تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

الباب المحروق

كان يعرف قديما بباب القرّاطين، فلما زالت دولة بني أيوب، واستقل بالملك: الملك المعز عز الدين أيبك التركمانيّ، أوّل من ملك من المماليك بمملكة مصر في سنة خمسين وستمائة، كان حينئذ أكبر الأمراء البحرية مماليك، الملك الصالح نجم الدين أيوب، الفارس أقطاي الجمدار، وقد استفحل أمره، وكثرت أتباعه، ونافس المعز أيبك، وتزوّج بابنة الملك المظفر صاحب حماه، وبعث إلى المعز بأن ينزل من قلعة الجبل، ويخليها له، حتى يسكنها بامرأته المذكورة، فقلق المعز منه، وأهمّه شأنه، وأخذ يدبر عليه، فقرّر مع عدّة من مماليكه أن يقفوا بموضع من القلعة عينه لهم، وإذا جاء الفارس أقطاي فتكوا به، وأرسل إليه وقت القائلة يستدعيه ليشاوره في أمر مهمّ، فركب في قائلة يوم الاثنين حادي عشري شعبان سنة اثنتين وخمسين وستمائة في نفر من مماليكه، وهو آمن مطمئن بما

صار له في الأنفس من الحرمة والمهابة، وبما يثق به من شجاعته، فلما صار بقلعة الجبل، وانتهى إلى قاعة العواميد عوّق من معه من المماليك عن الدخول معه، ووثب به المماليك الذين أعدّهم المعزّ، وتناولوه بالسيوف، فهلك لوقته، وغلقت أبواب القلعة، وانتشر الصوت بقتله في البلد، فركب أصحابه وخشداشيته، وهم نحو السبعمائة فارس إلى تحت القلعة، وفي ظنهم أنّ الفارس أقطاي لم يقتل، وإنما قبض عليه السلطان، وإنهم يقاتلونه حتى يطلقه لهم، فلم يشعروا إلاّ برأس الفارس أقطاي، وقد ألقيت عليهم من القلعة، فانفضوا لوقتهم، وتواعدوا على الخروج من مصر إلى الشام، وأكابرهم يومئذ بيبرس البندقداريّ، وقلاون الإلفيّ، وسنقر الأشقر، وبيسري، وسكز، وبرامق، فخرجوا في الليل من بيوتهم بالقاهرة إلى جهة باب القرّاطين، ومن العادة أن تغلق أبواب القاهرة بالليل، فألقوا النار في الباب حتى سقط من الحريق، وخرجوا منه، فقيل له من ذلك الوقت: الباب المحروق وعرف به، وأما القوم فإنهم ساروا إلى الملك الناصر يوسف بن العزيز صاحب الشام، فقبلهم وأنعم عليهم، وأقطعهم إقطاعات، واستكثر بهم، وأصبح المعز، وقد علم بخروجهم إلى الشام، فأوقع الحوطة على جميع أموالهم ونسائهم وأولادهم وعامّة تعلقاتهم، وسائر أسبابهم، وتتبعهم ونادى عليهم في الأسواق بطلب البحرية، وتحذير العامّة من إخفائهم، فصار إليه من أموالهم ما ملأ عينه، واستمرّت البحرية في الشام إلى أن قتل المعز أيبك، وخلع ابنه المنصور، وتسلطن الأمير قطز، فتراجعوا في أيامه إلى مصر، وآلت أحوالهم إلى أن تسلطن منهم: بيبرس وقلاون، وللّه عاقبة الأمور.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.