبل المقطم، وهو أنهم كانوا يقطعون الحجارة من مغار فيما يلي قلعة الجبل من بحريها، فانكشف لهم حجر أسود عليه كتابة، فاجتمعوا على قطع ما بين يدي هذا الحجر طمعا في وجود مال، فانتهى بهم القطع إلى عمود عظيم قائم في قلب الجبل، فلعجلتهم أقبلوا بمعاولهم عليه حتى تكسر قطعا، فإذا هو مجوّف، وإنسان قائم على قدميه بطوله وتناثر لهم من جهة رأسه دنانير كثيرة، فاقتسموها وتنافسوا في قسمتها، واختلفوا حتى اشتهر أمرهم، وترافعوا إلى السلطان، فبعث من كشف المغار فوجد الحجر والعمود، وقد تكسر فأخذ منهم ما وجد بأيديهم من الدنانير، ولم يجد من يعرف ما قد كتب على الحجر، وتسامع الناس بالخبر، فأقبلوا إلى المغار وعبثوا برمّة الميت، فأخبرني من شاهد سنا من أسنان هذا الميت، أنها سوداء بقدر الباذنجانة وإن عظم ساقه فيما بين قدمه إلى ركبته خمسة أذرع فيجيء هذا من حساب طوله عشرين ذراعا وأزيد، ودماغ سنّ واحدة من أسنانه في قدر الباذنجانة، ما هو إلا كالقبة الكبيرة، وأخبرني السيد الشريف قاضي القضاة بدمشق شهاب الدين أحمد بن عليّ بن إبراهيم الحسينيّ المعروف: بابن عدنان وبابن أبي الجن: أنه وقف في سنة أربع عشرة وثمانمائة بمقبرة باب الصغير من دمشق على قبر ليدفن فيه ميت لهم، فلما تهيأ القبر، ولم يبق إلا أن يدلى فيه الميت، انخسف وخرج من الخسف ذباب كثير كبار زرق الألوان حتى كادت تظلهم، فنزل الحفار في الخسف، فإذا قبر طوله اثنان وعشرون ذراعا وفيه بطوله ميت قد صار كالرماد.

وأخبرني أيضا: أنه شاهد بهذه المقبرة ضرس إنسان وله ثلاث شعب، وقد سقطت منه قطعة وهو في قدر البطيخة، وأنه وزن بحضرته فبلغ رطلين وتسع أواقي بالرطل الشامي، وإنّ القطعة التي انكسرت منه نحو أوقيتين بالشامي، فيكون على هذا زنة هذا الضرس نحو اثني عشر رطلا بالمصريّ، واللّه تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.