من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
باب الفتوح
وضعه القائد جوهر دون موضعه الآن، وبقي منه إلى يومنا هذا عقده، وعضادته اليسرى، وعليه أسطر من الكتابة بالكوفيّ، وهو برأس حارة بهاء الدين من قبليها دون جدار الجامع الحاكميّ، وأما الباب المعروف اليوم: بباب الفتوح، فإنه من وضع أمير الجيوش، وبين يديه باشورة، قد ركبها الآن الناس بالبنيان، لما عمر ما خرج عن باب الفتوح.
أمير الجيوش: أبو النجم بدر الجماليّ كان مملوكا أرمنيا لجمال الدولة بن عمار، فلذلك عرف: بالجماليّ، وما زال يأخذ بالجدّ من زمن سبيه فيما يباشره، ويوطن نفسه على قوّة العزم، ويتنقل في الخدم، حتى ولي إمارة دمشق من قبل المستنصر في يوم الأربعاء ثالث عشري ربيع الآخر سنة خمس وستين وأربعمائة، ثم سار منها كالهارب في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة خلت من رجب سنة ست وخمسين، ثم وليها ثانيا يوم الأحد سادس شعبان سنة
ثمان وخمسين، فبلغه قتل ولده شعبان بعسقلان، فخرج في شهر رمضان سنة ستين وأربعمائة، فثار العسكر، وأخربوا قصره، وتقلد نيابة عكا، فلما كانت الشدّة بمصر من شدّة الغلاء، وكثرة الفتن، والأحوال بالحضرة قد فسدت، والأمور قد تغيرت، وطوائف العسكر قد شغبت، والوزراء يقنعون بالاسم دون نفاذ الأمر والنهي، والرخاء قد أيس منه، والصلاح لا مطمع فيه، ولواته قد ملكت الريف، والصعيد بأيدي العبيد، والطرقات قد انقطعت برّا وبحرا إلاّ بالخفارة الثقيلة، فلما قتل بلدكوش: ناصر الدولة حسين بن حمدان، كتب المستنصر إليه يستدعيه ليكون المتولي لتدبير دولته، فاشترط أن يحضر معه من يختاره من العساكر، ولا يبقى أحدا من عسكر مصر، فأجابه المستنصر إلى ذلك، فاستخدم معه عسكرا، وركب البحر من عكا في أوّل كانون، وسار بمائة مركب بعد أن قيل له: إنّ العادة لم تجر بركوب البحر في الشتاء لهيجانه، وخوف التلف، فأبى عليهم، وأقلع فتمادى الصحو، والسكون مع الريح الطيبة مدّة أربعين يوما، حتى كثر التعجب من ذلك، وعدّ من سعادته، فوصل إلى تنيس ودمياط، واقترض المال من تجارها ومياسيرها، وقام بأمر ضيافته، وما يحتاج إليه من الغلال: سليمان اللواتيّ كبير أهل البحيرة، وسار إلى قليوب، فنزل بها وأرسل إلى المستنصر يقول: لا أدخل إلى مصر حتى تقبض على بلدكوش، وكان أحد الأمراء، وقد اشتدّ على المستنصر بعد قتل ابن حمدان، فبادر المستنصر، وقبض عليه، واعتقله بخزانة البنود، فقدم بدر عشية الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة خمس وستين وأربعمائة، فتهيأ له أن قبض على جميع أمراء الدولة، وذلك أنه لما قدم لم يكن عند الأمراء علم من استدعائه، فما منهم إلاّ من أضافه، وقدّم إليه، فلما انقضت نوبهم في ضيافته استدعاهم إلى منزله في دعوة صنعها لهم، وبيت مع أصحابه أن القوم إذا أجنهم الليل، فإنهم لا بدّ يحتاجون إلى الخلاء، فمن قام منهم إلى الخلاء يقتل