من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر دار الضيافة
خرّج مالك في الموطأ: عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان إبراهيم ﵇ أوّل من ضيّف الضيف، وأوّل من اتخذ دار ضيافة الإسلام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في سنة سبع عشرة، وأعدّ فيها الدقيق والسمن والعسل وغيره، وجعل بين مكة والمدينة من يحمل المنقطعين من ماء إلى ماء حتى يوصلهم إلى البلد، فلما استخلف عثمان بن عفان ﵁، أقام الضيافة لأبناء السبيل، والمتعبدين في المسجد وأوّل من بنى دار الضيافة بمصر للناس: عثمان بن قيس بن أبي العاص السهميّ، أحد من شهد فتح مصر من الصحابة، وكان ميدان القصر الغربيّ الذي هو الآن الخرنشف دار الضيافة بحارة برجوان، وكانت هذه الدار أوّلا تعرف: بدار الأستاذ برجوان، وفيها كان يسكن حيث الموضع المعروف بحارة برجوان، ثم لما قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ في أيام الخليفة المستنصر من عكا، واستبدّ بأمر الدولة أنشأ هناك دارا عظيمة، وسكنها ولم يسكن بدار الديباج التي كانت دار الوزارة القديمة.
فلما مات أمير الجيوش بدر، واستولى سلطنة ديار مصر ابنه الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش، وأنشأ دار القباب التي عرفت: بدار الوزارة الكبرى قريبا من رحبة باب العيد، أقرّ أخاه أبا محمد جعفرا المنعوت: بالمظفر ابن أمير الجيوش، بدار أمير الجيوش من حارة برجوان، فعرفت: بدار المظفر، وما زال بها حتى مات، وقبر بها، وإلى اليوم قبره بها، وتسميه العامّة: جعفرا الصادق. ولما مات المظفر اتخذت داره المذكورة دار ضيافة برسم الرسل الواردين من الملوك، واستمرّت كذلك إلى أن انقرضت الدولة، فأنزل بها السلطان صلاح الدين أولاد العاضد إلى أن نقلهم إلى قلعة الجبل، الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب.
فلما كان في سنة تسع وسبعين وستمائة، تقدّم أمر الملك المنصور قلاون لوكيل بيت المال القاضي: مجد الدين عيسى بن الخشاب ببيع دار المظفر، فباع القاعة الكبرى، وما هو من حقوقها، وبيعت دار المظفر الصغرى، وهدمها الناس، وبنوا في مكانها دورا، وموضعها الآن دار قاضي القضاة شمس الدين محمد الطرابلسيّ الحنفيّ، وما بجوارها إلى الدار التي بها سكنى اليوم، وهي من حقوق دار المظفر الصغرى، على ما في كتبها القديمة، ولما أنشأ قاضي القضاة شمس الدين المذكور داره: في سنة سبع أو سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، ظهر من تحت الأرض عند حفر الأساس حجر عظيم، قيل: إنه عتبة دار المظفر الكبرى، وكان إذ
ذاك الأمير جهاركس الخليليّ يتولى عمارة مدرسة الملك الظاهر برقوق، التي في خط بين القصرين، فلما بلغه خبر هذا الحجر بعث إليه، وأمر بجرّه إلى العمارة، فعمل عتبة باب المزمّلة، التي للمدرسة وكان من وراء هذه الدار، رحبة الأفيال أدركتها ساحة ثم عمر فيها.
قال ابن الطوير: الخدمة المعروفة: بالنيابة للقاء المرسلين، وهي خدمة جليلة يقال لمتوليها النائب، وينعت بعدي الملك، وهو ينوب عن صاحب الباب في لقاء الرسل الوافدين على مسافة، وإنزال كل واحدة في دار تصلح له، ويقيم له من يقوم بخدمته، وله نظير في دار الضيافة، وهو يسمى اليوم بمهمندار، ويرتب لهم ما يحتاجون إليه، ولا يمكن أحدا من الاجتماع بهم، ويذكر صاحب الباب بهم، ويبالغ في نجاز ما وصلوا فيه، وهو الذي يسلم بهم أبدا عند الخليفة والوزير، وينفذ بهم، ويستأذن عليهم، ويدخل الرسول وصاحب الباب قابض على يده اليمنى، والنائب بيده اليسرى، فيحفظ ما يقولون، وما يقال لهم، ويجتهد في انفصالهم على أحسن الوجوه، وبين يديه من الفرّاشين المقدّم ذكرهم عدّة لإعانته وإذا غاب أقام عنه نائبا إلى أن يعود وله من الجاري خمسون دينارا في كل شهر، وفي اليوم نصف قنطار خبز، وقد يهدي إليه المرسلون طرفا فلا يتناولها إلاّ بإذن، انتهى.
وفي هذه الدولة التركية يقال لمتولي هذه الوظيفة: مهمندار، ولا يليها عندهم إلاّ صاحب سيف من الأمراء العشراوات، وكانت في الدولة الفاطمية على ما ذكره ابن الطوير:
لا يليها إلاّ أعيان العدول، وأرباب العمائم، وينعت أبدا بعدي الملك، وأصل هذه الكلمة الفارسية: مهمان دار (ومعناها ملتقى الضيوف).
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع