تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

المنصورة

هذه البلدة على رأس بحر أشموم تجاه ناحية طلخا بناها: السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، في سنة ست عشرة وستمائة عند ما ملك الفرنج، مدينة دمياط، فنزل في موضع هذه البلدة، وخيم به، وبنى قصرا لسكناه، وأمر من معه من الأمراء والعساكر بالبناء، فبنى هناك عدّة دور ونصبت الأسواق وأدار عليها سورا مما يلي البحر، وستره بالآلات الحربية والستائر، وتسمى هذه المنزلة المنصورة، ولم يزل بها حتى استرجع مدينة دمياط، كما تقدّم ذكره عند ذكر مدينة دمياط من كتابنا هذا، فصارت مدينة كبيرة بها الحمامات والفنادق والأسواق، ولما استنقذ الملك الكامل دمياط من الفرنج، ورحل الفرنج إلى بلادهم جلس بقصره في المنصورة وبين يديه إخوته الملك المعظم عيسى صاحب دمشق، والملك الأشرف موسى صاحب بلاد الشرق وغيرهما من أهله، وخواصه، فأمر الملك الأشرف جاريته، فغنت على عودها:

ولما طغى فرعون عكا وقومهوجاء إلى مصر ليفسد في الأرض
أتى نحوهم موسى وفي يده العصافأغرقهم في اليم بعضا على بعض

فطرب الأشرف، وقال لها: بالله كرّري، فشق ذلك على الملك الكامل، وأسكتها، وقال لجاريته: غني أنت فأخذت العود، وغنت:

أيا أهل دين الكفرة قوموا لتنظروالما قد جرى في وقتنا وتجدّدا
أعباد عيسى إن عيسى وحزبهوموسى جميعا ينصران محمدا

وهذا البيت من قصيدة لشرف الدين بن حبارة أوّلها: (أبى الوجد إلا أن أبيت مسهدا) فأعجب ذلك الملك الكامل، وأمر لكل من الجاريتين، بخمسمائة دينار، فنهض القاضي الصدر الأجل الرئيس هبة اللّه بن محاسن قاضي غزة وكان من جملة الجلساء على قدميه وأنشد يقول:

هنيئا فإنّ السعد جاء مخلداوقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا
حبانا إله الخلق فتحا لنا بدامبينا وإنعاما وعزا مؤبدا
تهلل وجه الأرض بعد قطوبهوأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا
ولما طغى البحر الخضمّ بأهله الطغاة وأضحى بالمراكب مزبدا
للشاعر شرف الدين الحلي، اقرأ القصيدة
أقام لهذا الدين من سلّ عزمهصقيلا كما سلّ الحسام المهندا
فلم ينج إلا كل شلو مجدّلثوى منهم أو من تراه مقيدا
للشاعر شرف الدين الحلي، اقرأ القصيدة
ونادى لسان الكون في الأرض رافعاعقيرته في الخافقين ومنشدا
للشاعر شرف الدين الحلي، اقرأ القصيدة
أعباد عيسى إنّ عيسى وحزبهوموسى جميعا ينصران محمدا

فكانت هذه الليلة بالمنصورة، من أحسن ليلة مرّت لملك من الملوك، وكان عند إنشاده يشير إذا قال عيسى إلى عيسى المعظم، وإذا قال موسى إلى موسى الأشرف، وإذا قال محمدا إلى السلطان الملك الكامل، وقد قيل: إنّ الذي أنشد هذه الأبيات إنما هو راجح المحلي الشاعر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر مدائن أرض مصر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.