تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر الواحات الخارجة

بناها أحد ملوك القبط الأول، ويقال له: البودسير بن قفطيم بن قبطيم بن مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، قال ابن وصيف شاه: وأراد البودسير أن يسير مغرّبا لينظر إلى ما هنالك، فوقع على أرض واسعة متخرّقة بالمياه والعيون، كثيرة العشب، فبنى فيها مناير ومنتزهات، وأقام فيها جماعة من أهل بيته، فعمروا تلك النواحي، وبنوا فيها حتى صارت أرض الغرب عمارة كلها، وأقامت كذلك مدّة كثيرة، وخالطهم البربر، فنكح بعضهم من بعض، ثم إنهم تحاسدوا، وبغى بعضهم على بعض، فكانت بينهم حروب، فخرب ذلك البلد، وباد أهله إلا بقية منازل تسمى الواحات.

وقال المسعوديّ: وأما بلاد الواحات فهي بين بلاد مصر والإسكندرية وصعيد مصر والغرب وأرض الأحابش من النوبة وغيرهم، وبها أرض شبية وزاجية، وعيون حامضة، وغير ذلك من الطعوم.

وصاحب الواحات في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، عبد الملك بن

مروان، وهو رجل من لواتة إلا أنه مروانيّ الذهب، ويركب في آلاف من الناس خيلا ونجبا، وبينه وبين الأحابش نحو من ستة أيام، وكذلك بينه وبين سائر ما ذكرنا من العمائر هذا المقدار من المسافة، وفي أرضه خواص وعجائب، وهو بلد قائم بنفسه غير متصل بغيره، ولا يفتقر إليه، ويحمل من أرضه التمر والزبيب والعناب.

وحدّثني وكيل أبي الشيخ المعز حسام الدين عمرو بن محمد بن زنكي الشهرزوري:

أنه سمع ببلاد الواحات، أنّ فيها شجرة تاريخ يقطف منها في سنة واحدة أربعة عشر ألف حبة نارنج صفراء، سوى ما يتناثر، وسوى ما هو أخضر، فلم أصدّق ذلك لغرابته، وقمت حتى شاهدت الشجرة المذكورة، فإذا هي كأعظم ما يكون من شجر الجميز بمصر وأكبر، وسألت مستوفي البلد عنها، فأحضر إليّ جرائد حسباناته وتصفحها حتى أوقفني على أن منها في سنة كذا قطف من النارنجة اللانية، أربعة عشر ألف حبة نارنج مستوية صفراء، سوى ما بقي عليها من الأخضر، وسوى ما تناثر منها وهو صغير.

وبالواحات الشبّ الأبيض بواد تجاه مدينة أدفو كان في زمن الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر، وفي زمن ابنه الصالح نجم الدين أيوب على مقطعي الواحات حمل ألف قنطار شب أبيض في كل سنة إلى القاهرة، ويطلق لهم في نظير ذلك جوالي الواحات، ثم أهمل هذا فبطل.

وفي سنة تسع وثلاثين وثلثمائة، سار ملك النوبة في جيش عظيم إلى الواحات، فأوقع بأهلها، وقتل منها، وأسر كثيرا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر مدائن أرض مصر

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.