تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

باب زويلة

كان باب زويلة عندما وضع القائد جوهر القاهرة بابين متلاصقين بجوار المسجد المعروف اليوم: بسام ابن نوح، فلما قدم المعز إلى القاهرة دخل من أحدهما، وهو الملاصق للمسجد الذي بقي منه إلى اليوم عقد، ويعرف بباب القوس، فتيامن الناس به، وصاروا يكثرون الدخول والخروج منه، وهجروا الباب المجاور له، حتى جرى على الألسنة أن من مرّ به لا تقضى له حاجة، وقد زال هذا الباب، ولم يبق له أثر اليوم إلاّ أنه يفضي إلى الموضع الذي يعرف اليوم: بالحجارين، حيث تباع آلات الطرب من الطنابير، والعيدان ونحوهما، وإلى الآن مشهور بين الناس أن من يسلك من هناك لا تقضى له حاجة، ويقول بعضهم: من أجل أن هناك آلات المنكر، وأهل البطالة من المغنين والمغنيات، وليس الأمر كما زعم، فإنّ هذا القول جار على ألسنة أهل القاهرة من حين دخل المعز إليها قبل أن يكون هذا الموضع سوقا للمعازف، وموضعا لجلوس أهل المعاصي.

فلما كان في سنة خمس وثمانين وأربعمائة، بنى أمير الجيوش بدر الجماليّ: وزير الخليفة المستنصر بالله باب زويلة الكبير الذي هو باق إلى الآن، وعلى أبراجه، ولم يعمل له باشورة، كما هي عادة أبواب الحصون من أن يكون في كل باب عطف، حتى لا تهجم عليه العساكر في وقت الحصار، ويتعذر سوق الخيل، ودخولها جملة لكنه عمل في بابه زلاقة كبيرة من حجارة صوّان عظيمة بحيث إذا هجم عسكر على القاهرة لا تثبت قوائم الخيل على الصوّان، فلم تزل هذه الزلاقة باقية إلى أيام السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فاتفق مروره من هنا لك، فاختلّ فرسه، وزلق به، وأحسبه سقط عنه، فأمر بنقضها، فنقضت، وبقي منها شيء يسير ظاهر، فلما ابتنى الأمير جمال الدين يوسف الإستادار المسجد المقابل لباب زويلة، وجعله باسم الملك الناصر فرج ابن الملك الظاهر برقوق، ظهر عند حفرة الصهريج الذي به بعض هذه الزلاقة، وأخرج منها حجارة من صوّان لا تعمل فيها العدّة الماضية، وأشكالها في غاية من الكبر لا يستطيع جرّها إلاّ أربعة أرؤس بقر، فأخذ الأمير جمال الدين منها شيئا، وإلى الآن حجر منها ملقى تجاه قبو الخرنشف من القاهرة.

ويذكر أن ثلاثة إخوة قدموا من الرها بنائين بنوا: باب زويلة، وباب النصر، وباب الفتوح، وكل واحد بنى بابا، وأن باب زويلة هذا بني في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وأن باب الفتوح بني في سنة ثمانين وأربعمائة.

وقد ذكر ابن عبد الظاهر في كتاب خطط القاهرة: أن باب زويلة هذا بناه العزيز بالله نزار بن المعز، وتممه أمير الجيوش، وأنشد لعليّ بن محمد النيلي:

يا صاح لو أبصرت باب زويلةلعلمت قدر محله بنيانا
باب تأزر بالمجرّة وارتدى الشعرى ولاث برأسه كيوانا
لو أنّ فرعونا بناه لم يردصرحا ولا أوصى به هامانا

ا هـ. وسمعت غير واحد يذكر أنّ فردتيه يدوران في سكرجتين من زجاج.

وذكر جامع سيرة الناصر محمد بن قلاوون: أن في سنة خمس وثلاثين وسبعمائة رتب أيدكين والي القاهرة في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون على باب زويلة خليلية تضرب كل ليلة بعد العصر.

وقد أخبرني من طاف البلاد، ورأى مدن الشرق، أنه لم يشاهد في مدينة من المدائن عظم باب زويلة، ولا يرى مثل بدنتيه اللتين عن جانبيه، ومن تأمّل الأسطر التي قد كتبت على أعلاه من خارجه، فإنه يجد فيها اسم أمير الجيوش، والخليفة المستنصر، وتاريخ بنائه، وقد كانت البدنتان أكبر مما هما الآن بكثير، هدم أعلاهما الملك المؤيد شيخ لما أنشأ الجامع داخل باب زويلة، وعمر على البدنتين منارتين، ولذلك خبر تجده

في ذكر الجوامع، عند ذكر الجامع المؤيدي.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.