من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر السبب في تسمية مدينة مصر بالفسطاط
قال ابن عبد الحكم عن يزد بن أبي حبيب: أنّ عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية، ورأى بيوتها، وبناءها مفروغا منها، همّ أن يسكنها، وقال: مساكن قد كفيناها، فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول: هل يحول بيني وبين المسلمين ماء؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إذا جرى النيل، فكتب عمر إلى عمرو: إني لا أحب أن تنزل بالمسلمين منزلا يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف، فتحوّل عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط، قال: وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى سعد بن أبي وقاص، وهو نازل بمدائن كسرى، وإلى عامله بالبصرة، وإلى عمرو بن العاص، وهو نازل بالإسكندرية: أن لا تجعلوا بيني وبينكم ماء متى أردت أن أركب إليكم راحلتي حتى أقدم عليكم قدمت، فتحوّل سعد من مدائن كسرى إلى الكوفة، وتحوّل صاحب البصرة من المكان الذي كان فيه، فنزل البصرة، وتحوّل عمرو بن العاص من الإسكندرية إلى الفسطاط.
قال: وإنما سميت الفسطاط لأنّ عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم، أمر بنزع فسطاطه، فإذا فيه يمام قد فرّخ، فقال عمرو: لقد تحرّم منا بمتحرّم، فأمر به فأقرّ كما هو، وأوصى به صاحب القصر، فلما قفل المسلمون من الإسكندرية قالوا: أين ننزل؟ قالوا: الفسطاط، لفسطاط عمرو الذي كان خلفه، وكان مضروبا في موضع الدار التي تعرف اليوم بدار الحصار عند دار عمرو الصغيرة.
قال الشريف محمد بن أسعد الجوّانيّ: كان فسطاط عمرو عند درب حمام شمول بخط الجامع، وقال ابن قتيبة في كتاب غريب الحديث في حديث النبيّ ﷺ أنه قال:
«عليكم بالجماعة فإنّ يد اللّه على الفسطاط» يرويه سويد بن عبد العزيز عن النعمان بن المنذر عن مكحول عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ.
والفسطاط: المدينة، وكل مدينة: فسطاط، ولذلك قيل لمصر: فسطاط. وقال البكريّ: الفسطاط بضم أوّله وكسره وإسكان ثانيه: اسم لمصر، ويقال: فسطاط وبسطاط.
قال المطرّزي: وفصطاد، وفستاد، وبكسر أوائل جميعها، فهي عشر لغات. وقال ابن قتيبة:
كل مدينة فسطاط، وذكر حديث: عليكم بالجماعة، فإنّ يد اللّه على الفسطاط، وأخبرني أبو حاتم عن الأصمعيّ أنه قال: حدّثني رجل من بني تميم قال: قرأت في كتاب رجل من قريش: هذا ما اشترى فلان بن فلان من عجلان مولى زياد، اشترى منه خمسمائة جريب حيال الفسطاط، يريد البصرة، ومنه قول الشعبيّ في الآبق إذا أخذ في الفسطاط عشرة، وإذا أخذ خارجا عن الفسطاط أربعون، وأراد أن يد اللّه على أهل الأمصار وأنّ من شذ عنهم، وفارقهم في الرأي فقد خرج عن يد اللّه، وفي ذلك آثار، واللّه أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع