من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر ما قيل في مصر هل فتحت بصلح أو عنوة؟
وقد اختلف في فتح مصر، فقال قوم: فتحت صلحا، وقال آخرون: إنما فتحت عنوة، فأمّا الذين قالوا كان فتح مصر بصلح، فإنّ حسين بن شفي قال: لما فتح عمرو بن
العاص الإسكندرية بقي من الأسارى بها ممن بلغ الخراج، وأحصي يومئذ ستمائة ألف سوى النساء والصبيان، فاختلف الناس على عمرو في قسمهم، فكان أكثر المسلمين يريد قسمها، فقال عمرو: لا أقدر على قسمها، حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إليه يعلمه بفتحها وشأنها، وأنّ المسلمين طلبوا قسمها، فكتب إليه عمر ﵁: لا تقسمها، وذرهم يكون خراجهم فيئا للمسلمين، وقوّة لهم على جهاد عدوّهم، فأقرّها عمرو، وأحصى أهلها، وفرض عليهم الخراج، فكانت مصر كلها صلحا بفريضة: دينارين دينارين، إلاّ أنه يلزم بقدر ما يتوسع فيه من الأرض والزرع إلاّ الإسكندرية فإنهم كانوا يؤدّون الخراج والجزية على قدر ما يرى من وليهم، لأنّ الإسكندرية فتحت عنوة بغير عهد، ولا عقد، ولم يكن لهم صلح ولا ذمّة.
وقال الليث عن يزيد بن أبي حبيب: مصر كلها صلح إلاّ الإسكندرية فإنها فتحت عنوة.
وقال عبد اللّه بن أبي جعفر: حدّثني رجل ممن أدرك عمرو بن العاص قال: للقبط عهد عند فلان، وعهد عن فلان، فسمي ثلاثة نفر، وفي رواية: إنّ عهد أهل مصر كان عند كبرائهم، وفي رواية: سألت شيخا من القدماء عن فتح مصر، قلت له: فإن ناسا يذكرون أنه لم يكن لهم عهد، فقال: ما يبالي أن لا يصلي من قال: إنه ليس لهم عهد، فقلت: فهل كان لهم كتاب؟ فقال: نعم، كتب ثلاثة: كتاب عند ظلما صاحب إخنا، وكتاب عند قرمان صاحب رشيد، وكتاب عند بحنس صاحب البرلس؛ قلت: كيف كان صلحهم؟ قال:
دينارين على كل إنسان جزية، وأرزاق المسلمين، قلت: فتعلم ما كان من الشروط؟ قال:
نعم، ستة شروط: لا يخرجون من ديارهم، ولا تنزع نساؤهم، ولا كفورهم، ولا أراضيهم، ولا يزاد عليهم.
وقال يزيد بن أبي حبيب عن أبي جمعة مولى عقبة قال: كتب عقبة بن عامر إلى معاوية بن أبي سفيان ﵁: يسأله أرضا يسترفق بها عند قرية عقبة، فكتب له معاوية: بألف ذراع في ألف ذراع، فقال له مولى له كان عنده: انظر أصلحك اللّه أرضا صالحة، فقال له عقبة: ليس لنا ذلك إنّ في عهدهم شروطا ستة لا يؤخذ من أنفسهم شيء، ولا من نسائهم، ولا من أولادهم، ولا يزاد عليهم، ويدفع عنهم موضع الخوف من عدوّهم، وأنا شاهد لهم بذلك.
وعن يزيد بن أبي حبيب عن عوف بن حطان: أنه كان لقريات من مصر منهنّ:
أم دنين وبلهيت عهد، وإنّ عمر بن الخطاب ﵁ لما سمع بذلك، كتب إلى عمرو يأمره أن يخبرهم، فإن دخلوا في الإسلام فذاك، وإن كرهوا فارددهم إلى قراهم، وقال يحيى بن أيوب وخالد بن حميد: ففتح اللّه أرض مصر كلها بصلح غير الإسكندرية، وثلاث
قريات ظاهرت الروم على المسلمين سلطيس ومصيل وبلهيت، فإنه كان للروم جمع، فظاهروا الروم على المسلمين، فلما ظهر عليها المسلمون استحلوها، وقالوا: هؤلاء لنا فيء مع الإسكندرية، فكتب عمرو بن العاص بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه عمر: أن يجعل الإسكندرية، وهؤلاء الثلاث قريات ذمّة للمسلمين، ويضربون عليهم الخراج، ويكون خراجهم، وما صالح عليه القبط كله قوّة للمسلمين لا يجعلون فيئا، ولا عبيدا، ففعلوا ذلك إلى اليوم.
وقال آخرون: بل فتحت مصر عنوة بلا عهد، ولا عقد. قال سفيان بن وهب الخولانيّ: لما افتتحنا مصر بغير عهد، ولا عقد، قام الزبير بن العوّام فقال: اقسمها يا عمرو بن العاص، فقال عمرو: واللّه لا أقسمها، فقال الزبير: واللّه لنقسمنها، كما قسم رسول اللّه ﷺ خيبر، فقال عمرو: واللّه لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر، فكتب إليه عمر: أقرّها حتى يغزو منها حبل الحبلة، وصولح الزبير على شيء أرضي به، وقال ابن لهيعة عن عبد اللّه بن هبيرة: إنّ مصر فتحت عنوة، وعن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال: سمعت أشياخنا يقولون: إنّ مصر فتحت عنوة بغير عهد، ولا عقد منهم، أبي يحدّثنا عن أبيه، وكان فيمن شهد فتح مصر، وعن أبي الأسود عن عروة: إنّ مصر فتحت عنوة، وعن عمرو بن العاص أنه قال: لقد قعدت مقعدي هذا، وما لأحد من قبط مصر عليّ عهد، ولا عقد إلاّ أهل أنطابلس كان لهم عهد يوفي به إن شئت قبلت، وإن شئت خمست، وإن شئت بعت. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنّ عمرو بن العاص فتح مصر بغير عهد، ولا عقد، وأنّ عمر بن الخطاب ﵁ حبس درها وضرعها أن يخرج منه شيء نظرا للإسلام وأهله.
وعن يزيد بن أسلم قال: كان تابوت لعمر بن الخطاب فيه كل عهد كان بينه وبين أحد ممن عاهده، فلم يوجد فيه لأهل مصر عهد، فمن أسلم منهم أقامه ومن أقام منهم قوّمه، وكتب حيان بن شريح إلى عمر بن عبد العزيز يسأله أن يجعل جزية موتي القبط على أحيائهم، فسأل عمر عراك بن مالك، فقال عراك: ما سمعت لهم بعهد ولا عقد، وإنما أخذوا عنوة بمنزلة العبيد، فكتب عمر إلى حيّان: أن يجعل جزية موتي القبط على أحيائهم، وقال يحيى بن عبد اللّه بن بكير: خرج أبو سلمة بن عبد الرحمن يريد الإسكندرية في سفينة، فاحتاج إلى رجل يجذف، فسخر رجلا من القبط، فكلم في
ذلك، فقال: إنما هم بمنزلة العبيد إن احتجنا إليهم.
وقال ابن لهيعة عن الصلت بن أبي عاصم: إنه قرأ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى حيان بن شريح: أنّ مصر فتحت عنوة بغير عهد ولا عقد.
وعن عبيد اللّه بن أبي جعفر: أن كاتب حيان حدّثه: أنه احتيج إلى خشب لصناعة الجزيرة، فكتب حيان إلى عمر بن عبد العزيز يذكر ذلك له، وأنه وجد خشبا عند بعض أهل الذمّة، وأنه كره أن يأخذها منهم حتى يعلمه، فكتب إليه عمر: خذها منهم بقيمة عدل، فإني لم أجد لأهل مصر عهدا أفي لهم به، وقال عمر بن عبد العزيز لسالم: أنت تقول ليس لأهل مصر عهد؟ قال: نعم. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنّ عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب في رهبان يترهبون بمصر، فيموت أحدهم، وليس له وارث، فكتب إليه عمر: أن من كان منهم له عقب، فادفع ميراثه إلى عقبه، فإن لم يكن له عقب، فاجعل ماله في بيت مال المسلمين، فإن ولاءه للمسلمين.
وقال ابن شهاب: كان فتح مصر بعضها بعهد وذمّة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطاب ﵁ جميعها ذمّة، وحملهم على ذلك، فمضى ذلك فيهم إلى اليوم، واشترى الليث بن سعد شيئا من أرض مصر لأنه كان يحدّث عن يزيد بن أبي حبيب: أن مصر صلح، وكان مالك بن أنس ينكر على الليث ذلك، وأنكر عليه أيضا عبد اللّه بن لهيعة، ونافع بن يزيد لأنّ مصر عندهم كانت عنوة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع