من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر طرف مما قيل في الإسكندرية
قال أبو عمرو الكنديّ: أجمع الناس أنه ليس في الدنيا مدينة على ثلاث طبقات، غير الإسكندرية، ولما دخل عبد العزيز بن مروان الإسكندرية، سأل رجلا من علماء الروم عنها وعن عدد أهلها؟ فقال: واللّه أيها الأمير، ما أدرك علم هذا أحد من الملوك، والذي أخبرك
كم كان فيها من اليهود، فإنّ ملك الروم أمر بإحصائهم، فكانوا ستمائة ألف. قال: فما هذا الخراب الذي في أطرافها، قال: بلغني عن بعض ملوك فارس حين ملكوا مصر أنه أمر بفرض دينار على كل محتلم لعمران الإسكندرية، فأتاه كبراء أهلها وعلماؤهم، وقالوا: أيها الملك لا تتعب فإنّ الإسكندرية أقام الإسكندر على بنائها، ثلثمائة سنة، وعمرت ثلثمائة سنة، وإنها لخراب منذ ثلثمائة سنة، ولقد أقام أهلها سبعين سنة لا يمشون فيها نهارا إلا بخرق سود في أيديهم خوفا على أبصارهم من شدّة بياضها.
ومن فضائلها ما قاله بعض المفسرين من أهل العلم: أنها المدينة التي وصفها اللّه ﷿ في كتابه العزيز فقال: ﴿إِرَمَ ذاتِ اَلْعِمادِ اَلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي اَلْبِلادِ﴾ [الفجر/].
قال أحمد بن صالح: قال لي سفيان بن عيينة: يا مصريّ أين تسكن؟ قلت: أسكن الفسطاط، فقال: أتاني الإسكندرية؟ قلت: نعم، قال: تلك كنانة اللّه يجعل فيها خيار سهامه.
وقال وقال عبد اللّه بن مرزوق الصدفيّ، لما نعى لي ابن عمي خالد بن يزيد، وكان قد توفي بالإسكندرية، لقيني موسى بن عليّ بن رباح وعبد اللّه بن لهيعة والليث بن سعد متفرّقين كلهم يقول: أليس مات بالإسكندرية؟ فأقول: نعم، فيقولون: هو حيّ عند اللّه يرزق ويجري عليه أجر رباطه ما أقامت الدنيا، وله أجر شهيد حتى يحشر على ذلك، وقال الذين ينظرون في الأهوية والبلدان وترتب الأقاليم والأمصار: أنه لم تطل أعمار الناس في بلد من البلدان طولها بمربوط من كورة الإسكندرية، ووادي فرغانة. وقال الحسن بن صفوان: وأما الإسكندرية وتنيس، وأمثالهما، فقربها من البحر وسكون الحرارة والبرد عندهم، وظهور ريح الصبا فيهم مما يصلح أمرهم، ويرق طباعهم، ويرفع همتهم وليس يعرض لهم ما يعرض لأهل اليشمون من غلظ الطبع والحمارية، وقد وصف أهل الإسكندرية بالبخل، قال جلال الدين بن مكرم بن أبي الحسن بن أحمد الخزرجي ملك الحفاظ:
نزيل اسكندرية ليس يقريبغير الماء أو نعت السواري
ويتحف حين يكرم بالهواء الملاتن والإشارة للمنار
وذكر البحر والأمواج فيهووصف مراكب الروم الكبار
فلا يطمع نزيلهم بخبزفما فيها لذاك الحرف قاري
وقال أحمد بن جردادية من الفسطاط إلى ذوات الساحل، أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى مربوط ثلاثون ميلا، ثم إلى كوم شريك ثلاثون ميلا، ثم إلى كريون أربعة وعشرون ميلا، ثم إلى الإسكندرية أربعة وعشرون ميلا، وقال آخر: وطريق الإسكندرية إذا نضّب ماء النيل يأخذ بين المدائن والضياع، وذلك إذا أخذت من شطنوف إلى سبك العبيد، فهو منزل فيه منية لطيفة، وبينهما اثنا عشر سقسا، ومن سبك إلى مدينة منوف، وهي كبيرة فيها
حمامات وأسواق، وبها قوم فيهم يسار ووجوه من النار، وبينهما ستة عشر سقسا، ومن منوف إلى محلة صرد وفيها منبر وحمام وفنادق، وسوق صالح ستة عشر سقسا، ومن محلة صرد إلى سخا وهي مدينة كبيرة ذات حمامات وأسواق، وعمل واسع وإقليم جليل له عامل بعسكر وجند، وبه الكتان الكثير وزيت الفجل، وقموح عظيمة ستة عشر سقسا، ومن سخا إلى شبر كمية وهي مدينة كبيرة بها جامع وأسواق ستة عشر سقسا، ومن شبر كمية إلى مسير وهي مدينة بها جامع وأسواق ستة عشر سقسا، ومن مسير إلى سنهور وهي مدينة ذات إقليم كبير وبها حمامات وأسواق، وعمل كبير ستة عشر سقسا، ومن سنهور إلى التخوم وهي إقليم وبها حمامات وفنادق وأسواق ستة عشر سقسا، ومن التخوم إلى نسترو، وكانت مدينة عظيمة حسنة على بحيرة اليشمون عشرون سقسا، ومن نسترو إلى البرلس وهي مدينة كثيرة الصيد في البحيرة وبها حمامات عشر سقسات، ومن نسترو إلى البرلس إلى اخنا وهي حصن على شط بحر الملح عشر سقسات، ومن اخنا إلى رشيد وهي مدينة على النيل ومنها يصب النيل في البحر من فوهة تعرف بالأشتوم وهي المدخل ثلاثون سقسا، وكان بها أسواق صالحة وحمام، وبها نخيل وضريبة على ما يحمل من الإسكندرية.
وهذا الطريق الآخذ من شطنوف إلى رشيد ربما امتنع سلوكه عند زيادة النيل، والثياب المنسوجة بالإسكندرية لا نظير لها، وتحمل إلى أقطار الأرض، وفي ثياب الإسكندرية ما يباع الكتان منه إذا عمل ثيابا يقال لها الشرب كل زنة درهم بدرهم فضة، وما يدخل في الطرز، فيباع بنظير وزنه مرّات عديدة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع