تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

عمل سماط عيد الفطر بهذه القاعة

قال الأمير المختار عز الملك بن عبيد اللّه بن أحمد بن إسماعيل بن عبد العزيز المسبحيّ في تاريخه الكبير: وفي آخر يوم منه يعني شهر رمضان سنة ثمانين وثلثمائة، حمل يانس الصقلبي صاحب الشرطة السفلى السماط، وقصور السكر والتماثيل، وأطباقا فيها تماثيل حلوى، وحمل أيضا عليّ بن سعد المحتسب القصور وتماثيل السكر.

وقال ابن الطوير: فأما الأسمطة الباطنة التي يحضرها الخليفة بنفسه، ففي يوم عيد الفطر: اثنان، ويوم عيد النحر: واحد، فأما الأوّل من عبيد الفطر، فإنه يعين في الليل بالإيوان قدّام الشباك الذي يجلس فيه الخليفة، فيمدّ ما مقداره ثلثمائة ذراع في عرض سبعة

أذرع من الخشكنان، والفانيذ، والبسندود المقدّم ذكر عمله بدار الفطرة، فإذا صلى الفجر في أوّل الوقت حضر إليه الوزير، وهو جالس في الشباك، ومكن الناس من ذلك الممدود، فأخذ وحمل ونهب، فيأخذه من يأكله في يومه، ومن يدّخره لغده، ومن لا حاجة له به، فيبيعه ويتسلط عليه أيضا حواشي القصر المقيمون هناك، فإذا فرغ من ذلك، وقد بزغت الشمس ركب من باب الملك بالإيوان، وخرج من باب العيد إلى المصلى، والوزير معه كما وصفنا في هيئة ركوب هذا العيد في فصله مخليا لقاعة الذهب لسماط الطعام، فينصب له سرير الملك قدّام باب المجلس في الرواق، وينصب فيه مائدة من فضة، ويقال لها:

المدوّرة، وعليها أواني الفضيات والذهبيات، والصيني الحاوية للأطعمة الخاص الفائحة الطيب الشهية من غير خضراوات، سوى الدجاج الفائق المسمن المعمول بالأمزجة الطيبة النافعة، ثم ينصب السماط أمام السرير إلى باب المجلس قبالته، ويعرف بالمحول طول القاعة، وهو اليوم الباب الذي يدخل منه إليها من باب البحر الذي هو باب القصر اليوم، والسماط خشب مدهون شبه الدكك اللاطية، فيصير من جمعه للأواني سماطا عاليا في ذلك الطول، وبعرض عشرة أذرع، فيفرش فوق ذلك الأزهار، ويرص الخبز على حافتيه سواميذ كل واحد ثلاثة أرطال من نقيّ الدقيق، ويدهن وجهها عند خبزها بالماء، فيحصل لها بريق، ويحسن منظرها، ويعمر داخل ذلك السماط على طوله بأحد وعشرين طبقا في كل طبق أحد وعشرون ثنيا سمينا مشويا، وفي كل من الدجاج والفراريج وفراخ الحمام ثلثمائة وخمسون طائرا، فيبقى طائلا مستطيلا، فيكون كقامة الرجل الطويل، ويسوّر بشرائح الحلواء اليابسة، ويزين بألوانها المصبغة، ثم يسدّ خلل تلك الأطباق بالصحون الخزفية التي في كل واحد منها سبع دجاجات، وهي مترعة بالألوان الفائقة من الحلواء المائعة والطباهجة المشققة، والطيب غالب على ذلك كله، فلا يبعد أن تناهز عدّة الصحون المذكورة خمسمائة صحن، ويرتب ذلك أحسن ترتيب من نصف الليل بالقاعة إلى حين عود الخليفة من المصلى، والوزير معه، فإذا دخل القاعة، وقف الوزير على باب دخول الخليفة، لينزع عنه الثياب العيدية التي في عمامتها السمة، ويلبس سواها من خزائن الكسوات الخاصة التي قدّمنا ذكرها، وقد عمل بدار الفطرة، قصران من حلى في كلواحد سبعة عشر قنطارا، وحملا، فمنهما واحد يمضي به من طريق قصر الشوك إلى باب الذهب، والآخر يشق به بين القصرين يحملهما العتالون، فينصبان أوّل السماط وآخره، وهما شكل مليح مدهونان بأوراق الذهب، وفيهما شخوص ناتئة كأنها مسبوكة في قوالب لوحا لوحا، فإذا عبر الخليفة راكبا، ونزل على السرير الذي عليه المدوّرة الفضة، وجلس قام على رأسه أربعة من كبار الأستاذين المحنكين، وأربعة من خواص الفرّاشين، ثم يستدعي الوزير، فيطلع إليه ويجلس عن يمينه، ويستدعي الأمراء المطوّقين، ومن يليهم من الأمراء دونهم،

فيجلسون على السماط كقيامهم بين يديه، فيأكل من أراد من غير إلزام، فإنّ في الحاضرين من لا يعتقد الفطر في ذلك اليوم، فيستولي على ذلك المعمول الآكلون، وينقل إلى دار أرباب الرسوم، ويباح فلا يبقى منه إلا السماط فقط، فيعم أهل القاهرة ومصر من ذلك نصيب وافر، فإذا انقضى ذلك عند صلاة الظهر، انفض الناس، وخرج الوزير إلى داره مخدوما بالجماعة الحاضرين، وقد عمل سماطا لأهله وحواشيه، ومن يعز عليه لا يلحق بأيسر يسير من سماط الخليفة، وعلى هذا العمل يكون سماط عيد النحر أوّل يوم منه، وركوبه إلى المصلى، كما ذكرنا، ولا يخرج عن هذا المنوال ولا ينقص عن هذا المثال، ويكون الناس كلهم مفطرين، ولا يفوت أحدا منهم شيء، كما ذكرنا في عيد الفطر.

قال: ومبلغ ما ينفق في سماطي الفطر، والأضحى أربعة آلاف دينار، وكان يجلس على أسمطة الأعياد في كل سنة رجلان من الأجناد يقال لأحدهما: ابن فائز، والآخر الديلميّ يأكل كل واحد منهما خروفا مشويا، وعشر دجاجات محلاة، وجام حلوى عشرة أرطال، ولهما رسوم تحمل إليهما بعد ذلك من الأسمطة لبيوتهما ودنانير وافرة على حكم الهبة، وكان أحدهما أسر بعسقلان في تجريدة جرّد إليها، وأقام مدّة في الأسر فاتفق أنه كان عندهم عجل سمين فيه عدّة قناطير لحم، فقال له الذي أسره وهو يداعبه: إن أكلت هذا العجل أعتقتك، ثم ذبحه، وسوّى لحمه، وأطعمه حتى أتى على جميعه، فوفى له وأعتقه، فقدم على أهله بالقاهرة، ورأيته يأكل على السماط.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.