تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر مدينة قفط بصعيد مصر

هذه المدينة عرفت: بقفطريم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، وكانت في الدهر الأوّل، مدينة الإقليم، وإنما بدا خرابها بعد الأربعمائة من تاريخ الهجرة النبوية، وآخر ما كان فيها بعد السبعمائة من سني الهجرة، أربعون مسبكا للسكر، وست معاصر للقصب، ويقال: كان فيها قباب بأعالي دورها، وكانت إشارة من ملك من أهلها عشرة آلاف دينار أن يجعل في داره قبة، وبالقرب منها معدن الزمرّذ، ولم يبطل إلا من قريب، فإنّ قفطريم ولي الملك بعد أبيه قبطيم.

قال ابن وصيف شاه: كان أكبر ولد أبيه، وكان جبارا عظيم الخلق، وهو الذي وضع أساسات الأهرام الدهشورية وغيرها، وهو الذي بنى مدينة دندرة، ومدينة الأصنام، وهلكت عاد بالريح في آخر أيامه، وأثار من المعادن ما لم يثره غيره، وكان يتخذ من الذهب مثل حجر الرحى، ومن الزبرجد مثل الأسطوانة، ومن الإسبادشم في صحراء الغرب كالقلة، وعمل من العجائب شيئا كثيرا.

وبنى منارا عاليا على جبل قفط، يرى منه البحر الشرقيّ، ووجد هناك معدن زئبق، فعمل منه تمثالا كالعمود لا ينحلّ، ولا يذوب.

وعمل البركة التي سماها صيادة الطير إذا مرّ عليها طائر سقط فيها، ولم يقدر على الحركة، حتى يؤخذ، وهذه البركة يقال: إنها هناك إلى الآن، وأما المنار فسقط، وعمل عجائب كثيرة، وفي أيامه أثار عبادة الأصنام التي كان الطوفان غرّقها وزين الشيطان أمرها وعبادتها، ويقال: إنه بنى المدائن الداخلة، وعمل فيها عجائب، وبنى غربيّ النيل، وخلف الواحات الداخلة مدنا عمل فيها عجائب كثيرة، ووكل بها الروحانيين الذين يمنعون منها، فما يستطيع أحد أن يدنو إليها ولا يدخلها، إلا أن يعمل قرابين لأولئك الروحانيين، وأقام قفطريم ملكا أربعمائة وثمانين سنة، وأكثر العجائب عملت في وقته، ووقت ابنه، البودسير، ولذلك كان الصعيد أكثر عجائب من أسفل، لأنّ حيز قفطريم فيه.

ولما حضر قفطريم الوفاة عمل ناوسا في الجبل الغربيّ قرب مدينة الكهان في سرب تحت الأرض معقود على آزاج إلى الأرض، ونقر تحت الجبل، دارا واسعة، وجعل دورها

خزائن منقورة، وفي سقفها مسارب للرياح، وبلط السرب، وجميع الدار بالمرمر، وجعل في وسط الدار مجلسا على ثمانية أركان مصفحا بالزجاج الملوّن المسبوك، وجعل في سقفه جواهر تسرج، وجعل في كل ركن من أركان المجلس، تمثالا من الذهب بيده كالبوق الذي يبوق به، وتحت القبة دكة مصفحة بذهب، ولها حواف من زبرجد، وفوق الدكة فرش من حرير، وجعل عليها جسد بعد أن لطخ بالأدوية المجففة، ووضع في جانبه آلات كافور، وسدلت عليه ثياب منسوجة بالذهب، ووجهه مكشوف وعلى رأسه تاج مكلل، وعن جوانب الدكة أربعة تماثيل مجوّفات من زجاج مسبوك في صور النساء بأيديهنّ مراوح من ذهب، وعلى صدره من فوق الثياب، سيف فاخر قائمته من زبرجد، وجعل في تلك الخزائن من الذخائر وسبائك الذهب، والتيجان والجوهر، وبرابي الحكم، وأصناف العقاقير والطلسمات ومصاحف العلوم، ما لا يحصى كثرة، وجعل على باب المجلس: ديكا من ذهب على قاعدة من زجاج أخضر منشور الجناحين، مزبورا عليه آيات مانعة، وجعل على كل مدخل أزج، صورتين من نحاس بأيديهما سيفان، وقدّامهما بلاطة، تحتها لوالب من وطئها، ضرباه بأسيافهما، فقتلاه، وفي سقف كل أزج، كرة وعليها الطوخ مدبر يسرج، فيقد طول الزمان، وسدّ باب الأزج بالأساطين المرصصة، ورصوا على سقفه البلاط العظام، وردموا فوقها الرمال، وزبروا على باب الأزج، هذا المدخل إلى جسد الملك المعظم المهيب الكريم الشديد قفطريم ذي الأيد والفخر والغلبة والقهر، وأفل نجمه، وبقي ذكره وعلمه، فلا يصل أحد إليه ولا يقدر بحيلة عليه، وذلك بعد سبعمائة وسبعين ودورات مضت من السنين.

وقال المسعوديّ: ومعدن الزمرّد في عمل الصعيد الأعلى، من مدينة قفط، ومنها يخرج إلى هذا المعدن، والموضع الذي هو فيه يعرف: بالخربة، وهي مفازة وجبال، والبجة تحمي هذا المكان المعروف بالخربة، وإليها يؤدّي الخفارات من يرد إلى حفر الزمرّذ، ووجدت جماعة من صعيد مصر من ذوي الدراية ممن اتصلت معرفته بهذا المعدن، وعرف هذا النوع من الجوهر يخبرون أنه يكثر، ويقلّ في فصول السنة، فيكثر في قوّة موادّ الهواء، وهبوب نوع من الرياح الأربع، وتقوى الخضرة فيه، والشعاع النوريّ في أوائل الشهر، والزيادة في نور القمر، وبين الموضع المعروف بالخربة الذي فيه معدن الزمرّذ، وبين ما اتصل من العمارة، وقرب منه من الديار مسيرة سبعة أيام، وهي قفط وقوص وغيرهما من صعيد مصر، وقوص راكبة النيل، وبين النيل وقفط نحو من ميلين.

ولمدينتي قفط وقوص أخبار عجيبة في بدء عمارتهما، وما كان في أيام القبط من أخبارهما إلا أنّ مدينة قفط في هذا الوقت، متداعية للخراب، وقوص أعمر والناس فيها أكثر، وكان بقفط بربا موكل بها روحانيّ في صورة جارية سوداء تحمل صبيا أسود صغيرا، حكي أنها رئيت بها مرارا، ومعدن الزمرّذ في البرّ المتصل بأسوان، وكان له ديوان فيه شهود

وكتاب، وينفق على العمال به، وتنال لهم المؤن لحفره، واستخراج الزمرّذ منه، وهو في جبال مرملة يحفر فيه، وربما سقط على الجماعة به فماتوا. وكان يجمع ما يخرج منه، ويحمل إلى الفسطاط، ومنه يحمل إلى البلاد، وقد كان الناس يسيرون من قوص إلى معدن الزمرّذ، في ثمانية أيام بالسير المعتدل.

وكانت البجاه، تنزل حوله وقريبا منه لأجل القيام بحفره، وحفظه وهذا المعدن في الجبل الآخذ على شرقيّ النيل في بحريّ قطعة عظيمة من هذا الجبل تسمى: اقرشندة، وليس هناك من الجبال أعلى منها، وهو في منقطع من البرّ لا عمارة عنده، ولا حوله ولا قريبا منه، والماء عنه مسيرة نصف يوم أو أزيد، وهو ما يتحصل من المطر، ويعرف بغدير أعين يكثر بكثرة المطر، ويقلّ بقلته، وهذا المعدن في صدر مفازة طويلة في حجر أبيض يستخرج منه الزمرّذ، وهذا الحجر الأبيض، ثلاثة أنواع أحدها يقال له: طلق كافوريّ، والثاني يقال له: طلق فضيّ، والثالث يقال له: حجر جرويّ، ويضرب في هذه الحجارة، حتى يخرج الزمرّذ، وهو كالغريق فيه، وأنواعه الريانيّ، وهو أقلّ من القليل لا يخرج إلا في النادر، وإذا استخرج ألقي في الزيت الحار، ثم يحط في قطن، ويصرّ ذلك القطن في خرق خام أو نحوها، وكان الاحتراز على هذا المعدن كثير جدّا، ويفتش الفعلة عند الخروج منه كل يوم، حتى تفتش عوراتهم، ومع ذلك فيختلسون منه بصناعات لهم في ذلك، ولم يزل هذا المعدن يستخرج منه الزمرّذ إلى أن أبطل العمل منه الوزير الصاحب علم الدين عبد اللّه بن زنبور في أيام الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في سنة بضع وستين وسبعمائة.

وفي سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، كانت فتنة كبيرة بمدينة قفط، سببها أنّ داعيا من بني عبد القوي، ادّعى أنه داود بن العاضد، فاجتمع الناس عليه، فبعث السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، أخاه الملك العادل أبا بكر بن أيوب على جيش، فقتل من أهل قفط نحو ثلاثة آلاف، وصلبهم على شجرها ظاهر قفط بعمائمهم، وطيالستهم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر مدائن أرض مصر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.