هناك، ووكل بكل واحد واحدا من أصحابه، وأنعم عليه بجميع ما يتركه ذلك الأمير من دار ومال، وإقطاع وغيره، فصار الأمراء إليه وظلوا نهارهم عنده، وباتوا مطمئنين، فما طلع ضوء النهار حتى استولى أصحابه على جميع دور الأمراء، وصارت رؤوسهم بين يديه، فقويت شوكته، وعظم أمره، وخلع عليه المستنصر بالطيلسان المقوّر، وقلده وزارة السيف والقلم، فصارت القضاة والدعاة، وسائر المستخدمين من تحت يده، وزيد في ألقابه أمير الجيوش كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، وتتبع المفسدين، فلم يبق منهم أحدا حتى قتله، وقتل من أماثل المصريين، وقضاتهم ووزرائهم جماعة، ثم خرج إلى الوجه البحريّ، فأسرف في قتل من هنا لك من لواتة، واستصفى أموالهم، وأزاح المفسدين وأفناهم بأنواع القتل، وصار
إلى البرّ الشرقيّ، فقتل منه كثيرا من المفسدين، ونزل إلى الإسكندرية، وقد ثار بها جماعة مع ابنه الأوحد، فحاصرها أياما من المحرّم سنة سبع وسبعين وأربعمائة، إلى أن أخذها عنوة، وقتل جماعة ممن كان بها، وعمر جامع العطارين من مال المصادرات، وفرغ من بنائه في ربيع الأوّل سنة تسع وسبعين وأربعمائة، ثم سار إلى الصعيد، فحارب جهينة والثعالبة، وأفتى أكثرهم بالقتل، وغنم من الأموال، ما لا يعرف قدره كثرة، فصلح به حال الإقليم بعد فساده، ثم جهز العساكر لمحاربة البلاد الشامية، فصارت إليها غير مرّة، وحاربت أهلها، ولم يظفر منها بطائل، واستناب ولده شاهنشاه، وجعله وليّ عهده.
فلما كان في سنة سبع وثمانين وأربعمائة مات في ربيع الآخر، وقيل: في جمادى الأولى منها، وقد تحكم في مصر تحكم الملوك، ولم يبق للمستنصر معه أمر، واستبدّ بالأمور، فضبطها أحسن ضبط، وكان شديد الهيبة، وافر الحرمة مخوف السطوة قتل من مصر خلائق لا يحصيها إلا خالقها، منها أنه قتل من أهل البحيرة نحو العشرين ألف إنسان إلى غير ذلك من أهل دمياط والإسكندرية، والغربية والشرقية، وبلاد الصعيد وأسوان، وأهل القاهرة ومصر، إلاّ أنه عمر البلاد، وأصلحها بعد فسادها وخرابها، بإتلاف المفسدين من أهلها، وكان له يوم مات نحو الثمانين سنة، وكانت له محاسن منها: أنه أباح الأرض للمزارعين ثلاث سنين، حتى ترفهت أحوال الفلاحين، واستغنوا في أيامه، ومنها حضور التجار إلى مصر لكثرة عدله بعد انتزاحهم منها في أيام الشدّة، ومنها كثرة كرمه، وكانت مدّة أيامه بمصر إحدى وعشرين سنة، وهو أوّل وزراء السيوف الذين حجروا على الخلفاء بمصر.
ومن آثاره الباقية بالقاهرة: باب زويلة، وباب الفتوح، وباب النصر، وقام من بعده بالأمر ابنه شاهنشاه الملقب بالأفضل بن أمير الجيوش، وبه وبابنه الأفضل أبهة الخلفاء الفاطمية بعد تلاشي أمرها، وعمرت الديار المصرية بعد خرابها، واضمحلال أحوال أهلها، وأظنه هو الذي أخبر عنه المعز فيما تقدّم من حكاية جوهر عنه، فإنه لم يتفق ذلك لأحد من رجال دولتهم غيره، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع